ضباب كربوني يتخلل الفضاء بين النجميّ للمجرّات الأولى

قام علماء الفلك باستخدام مرصد ألما لمسح ومعاينة مجموعة من المجرات العادية، والتي تمت مشاهدتها منذ كان عمر الكون مليار سنة فقط. واستطاع العلماء رصد الكربون المتأين والمتوهج الذي يملأ الفضاء بين النجوم. وقد أعطاهم هذا الرصد نتيجة مفادها أن هذه المجرات مكتملة التكون والنمو بشكل كامل، إلا أنها غير ناضجة كيميائياً وذلك بالمقارنة مع مجرات مشابهة لها تكونت بعد عدة مليارات من السنوات. كما تم الربط بين بيانات مرصد ألما المأخوذة لأربع مجرات، وبين البيانات التي حصل عليها تلسكوب هابل الفضائي حول الأجسام الموجودة في المجال الكوني. 

المصدر: ALMA (NRAO/ESO/NAOJ), P. Capak; B. Saxton (NRAO/AUI/NSF), NASA/ESA Hubble


يقوم الفلكيّون بدراسة العناصر المنتشرة في الفضاء بين النجوم لاكتساب معلومات حول آلية العمل الداخليّة للمجرّات، وحركتها، وطبيعتها الكيميائية. 

وحتّى هذا الوقت، فإن المحاولات التي بُذلت لتحديد الإشارات الراديوية للكربون في الكون المبكر قد باءت بالفشل. وكما يتوقع البعض، يبدو أن النجوم تحتاج إلى بضع مليارات من السنين كي تستطيع تشكيل أعداد كافية للرصد في أبعادٍ كونيّة بهذا الاتّساع. 

استطاعت الأرصاد الجديدة باستخدام مصفوفة مرصد أتاكاما المليمترية/دون المليمترية الكبيرة (Atacama Large Millimeter/submillimeter Array) أو اختصاراً ألما (ALMA)، تحديد الآثار الخفيفة الأولى لذرّات الكربون التي تتخلل الفضاء بين النجمي للمجرّات المدعوّة بالمجرّات العاديّة، والتي تمّت رؤيتها بعد مليار عامٍ فقط من حدوث الانفجار العظيم. وبناءً عليه، تشير هذه الأرصاد إلى أنّه على الرغم من أنّ المجرّات العادية في الكون الأوّل كانت بالأساس مليئةً بالكربون، إلا أنها لم تكن قد تطورت من الناحية الكيميائية بمقدار المجرّات المشابهة التي تمّ رصدها بعد بضعة مليارات من السنين. وقد تكاثف معظم الكربون المتأيّن في هذه المجرّات الأحدث ليصبح حبّاتٍ من الغبار، وهي عبارة عن جزيئاتٍ عضويّة بسيطة مثل أحادي أكسيد الكربون.

يقول بيتر كاباك Peter Capak، وهو عالم الفلك من معهد كالفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا والباحثُ الرئيسي في الدراسة التي نشرت في مجلة Journal: "يحاول علماء الفلك الوصول إلى فهمٍ أفضل لكيفية الانتقال من غازٍ بدائيّ ناجم عن الانفجار العظيم إلى ذرّاتٍ ثقيلةٍ وجزيئاتٍ معقّدةٍ نراها في جميع أنحاء الكون اليوم". ويضيف كاباك قائلاً: "قبل وجود مرصد ألما، لم تكن هناك طريقةٌ لدراسة عينات مباشرة من هذه المجرّات حديثة العهد والبعيدة جداً، وذلك لأنّ أي انبعاثات الراديويّة من الكربون كانت أضعف من أن يتمّ رصدها".

استطاع مرصد ألما بحساسيّته العالية أن يرصد الوميض الميليمتريّ الضعيف الصادر من الكربون المتأيّن في الفضاء بين النجميّ الذي يشمل تسع مجرّات بعيدة جداً وحديثة الوجود، والتي تمّ رصدها عندما كان عمر الكون لا يتعدى ما نسبته 7% من عمره الحالي. يُمكن لذرّات كالكربون أن تتأيّن بفعل الإشعاعات فوق البنفسجيّة القويّة المنبعثة من النجوم الساطعة الكبيرة.

عندما تكوّنت المجرّات للمرة الأولى خلال الفترةٍ التي تدعى عادة بالـ "الفجر الكونيّ" (Cosmic Down)، فإن معظم الفضاء بين النجوم كان مليئاً بمزيجٍ من الهيدروجين والهليوم الناتجين عن الانفجار العظيم. عندما أنهت الأجيال المتعاقبة من النجوم فائقة الكتلة حياتها القصيرة والمثيرة كمستعرات أعظمية (supernovas)، فقد غذّت هذه النجوم الوسط بين النجمي بغبارٍ دقيق يتشكل من عناصر ثقيلة معظمها من الكربون، والسيليكون، والأوكسجين، والتي تكونت بدورها في أفرانها النووية.

يقول كريس كاريللي Chris Carilli، المؤلّف المشارك في الدراسة بالتعاون مع المرصد الراديويّ الوطني لعلم الفلك في سوكورو: "كانت الإشارة النوعيّة الطيفيّة للكربون المتأيّن تعتبر لفترةٍ طويلةٍ كأداةِ قوّية محتملة لدراسة عملية إثراء المجرّات بعناصرَ أثقل من الهيدروجين والهليوم. كما تعتبر أداة استطلاع فريدةً من نوعها للاطّلاع على آلية عمل المجرّات الأولى (ديناميكيّتها)". ويُردف كاريللي قائلاً: "توضح نتائج الدراسة العلمية هذه الإمكانيّة بوضوح، كما تتنبأ بمستقبلٍ عظيمٍ لأنواعٍ كهذه من الدراسات".

يُعتبر الكربون عنصراً قابلاً للتفاعل مع العناصر الأخرى، ما يؤدّي لتكوين جزيئاتٍ عضويّةٍ بسيطةٍ و معقّدة، ولكنّه لا يبقى في حالته الحرة والمتأيّنة لفترة طويلة من الزمن. لذلك فهو إجمالاً يتواجد بتراكيز منخفضةٍ جداً إذا ما قورن بالعناصر الثقيلة الأخرى في الوسط بين النجمي.

قام علماء الفلك باستخدام مرصد ألما لمسح ومعاينة مجموعة من المجرات العادية، والتي تمت مشاهدتها منذ كان عمر الكون مليار سنة فقط. واستطاع العلماء رصد الكربون المتأين والمتوهج الذي يملأ الفضاء بين النجوم. وقد أعطاهم هذا الرصد نتيجةً مفادُها أن هذه المجرات مكتملة التكون والنمو بشكل كامل، إلا أنها غير ناضجة كيميائياً بالمقارنة مع مجرات مشابهة لها تكونت بعد عدة مليارات من السنوات. كما تم الربط بين بيانات مرصد ألما المأخوذة لأربع مجرات، وبين البيانات التي حصل عليها تلسكوب هابل الفضائي حول الأجسام الموجودة في المجال الكوني.  المصدر: ALMA (NRAO/ESO/NAOJ), P. Capak; B. Saxton (NRAO/AUI/NSF), NASA/ESA Hubble
قام علماء الفلك باستخدام مرصد ألما لمسح ومعاينة مجموعة من المجرات العادية، والتي تمت مشاهدتها منذ كان عمر الكون مليار سنة فقط. واستطاع العلماء رصد الكربون المتأين والمتوهج الذي يملأ الفضاء بين النجوم. وقد أعطاهم هذا الرصد نتيجةً مفادُها أن هذه المجرات مكتملة التكون والنمو بشكل كامل، إلا أنها غير ناضجة كيميائياً بالمقارنة مع مجرات مشابهة لها تكونت بعد عدة مليارات من السنوات. كما تم الربط بين بيانات مرصد ألما المأخوذة لأربع مجرات، وبين البيانات التي حصل عليها تلسكوب هابل الفضائي حول الأجسام الموجودة في المجال الكوني. المصدر: ALMA (NRAO/ESO/NAOJ), P. Capak; B. Saxton (NRAO/AUI/NSF), NASA/ESA Hubble


هذه العملية تجعل الكربون المتأيّن بمثابة كاشفٍ ممتازٍ للمجرّات غير المتطوّرة نسبيّاً وحديثة العهد.  يقول كاباك: "إن حقيقة رؤيتنا للكربون بهذه الحالة الفريدة تكشف أن نسبة تركيز العناصر الثقيلة الأخرى في الوسط بين النجمي تكون منخفضة نسبيّاً. يُعد هذا تناقضاً كبيراً مع حالة المجرّات التي تواجدت بعد ذلك بملياريّ عام، حيث تُعتبر هذه الأخيرة مزدحمةً بغبار العناصر الثقيلة، كما تُبدي تركيزاً أقل بكثير من الكربون المتأيّن".

وقد استخدم الفلكيّون كذلك البيانات التي تم الحصول عليها من نفس الأرصاد بمثابة كاميرا لحساب السرعة بين المجرات، كما كانوا قادرين على حساب سرعة الغازات بين النجميّة في هذه المجرّات التي وصلت إلى 380 كيلومتر بالثانيّة. يقول كاباك معلقاً: "كان هذا القياس في السابق مستحيل التطبيق على المجرّات بعيدة المدى، كما أنّه يفتح أفقاً جديداً لفهم كيفية تشكل المجرّات الأولى وتطورها".

وتُعتبر هذه السّرعات التي تم رصدها من قبل مرصد ألما مشابهةً لتلك التي تمّ رصدها في المجرّات العاديّة والمشكّلة للنجوم بعد بضعة مليارات من السنين وحتّى اليوم في الكون القريب. تكشف أرصاد مرصد ألما أنّ كتلة كلّ من هذه المجرّات بعيدة المدى تفوق كتلة الشمس بـ 10 إلى 100 مليار مرة، وبذلك فهي مشابهة لكتلة درب التبّانة. 

تفاجأ الفلكيّون بهذه النتائج، نظراً لأنهم افترضوا أنّ المجرّات الطبيعيّة في الكون الفتي تكون ذات طاقاتٍ أقلّ، وذات كتل أدنى من تلك التي تمّ رصدها في العصور اللاحقة.

وقد كشفت بيانات مرصد ألما بدلاً من ذلك أنّ الكون الفتي كان قادراً على تكوين ما نعتبره اليوم مجرّاتٍ ذات حجمٍ طبيعيّ، إلا أنّ الاختلاف في الخصائص الكيميائية والنقص الواضح بالغبار يؤكّدان بأنّ هذه المجرّات تخوض بمرحلةٍ مبكّرة من التطوّر (غير ناضجة بعد).

وقد اختار هؤلاء الفلكيّون لإجراء بحثهم تسع مجرّاتٍ مثاليّةٍ مكوّنةٍ للنجوم تبعد حوالي 13 مليار سنة ضوئيّة، واختيرت المجرات بواسطة جهاز مسح التطور الكونيّ (Cosmic Evolution Survey) أو اختصاراً (COSMOS)، وتمّ تحديد بُعدها من خلال مقياس طيف الأجرام المتعددة البعيدة (Deep Extragalactic Imaging Multi-Object Spectrograph) أو اختصاراً  (DEIMOS) في مرصد كيك بهاواي.

يقع مرصد ألما في صحراء أتاكاما في تشيلي، ويُعتبر قادراً على تحديد إشعاع الموجات الميليمترية الضعيفة الصادرة عن الذرّات والجزيئات في الفضاء. وقد فشلت الدّراسات المبكرة التي أجريت حول المجرّات الواقعة على مسافات بعيدة في رصد الإشارات نفسها، وذلك بسبب تركيزها على المجرات المندمجة غير النموذجية، والذي ربما يكون قد طمس الإشارة الضعيفة للكربون المتأين. وقد تم إنجاز أرصاد مرصد ألما الجديدة باستخدام جزءٍ واحدٍ من المصفوفة في أقلّ من عشرين دقيقة من الأرصاد لكلّ مصدر، مما يُبشر بأنّ الأرصاد القادمة التي ستعتمد على استخدام هوائيات ألما على نحوٍ كامل ستعطي صورةً أوضح لتكوّن المجرّات وتركيبها الكيميائيّ.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • خارج المجرة (Extragalactic): ما يقع خارج، أو خلف مجرتنا. المصدر: ناسا

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات