بالكاد تؤثر حركات النجوم والكواكب على الحياة على سطح الأرض، ولكن في عدة مناسبات خلال السنة يكون هناك تأثير مرئي لاصطفاف الأجرام السماوية. إن إحدى تلك الأحداث الهندسية –الاعتدال الربيعي (Spring equinox) على وشك الحدوث، واصطفاف رئيسي آخر -كسوف كلي للشمس (Total solar eclipse) سيصبح مرئياً في جميع أنحاء قارة أمريكا في الحادي والعشرين من شهر آب/أغسطس، ويعاينه أسطول من الأقمار الصناعية الخاصة بوكالة ناسا من الفضاء مستعرضاً صوراً للحدث.
ولكي نفهم أساسيات اصطفاف الأجرام السماوية جيداً، لا بدَّ من معرفة بعض المعلومات عن: الاعتدالين (equinoxes)، والانقلابات الشمسية (Solstices)، والأقمار المكتملة (Full moons)، والكسوف والخسوف (Eclipses)، والانتقال/العبور (Transits).
الاعتدال (Equinox)

تدور الأرض حول محور مائل، وعندما يدور كوكبنا حول الشمس، فإن هذه الإمالة تعني أنه خلال نصف العام، يستقبل نصف الكرة الأرضية الشمالي كمية أكبر من ضوء النهار –وهذا هو شهر الصيف في هذا النصف من الكرة– وفي النصف الآخر من العام، يقوم نصف الكرة الأرضية الجنوبي بالمثل.
تكون الأرض في المكان الصحيح تماماً مرتين في العام، بحيث تصبح مصطفة مع الشمس، ويستقبل كلاً من نصف الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي الكمية نفسها من ضوء النهار، ويتساوى الليل والنهار في تلك الأيام، ومن هنا جاءت التسمية بالاعتدال (equinox)، والتي تعني (تساوي الليل) في اللغة اللاتينية. هذا ويُحدِّدُ (تساوي الليل والنهار) بدايةَ فصل الربيع، عن طريق الانتقال من نهار قصير إلى نهار أطول على مستوى نصف الكوكب، مصحوباً بكميّة أكبر من أشعة الشمس المباشرة، حيث ترتفع الشمس فوق مستوى الأفق.
وقد حدث الاعتدال الربيعي لعام 2017، في نصف الكرة الأرضية الشمالي في العشرين من شهر آذار/مارس، وبعد ستة أشهر، يبدأ فصل الخريف بالاعتدال الخريفي (autumnal equinox) في الثاني والعشرين من شهر أيلول/ سبتمبر.
الانقلاب الشمسي (Solstice)

ومع استمرار الأرض بالحركة في مدارها بعد (الاعتدال)، تصل في النهاية إلى نقطة حيث يبلغ ميلها أقصى درجة له مع مستوى مدارها. ويستقبل نصف الكوكب عند هذه النقطة أكبر كمٍّ من ضوء النهار ويستقبل النصف الآخر أقلَّ كمٍّ، هذه النقطة تُسمى الانقلاب الشمسي (solstice) -والتي تعني (وقوف الشمس بثبات) في اللغة اللاتينية- وتحدث مرتين في العام. وتكون هذه الأيام هي أطول وأقصر أيامنا، كما تُحدد تغير الفصول إلى الصيف والشتاء.
القمر المكتمل والقمر الجديد (أول الشهر القمري) (Full moon and New moon)

كما تدور الأرض حول الشمس فإن القمر يدور حول الأرض أيضاً، وفي كل شهر هناك نقطة تصطف عندها الأجرام الثلاثة، حيث تكون الأرض واقعة بين الشمس والقمر. وخلال هذا الطور، يتمكن المشاهدون على سطح الأرض من رؤية الوجه المكتمل للقمر عاكساً الضوء القادم من الشمس (القمر المكتمل).
والفترة الفاصلة بين رؤية القمر المكتمل هي أربعةُ أسابيعَ تقريباً -29 يوماً ونصف اليوم بالتحديد- وفي منتصف تلك الفترة يُعكس ترتيب تلك الأجرام، حيث يصبح القمر واقعاً بين الشمس والأرض؛ ولذلك لا نستطيع رؤية انعكاس ضوء الشمس على القمر أثناء هذا الوقت، فيبدو مظلماً، وهذا هو القمر الجديد (أول الشهر القمري).
خسوف القمر (Lunar eclipse)

في بعض الأحيان وخلال فترة القمر المكتمل، تصطف الأرض على نحو تام بين الشمس والقمر، بحيث تُلقي بظلالها على القمر. لذلك نشاهد خسوفاً قمرياً من الأرض. ولكن في معظم أشهر السنة، لا يصطف مستوى مدار القمر حول الأرض بدقة مع مستوى مدار الأرض حول الشمس، لذلك لا نرى أي خسوف. وسيحدث الخسوف القمري القادم –والذي سيكون مرئياً في معظم آسيا وأوروبا وأفريقيا وأستراليا– في السابع من شهر آب/أغسطس.
كسوف الشمس (Solar eclipse)

يحدث كسوف الشمس عندما يحجب القمر رؤيتنا للشمس، وذلك في طور القمر الجديد فقط، عندما يضعه مداره بين الشمس والأرض، ولكن لا يحدث هذا كل شهر كما ذكرنا سابقاً، ولأن مستوى مدار القمر حول الأرض لا يصطف بدقة مع مستوى مدار الأرض حول الشمس؛ فإننا نرى القمر (من الأرض) في معظم الأشهر عابراً أعلى أو أسفل الشمس. وعليه فإن كسوف الشمس يحدث فقط في أوائل الشهور القمرية (الأقمار الجديدة) التي تصطف فيها تلك الأجرام الثلاثة في خط مستقيم على نحو تام.
عندما يحجب القمر ضوء الشمس بأكمله، يحدث كسوف كلي للشمس، ولكن عندما يبعد القمر -مما يجعله يبدو صغيراً من وجهة نظرنا على الأرض- فإنه يحجب معظم ضوء الشمس وليس كله، ويسمى ذلك بالكسوف الحلقي (annular eclipse)؛ لأنه يترك حلقة دائرية من ضوء الشمس تبقى مرئية حول القمر. هذا الاصطفاف يحدث كل عام أو اثنين، ولكنه يكون مرئياً من مناطق صغيرة على الأرض.
في الحادي والعشرين من شهر أب/أغسطس، سيحدث كسوف كلى للشمس وسيكون مرئياً عبر قارة أمريكا، وفي حين أن الخسوف القمري يكون مرئياً عبر كافة أقطار الأرض، نجد أن كسوف الشمس الكلي يكون مرئياً من نطاق ضيق على سطح الأرض. وبما أن هذا الكسوف سيستغرق ساعة ونصف تقريباً ليعبر قارة بأكملها، نجد أنه ذو أهمية علمية كبيرة، حيث إنه يجعل عملية الرصد متاحة من مناطقَ عدةٍ ولفترة زمنية ممتدة. وقد موّلت وكالة ناسا 11 مشروعاً للاستفادة من كسوف عام 2017، ودراسة تأثيراته على الأرض، وعلى الغلاف الجوي للشمس أيضاً.
الانتقال أو العبور (Transits)

إن الكسوف والخسوف ليسا إلّا نوع خاص من الانتقال – فهو عبارة عن مرور جرم سماوي أمام جرم آخر، ويمكننا مشاهدة الانتقالات من الأرض، مثل كوكبي عطارد (Mercury) والزهرة (Venus) عند مرورهما أمام الشمس. ولكن مثل هذه الانتقالات تُعدُّ بمثابة طرقٍ لاكتشافِ عوالمَ بعيدةٍ جديدةٍ.
عند مرور كوكب في نظام نجمي آخر أمام نجمه المضيف، فإنه يحجب بعضاً من ضوء هذا النجم جاعلاً إياه معتماً بعض الشيء، وبمراقبة التغيرات في كمية الضوء مع مرور الوقت، نستطيع استنتاج وجود كوكب ما. وقد تم استخدام هذه الطريقة لاكتشاف آلاف الكواكب ومن ضمنها مجموعة كواكب ترابيست1 (TRAPPIST-1).