الغلاف الجوي وطبقاته: الجزء الثاني

تحدثنا في الجزء الأول باختصار عن الطبقات المختلفة للغلاف الجوي، وخواصها الأساسية. وبعدها أفردنا فقرتين للحديث بالتفصيل عن كلٍ من طبقتي التروبوسفير والستراتو سفير. وسنتابع في هذا الجزء شرح بقية طبقات الغلاف الجوي بدءاً بطبقة الميزوسفير.

طبقة الميزوسفير


الميزوسفير (تعني حرفيًا الغلاف الأوسط) هي ثالث الطبقات العُليا في غلافنا الجوي، وهي تحتلّ المنطقة الواقعة على ارتفاع 50 كم إلى 80 كم فوق سطح الأرض، أعلى من طبقتَيْ التروبوسفير والستراتوسفير، وأسفل طبقة الثيرموسفير. تفصلها طبقةُ الستراتوبوز (منطقة التوقف في الستراتوسفير) عن طبقةِ الستراتوسفير، وطبقةُ الميزوبوز (منطقة التوقف في الميزوسفير) عن طبقةِ الثيرموسفير.

تنخفض درجات الحرارة في طبقة الميزوسفير بزيادة الارتفاع بنحو 100 درجة مئوية، وهذه الطبقة هي أبرد طبقات الغلاف الجوي. بالواقع، إنها أبرد من أشد درجات الحرارة، المسجلة بالقارة القطبية الجنوبية، انخفاضًا. فهي باردة بما يكفي لتجميد بخار الماء إلى سحب ثلجية. تستطيع رؤية هذه السحب إن سقط عليها ضوء الشمس بعد الغروب. وتدعى سحبًا ليلية مضيئة (Noctilucent Clouds) واختصارًا (NLC). السحب الليلية المضيئة تصبح في أبهى صورها حين تكون الشمس أسفل الأفق بـ 4 درجاتٍ إلى 16 درجة.

الميزوسفير هي أيضًا الطبقة التي يحترق فيها الكثير من النيازك بينما تدخل الغلاف الجوي للأرض، حيث تُرى من الأرض كأنها شهب. الطبقة الزرقاء القاتمة بمحاذاة سواد الفضاء في الصورة أدناه هي طبقة الميزوسفير. 

طبقة الميزوسفير
طبقة الميزوسفير


بالواقع، الغلاف الجوي العلويّ يمتدّ إلى ما يجاوز الميزوسفير، وحتى الثيرموسفير.

 طبقة الثيرموسفير


الثيرموسفير (تعني حرفيًا الغلاف الحراري) هي الطبقة الخارجية للغلاف الجوي، تفصلها طبقة الميزوبوز عن طبقة الميزوسفير. في طبقة الثيرموسفير، ترتفع درجات الحرارة باستمرار حتى تتجاوز 1000 درجة مئوية. الجزيئات القليلة الموجودة في الثيرموسفير تستقبل كميات طاقة استثنائية من الشمس، مما يُكسب الطبقة دفئًا يصل بها لمثل هذه الحرارة المرتفعة.

 

إلا أن درجة حرارة الهواء مقياسٌ للطاقة الحركية المخزونة في جزيئات الهواء، وليست مقياسًا للطاقة الكلية المخزونة في الهواء. لذا، بما أن كثافة الهواء صغيرة جدًا في طبقة الثيرموسفير، فإن قيم الحرارة هذه لا تُقارَن بقيم حرارة طبقتَيْ التروبوسفير والستراتوسفير. رغم أن الحرارة المقيسة مرتفعة جدًا، فإننا سنشعر بأن الثيرموسفير باردة جدًا لأن الطاقة الكلية المخزونة في الجزيئات القليلة الموجودة هناك لن تكفي لنقل أي دفء ملحوظ لبشرتنا.

الجزء السفليّ من طبقة الثيرموسفير، على ارتفاع 80 إلى 550 كم فوق سطح الأرض، ويحتوي طبقة الأيونوسفير. تمتدّ بعد طبقة الأيونوسفير، على ارتفاع نحو 10 آلاف كم، طبقةُ الإكسوسفير أو طبقة الثيرموسفير الخارجية، وهي التي تندمج بالفضاء تدريجيًا.


 طبقة الأيونوسفير


الأيونوسفير طبقة من الهواء المتأين في الغلاف الجوي، تمتدّ من ارتفاع نحو 80 كم فوق سطح الأرض حتى 600 كم وأكثر. تقنيًا، ليست الأيونوسفير إحدى طبقات الغلاف الجوي. فهي تحتلّ المنطقة نفسها التي تحتلها طبقة الثيرموسفير من الغلاف الجوي العلويّ. في هذه المنطقة من الغلاف الجوي، طاقة الشمس قوية لدرجة أنها تحطّم جزيئات وذرات الهواء، مخلّفةً أيوناتٍ (وهي ذرات تفتقر إلى إلكترونات) وإلكترونات حرة. طبقة الأيونوسفير هي منطقة الغلاف الجوي التي تحدث فيها ظواهر الشفق القطبيّ.

ينتج تأيّن جزيئات الهواء في الأيونوسفير عن الأشعة فوق البنفسجة المنبعثة من الشمس؛ وبحدّ أدنى، وينتج أيضًا عن الجسيمات عالية الطاقة المنبعثة من الشمس ومن الأشعة الكونية.

 الشفق القطبي


في ليالٍ معينة، وفي المناطق البعيدة عن خط الاستواء، ربما تُرى أنماط ضوئية انسيابية في السماء. هذه هي ظواهر الشفق القطبي (Aurora). تنجم الأضواء الساطعة عن اصطدام الجسيمات عالية الطاقة المنبعثة من الشمس -الرياح الشمسية- بالغلاف الجوي العلويّ أو طبقة الأيونوسفير. تتحول طاقة هذه الجسيمات المشحونة كهربيًا إلى أضواء، محدثةً توهجات، وأشعة، وأقواس، وأشرطة، وستائر.

 

عادةً ما يبدو الضوء ضاربًا إلى الخضرة، لكنه أحمر في بعض الأحايين أيضًا. تنجذب الجسيمات المشحونة من قبل المجال المغناطيسي للأرض. وبقرب القطبين المغناطيسيين، يصير المجال المغناطيسي للأرض أقوى. ومن ثم فإن ظواهر الشفق القطبي تتم مشاهدتها بقرب القطبين المغناطيسيين في أغلب الأحيان.

تعتمد قوة الشفق القطبي غالبًا على قوة الرياح الشمسية. ففي أثناء عاصفة شمسية شديدة، يمكن أن تشتدّ الرياح بصورة قوية جدًا، وربما يمكن رؤية الشفق القطبي في مناطق أقرب إلى خط الاستواء وأبعد من القطبين المغناطيسيين. كل 11 سنة، وعند ذروة دورة البقع الشمسية، هناك تزايد في شدّة الرياح الشمسية، ومن ثم، هناك تزايد في تكرار وشدّة عروض الشفق القطبي.

يقع الشفق القطبي في نصفَيْ الكرة الأرضية الشماليّ والجنوبيّ. في النصف الشماليّ، يعرف العرض بالشفق القطبيّ الشماليّ (aurora australis)، أو بالأضواء الشمالية. في نصف الكرة الجنوبيّ، يدعى بالشفق القطبيّ الجنوبيّ (aurora australis)، أو بالأضواء الجنوبية.

 

مصطلح الشفق القطبيّ (aurora Polaris)، يعدّ اسمًا عامًا لكليهما. عادةً ما تكون ظواهر الشفق القطبيّ مرئية من داخل الدارتين القطبيتين الشمالية والجنوبية: فيما يشمل القارة القطبية الجنوبية، وغرينلاند، وأيسلندا وأقاليم كندا الشمالية، وألاسكا، وإسكندنافيا، وروسيا. في أثناء نشاطٍ شمسيّ أشدّ، يمكن رؤية عواصف الشفق من أماكن أقرب إلى خط الاستواء مثل إسكتلندا الشمالية ومعظم النُرويج، والسويد وفنلندا. ومن أندر ما يكون أن تُرى العروض في الأجزاء الشمالية بأوروبا والولايات المتحدة.

يسمح العدد الكبير للإلكترونات الحرة في طبقة الأيونوسفير بانتشار الموجات الكهرومغناطيسية. الإشارات الراديويّة -إحدى صور الإشعاع الكهرومغناطيسي- يمكن "ارتدادها" من الطبقة الأيونية مما يتيح التواصل الراديويّ على مدى مسافاتٍ طويلة.

 طبقة الإكسوسفير


الإكسوسفير هي أعلى طبقات الغلاف الجويّ. هي وطبقة الأيونوسفير تؤّلفان معًا طبقة الثيرموسفير. تمتدّ طبقة الإكسوسفير إلى ارتفاع 10 آلاف كم فوق سطح الأرض. هذا هو الحدّ الأعلى لغلافنا الجوي. وهنا يندمج الغلاف الجويّ بالفضاء في الهواء الرهيف (قليل الكثافة).

 

تهرب ذرات الهواء وجزيئاته على الدوام إلى الفضاء من طبقة الإكسوسفير. وفي هذه المنطقة من الغلاف الجويّ، الهيدروجين والهيليوم هما المكوّنان الأساسيان، ولا يوجدان إلا بكثافة منخفضة للغاية. هذه هي المنقطة التي تدور فيها أقمار صناعية عديدة حول الأرض.

 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • السحب الليلية المضيئة (noctilucent clouds): هي ظاهرة تبدو مشابهة لسحب رقيقة جداً وتتمتع بحافة حادة وأكثر لمعاناً بكثير من بقية أجزاء السحابة.

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات