هل يمكنك شراء أرض على القمر؟

 أوضحت وكالة الفضاء الأوربية ESA مؤخراً خطتها بإنشاء قاعدة قمرية بحلول عام 2030.


حقوق الصورة: ESA / Foster + partners


هل سمعت من قبل بأن من الممكن أن تشتري عقاراً على القمر؟ 


لربما قد أخبرك أحدهم بذلك، وبفضل ثغرات معينة في النظام القانوني، فمن الممكن أن تشتري قطعة خاصة بك من أرض القمرفي الحقيقة ذكرت تقارير كثيرة أن بعض المشاهير انطلت عليهم الخدعة، في محاولة منهم لانتهاز الفرصة وأخذ حصتهم من أرض القمر قبل أن تسبقهم الشركات الخاصة والدول إليها.

 

وعلى الرغم من واقع إمكانية وجود عدة شركات مستعدة للتعهد لك بذلك، فالحقيقة بأن الاتفاقيات الدولية تقر بأن لا دولة تملك القمر لذاتها، كما تقر هذه الاتفاقيات أيضاً بأن القمر موجود لخير البشرية جمعاء، وبالتالي، فمن المستحيل لأي دولة أن تمتلك أياً من أرض القمر.


لكن هل يعني هذا أن الملكية الخاصة مستحيلة أيضاً؟ الإجابة المختصرة هي نعم، أما الإجابة المستفيضة تقول بأن الأمر معقد! وفي الحاضر، تأمل بلاد عديدة ببناء مراكز ومستوطنات لها على القمر في العقود القادمة، فوكالة الفضاء الأوربية ESA تأمل ببناء ''قرية دولية" بين عامي 2020 و 2030،ولدى ناسا خططها الخاصة ببناء قاعدتها القمرية.

كما تخطط وكالة الفضاء الروسية روسكوزموس Roscosmos لبناء قاعدة قمرية بحلول عام 2020، وتخطط أيضاً وكالة الفضاء الوطنية الصينية CNSA لبناء قاعدة مشابهة وضمن إطار زمني مشابه، وذلك كنتيجةٍ لنجاح برنامج تشانج-إي Chang'e خاصتها. وبسبب كل ما أوردناه آنفاً، يتم تركيز المزيد من الانتباه مؤخراً على الإطار القانوني الموجود فيما يخص القمر والأجرام السماوية الأخرى. لنلق نظرة على تاريخ ''قانون الفضاء"، هلا نبدأ؟

 

 معاهدة الفضاء الخارجي


في السابع والعشرين من كانون الثاني/يناير عام 1967، اجتمعت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد السوفيتي على طاولة واحدة للعمل على معاهدة بخصوص استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي، فمع انخراط السوفييتين والأمريكيين في سباق الفضاء، نشأت مخاوف عند كل الأطراف بأن أي قوة تتمكن من وضع مصادرها في مدار ما، أو تصل إلى القمر أولاً، ربما سيكون لها سطوة على غيرها، وقد تستخدم هذه المصادر في أمور شريرة.


وبهذا، وقعت جميع الأطراف على ما يسمى "معاهدة المبادئ المنظمة لنشاطات الدول في استكشاف أو استخدام الفضاء الخارجي بما فيه القمر والأجرام السماوية الأخرى"، المعروفة أيضا بـ "معاهدة الفضاء الخارجي".


وقد وضعت هذه الاتفاقية موضع التنفيذ في العاشر من تشرين الأول من عام 1967، وأصبحت الأساس الذي يقوم عليه قانون الفضاء الدولي. وفي أيلول/سبتمبر عام 2015، بلغ عدد الدول التي وقعت عليها 104 دولة (بالإضافة لـ 24 دولةً أخرى وقعت المعاهدة لكنها لم تستكمل عملية التصديق عليها).


يظهر رائد الفضاء Charles M. Duke Jr يجمع عينات من على سطح القمر، ومعه المركبة القمرية الجوالة خلال بعثة أبولو 16. حقوق الصوررررررة: NASA
يظهر رائد الفضاء Charles M. Duke Jr يجمع عينات من على سطح القمر، ومعه المركبة القمرية الجوالة خلال بعثة أبولو 16. حقوق الصوررررررة: NASA


يشرف على المعاهدة مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي UNOOSA، والمعاهدة وثيقة كبيرة تضم الكثير من المواد والبنود والمفردات القانونية، لكن الفقرة الأكثر صلةً بموضوعنا هي المادة الثانية من المعاهدة، حيث تنص على ما يلي: "لا يخضع الفضاء الخارجي -بما فيه القمر والأجرام السماوية الأخرى- للاستملاك من قبل الدول، سواء بادعاء السيادة أو عن طريق الاستخدام أو الاستيلاء أو بأي وسيلة أخرى".

 

"ثغرة" في المعاهدة


على الرغم من وضوح القول بأن الفضاء الخارجي ملك للبشرية جمعاء، ويمكن استخدامه فقط لخير الجميع، فلغة المعاهدة محددة بالملكية لصالح "أمة" بذاتها، وكنتيجةً لذلك، فليس هناك إجماع قانوني على إن كان ينطبق هذا الحظر القانوني على الملكية الخاصة (الأفراد والشركات) كما ينطبق على الأمة بأكملها!


وبأي حال، فالمادة الثانية تتوجه فقط إلى قضية الملكية من قبل أمة بأكملها، ولا تتضمن أي لغة محددة عن حق الأفراد أو الهيئات في الملكية الخاصة لأي شيء في الفضاء الخارجي. وبسبب هذا الأمر هناك من يحاجج بأن حقوق الملكية يجب الاعتراف بها على أساس قضائي أكثر من كونه يعتمد على السيادة الإقليمية.


بعد حوالي عشرين دقيقة من خطوة آرمسترونغ الأولى على سطح القمر، ينضم إليه آلدرين ليصبح بذلك الإنسان الثاني الذي تطأ قدمه أرض القمر. حقوق الصورة: NASA
بعد حوالي عشرين دقيقة من خطوة آرمسترونغ الأولى على سطح القمر، ينضم إليه آلدرين ليصبح بذلك الإنسان الثاني الذي تطأ قدمه أرض القمر. حقوق الصورة: NASA


وبالنظر إلى المادة السادسة، فهي تصرح بأن الحكومات مسؤولة عن أفعال أي طرف يتبع لها، وبالتالي فمن الواضح أن مضمون المعاهدة يراد به أن يطبق على جميع الكيانات سواء أكانت عامة أم خاصة، حيث تنص على ما يلي:

 

"تتحمل الدول الأعضاء في المعاهدة المسؤولية عن النشاطات الوطنية في الفضاء الخارجي، بما فيه القمر والأجرام السماوية الأخرى، سواء أكانت النشاطات تنفذ من قبل وكالات حكومية أو من قبل كيانات غير حكومية، كما تتحمل المسؤولية عن ضمان تنفيذ النشاطات الوطنية بما يتوافق مع البنود الموضوعة في هذه المعاهدة. وتتطلب نشاطات الكيانات غير الحكومية في الفضاء الخارجي -بما فيه القمر والأجرام السماوية الأخرى- التصريح والإشراف الدائم من قبل سلطة مختصة في الدولة العضو في المعاهدة".


وبعبارة أخرى، فأي شخص أو منظمة أو شركة تعمل في الفضاء عرضةً للمسائلة من قبل الحكومة المختصة، لكن ولعدم وجود ذكر محدد للملكية "الخاصة"، فهناك من يدعون بوجود "ثغرة" في المعاهدة تسمح لهم في هذا الوقت بالادعاء بأرض على القمر وبيعها. وبسبب هذا الالتباس، ما فتئت المحاولات للقيام بإضافات إلى معاهدة الفضاء الخارجي.
 

معاهدة القمر


في الثامن عشر من كانون الأول/أكتوبر عام 1979، قدم الأعضاء في الأمم المتحدة اتفاقية أريد بها أن تكون لاحقة لمعاهدة الفضاء الخارجي وتغلق ثغراتها القانونية المفترضة، عرفت بـ "الاتفاقية المنظمة لنشاطات الدول على القمر والأجرام السماوية الأخرى"، كما تعرف أيضاً بـ "معاهدة القمر" أو "اتفاقية القمر". وكانت النية من وراء هذه المعاهدة تأسيس إطار قانوني ينظم استخدام القمر والأجرام السماوية الأخرى.


صورة باز ألدرن Buzz Aldrin البانورامية من موقع هبوط بعثة أبولو 11، كانت أفضل صورة لقائد المهمة نيل آرمسترونغ على سطح القمر. حقوق الصورة: NASA
صورة باز ألدرن Buzz Aldrin البانورامية من موقع هبوط بعثة أبولو 11، كانت أفضل صورة لقائد المهمة نيل آرمسترونغ على سطح القمر. حقوق الصورة: NASA


أُقرت الاتفاقية بشكل مشابه جداً لمعاهدة الفضاء الخارجي، بأن القمر يجب أن يستغل من أجل منفعة البشرية جمعاء وليس لصالح أي دولة بمفردها. كما حظرت المعاهدة اختبار الأسلحة، معلنةً أن أي بحث علمي يجب أن يكون مفتوحاً وبالتشارك مع المجتمع الدولي، وبأن الأمم والأفراد والمنظمات لا يمكنهم المطالبة بأي شيء.


لكن المعاهدة فشلت من حيث التطبيق، وذلك لأن الدول التي أرسلت بعثات استكشافية أو لديها إمكانيات داخلية لإطلاقها لم تصدق عليها، وهذا يشمل الولايات المتحدة وأكبر الأعضاء في منظمة الفضاء الأوربية ESA وروسيا والصين واليابان والهند!


وعلى الرغم من أن المعاهدة تحظر بشكل واضح ملكية أرض على القمر على مستوى أمة أو فرد، أو استغلال المذكور آنفاً لأغراض غير علمية أو لأهداف غير عالمية، فهي من حيث الفعالية لا حول لها ولا قوة!


وزبدة القول: لا يوجد شيء يمنع الشركات بوضوح من امتلاك أرض على القمر!


وبأي حال، مع عدم وجود أي طريقة للمطالبة بتلك الأرض، فأي أحد يحاول بيع أرض على القمر لمشترين محتملين، فلا يبيعهم حقيقةً إلا أضغاث أحلام وأي وثيقة تدعي امتلاكك أرضاً على القمر لاغية، كما لا توجد دولة في العالم وقعت على معاهدة الفضاء الخارجي أو معاهدة القمر ستعترف بمثل هكذا وثيقة.


المعالم الموضحة بالشرح للجانب القريب من القمر، ستلاحظ بأن أي منها لا يقول "أرض للبيع". حقوق الصورة: Wikimedia Commons/ Peter Freiman (Cmglee)
المعالم الموضحة بالشرح للجانب القريب من القمر، ستلاحظ بأن أي منها لا يقول "أرض للبيع". حقوق الصورة: Wikimedia Commons/ Peter Freiman (Cmglee)


مجدداً، إن كان بمقدورك أن تطير إلى القمر وتبني مستعمرة هناك، فسيكون من الصعب جداً ﻷي أحد أن يوقفك، لكن إياك أن تتوقع أن تلك هي كلمة الفصل الأخيرة في هذه القضية. فمع وجود العديد من وكالات الفضاء المتطلعة لبناء "قرى دولية"، وشركات لها آمال بالاستثمار السياحي هناك، فلك أن تتوقع أن بعض المعارك القانونية قادمة.


لكن بالطبع، فالأمر بمجمله يتعلق بالأمور الأكاديمية، فلا وجود لغلاف جوي نتكلم عنه، ودرجات الحرارة تصل إلى حدود لا تصدق ارتفاعاً وانخفاضاً، حيث تتراوح بين 100° سيليزيوس (212 فهرنهايت) و 173-° سيليزيوس (- 279.4 فهرنهايت)، بالإضافة لجاذبيته المنخفضة (تبلغ 16.5% من جاذبية الأرض). 


ومع كل ذلك الغبار القمري المزعج، فلا أحد سوى رواد الفضاء المدربين -أو من تم تشخيص إصابتهم بالجنون- قد يودون قضاء جزء كبير من وقتهم هناك!

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • معهد أبحاث الفضاء في روسيا، و هو تابع لأكاديمية العلوم الروسية. (IKI): معهد أبحاث الفضاء في روسيا، و هو تابع لأكاديمية العلوم الروسية.

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات