أساسيات الطيران الفضائي: المدارات الكوكبية

هذا المقال هو جزء من سلسلة طبيعة الكون، يمكنكم الإطلاع على أجزائها الأخرى لاستكمال الفهم عبر الروابط التالية: النُّظم المرجعية ، الركائز الأساسية للرحلات الفضائية
 
 
الفصل الخامس: المدارات الكوكبية

الأهداف

عند الانتهاء من هذا الفصل سوف تكون قادرًا على وصف خصائص مختلف المدارات الكوكبية بشكلٍ عام وكذلك المفاهيم العامّة وإيجابيات المدارات المتزامنة مع الأرض، والمدارات القطبيّة، والمدارات المتحرّكة، والمدارات المتزامنة مع الشمس وبعض المتطلّبات للوصول إليها.

الخصائص والعناصر المدارية

المصطلحات: الفترة المدارية، نقطة الحضيض ونقطة الأوج، متضمّنةٌ في الفصل الثّالث.


نقطة الأوج (Apoapsis)، نقطة الحضيض (Periapsis)، الشّذوذ الحقيقي (True anomaly).
نقطة الأوج (Apoapsis)، نقطة الحضيض (Periapsis)، الشّذوذ الحقيقي (True anomaly).


يمكن لتوجيه مركبةٍ فضائيةٍ أو أي جسمٍ آخر يسافر عبر مدارٍ أن يكون مباشرًا، أو متقدمًا (Prograde)، عندما تكون حركة المركبة الفضائية في الاتجاه نفسه لدوران الكوكب، أو متراجعًا (retrograde)، في عكس اتجاه دوران الكوكب.

 

  • الشّذوذ الحقيقي (True anomaly): هو مصطلحٌ يصف مختلف مواقع النقاط على المدار، وهو المسافة الزاوية بين نقطةٍ ما من المدار ونقطة الحضيض (Periapsis) وتقاس بالدرجات. على سبيل المثال، ربما تعبر مركبةٌ فضائيّةٌ خط استواء الكوكب عند شذوذٍ حقيقي بـ 10°.
     
  • العقد (nodes): هي نقاط تقاطع المدار مع مستوٍ مرجعي مثل مسار الشمس أو خط الاستواء السماوي. عندما يقطع جسمٌ مداريٌّ مستويًا مرجعيًا باتجاه الشمال، تصنف العقدة كعقدةٍ تصاعدية (ascending node)، وباتجاه الجنوب كعقدةٍ تنازلية (descending node).


سيعتمد استعمال المستوي المرجعي لتعريف العقدة التصاعديّة على ما سنفعله، فلتحديد حركة المركبة الفضائية بالنسبة للجسم الذي تدور حوله، سنستعمل مستويًا محليًا بالنسبة للجسم: عند الدوران حول الأرض نستعمل خط الاستواء السماوي الذي هو امتدادٌ لخط استواء الأرض، أما بالنسبة للدوران حول الشمس يجب اختيار مستوي مسار الشمس، وفي حالة دراسة الدوران حول الزهرة نحتاج لمستوي امتداد خط استواء الزهرة.

لإكمال وصف مدارٍ ما رياضيًًّا، يجب حساب ستة مقادير تسمى بالعناصر المدارية أو العناصر الكبليرية نسبة إلى العالم يوهانس كبلر (Johannes Kepler- (1630-1571، وهي:

  1.  نصف المحور الأكبر (Semi-major axis)
     
  2.  التّباعد المركزي (Eccentricity): اللذان يشكّلان مع بعضهما قاعدة قياسات حجم وشكل إهليلج المدار (موضحة في الفصل الثّالث. تذكّر: التباعد المركزي المساوي للصفر يعني مدارًا دائريًًّا).
     
  3. الميلان (inclination): هو المسافة الزّاوية بين المستوي المداري ومستوي خط استواء الكوكب (أو مستوي مدار الشمس إذا كنا نتحدث عن المدارات الشمسية المركزية) وتحسب بالدرجات، أي إن ميلانًا بدرجة 0 يعني أن المركبة الفضائية تدور حول الكوكب في مستوي خط استوائه، وفي اتجاه دوران الكوكب نفسه، وميلانٌ بدرجة 90 يعني دورانًا قطبيًا بمرور المركبة الفضائية على القطبين الشمالي والجنوبي للكوكب، أما الميلان بدرجة 180 تعني مدارًا استوائيًا كابحًا.
     
  4.  المسافة الزّاوية للحضيض (Argument of periapsis): هي المسافة الزاوية بين نقطة الحضيض والعقدة التصاعدية.
     
  5.  وقت العبور بالحضيض (Time of periapsis passage).
     
  6. خط الطول السّماوي للعقدة التصاعدية (Celestial longitude of ascending node).


الفترة المدارية هي مهمّة للعمليات رغم أنها ليست من العناصر الكبلرية الستة الضرورية لتعيين المدار.

عمومًا، ثلاث مشاهداتٍ فلكية أو قياساتٍ لإشعاع جسم ما في المدار كافيةٌ لتحديد كل العناصر الكبلرية الستة سالفة الذكر. يعطي الجدول التالي فكرة عن مدى دقة مهمّة بين-كوكبية معتادة، فقد استخرجت هذه العناصر من تحليل البيانات المأخوذة خلال عملية تتبّع روتينية من طرف شبكة الفضاء العميق Deep Space Network.
 

1 نصف المحور الأكبر  10434.162 كم
2 التّباعد المركزيّ 0.2918967
3 الميلان   85.69613°
4  المسافة الزّاوية للحضيض   170.10651°
5 وقت العبور بالحضيض 1990 Doy 222 19 :54 UTC ERT
6  خطّ الطول السماوي للعقدة التصاعدية   -61.41017°
  الفترة المدارية  3.26375 ساعة


أنواع المدارات


  • المدار المتزامن مع الأرض (Geosynchronous orbit): 
    هو مدارٌ متقدم بميلانٍ منخفضٍ بالنسبة للأرض، بفترة دورانٍ تقدر بـ 23 ساعة و56 دقيقة و4 ثوان، وتظهر المركبة الفضائية في المدار المتزامن مع الأرض ثابتة في خط طولٍ ثابتٍ، رغم ذلك قد تبدو أنها تنتقل شمالًا وجنوبًا لكنها تعود للنقطة نفسها في السّماء في الوقت نفسه كل اليوم.

     
  •  المدار الثابت بالنسبة للأرض (Geostationay orbit): 
    لبلوغ المدار الثابت بالنّسبة للأرض، نختار مدارًا متزامنًا مع الأرض مع تباعدٍ مركزيٍّ معدومٍ وميلانٍ إمّا معدوم يمين خط الاستواء، أو حتى ضئيل جدًا بحيث يمكن للمركبة الفضائية استعمال وسائل دافعةٍ لتحافظ على مكانها الظاهري، إذ تبدو معلّقةً بدون حركةٍ في نقطةٍ فوق الأرض (أي مناورة على المدار أو إجراء تعديلات أخرى على مداره هي عملية تسمى حفظ المحطّة Station keeping)، من ثمّ يمكن للمدار أن يسمّى بالثّابت بالنسبة للأرض.

    هذا المدار مثاليٌّ بالنّسبة للعديد من أصناف الأقمار الصّناعية المخصّصة للاتّصالات والرصد الجوي. أول من نشر فكرة المدار المتزامن مع الأرض بالنسبة لاتصالات المركبات الفضائية هو مؤلف الخيال العلمي السير آرثر كلارك Sir Arthur C. Clarke عام 1945، لذا أحيانًا يسمى مدار كلارك. 

  • المدار النّاقل المتزامن مع الأرض الصغير (Little GTO): 
    للوصول إلى المدارات الأرضية المتزامنة مع الأرض (وكذلك الثابتة بالنسبة إليها)، تُطلق المركبة الفضائية أولًا إلى مدار إهليليجي مع ارتفاعٍ لنقطة الأوج بجوار 37000 كم. يسمى هذا بالمدار الناقل المتزامن مع الأرض (Geosynchronous Transfer Orbit) أو اختصارًا GTO.

    تقوم المركبة الفضائية بعد ذلك بالمرور بالمدار كاملًا عبر الطّواف بالتّوازي مع خط الاستواء عند نقطة الأوج وتشغيل محرّكاتها الصّاروخية التي تسمى في العادة محرّك الأوج (apogee motor)، ومن الشائع المقارنة بين قدرات محتلف مركبات الإطلاق وفقًا لكمّية الكتلة التي تتمكّن من وضعها في المدار الناقل المتزامن مع الأرض.

     
  •  المدارات القطبيّة (Polar orbits): 
    هي مداراتٌ ذات ميلانٍ بزاوية 90°، عملية بالنّسبة للمركبات الفضائية التي تنفذ عمليات رسم الخرائط أو المراقبة، فعندما يكون المستوي المداري ثابتًا مجازًا بالنسبة للفضاء العطالي، يدور الكوكب أسفل المدار القطبي بما يسمح للمركبة الفضائية منخفضة الارتفاع من الوصول افتراضيًا إلى كل نقطة من السطح.

    استخدمت مركبة ماجلان الفضائية مدارًا شبه قطبي عند الزهرة، فعند كل مرورٍ بنقطة الحضيض تأخذ رقعة من الخرائط البيانية ثم يستكمل الكوكب دورانه، ومن ثم توضع هذه القطع الناتجة من المدارات المتتالية بجانب بعضها، عندما يدور الكوكب مرّةً واحدةً فإن مركبة ماجلان تمسح خطوط الطول الـ360°.


    يتطلّب بلوغ المدار القطبي للأرض مزيدًا من الطاقة، وبالتالي مزيدًا من الوقود أكثر من المدارات المباشرة ذات الميلان المنخفض، وللوصول لهذا الأخير يتمّ الإطلاق بشكلٍ عادي بالقرب من خط الاستواء حتى تساهم السّرعة الدورانية للسطح بشكلٍ كبيرٍ لبلوغ السّرعة النهائية المطلوبة للمدار. لن يتمكّن المدار القطبي من الاستفادة من "الرّحلة المجانية" التي يقدمها دوران الأرض حول نفسها، وبالتالي يجب تزويد مركبة الإطلاق بكل الطاقة اللاّزمة للوصول إلى السرعة القطبيّة.
     
  •  المدارات المتحرّكة (Walking orbits): 
    الكواكب ليست كرويّةً بشكلٍ مثاليٍّ، ولا تقوم بتوزيع الكتلة بشكلٍ متساوٍ، ولا تتواجد أيضًا في مكان "مفرغ" من الجاذبيّة. الأجسام الأخرى مثل الشمس أو الأقمار الطبيعية تمارس تأثيرها الجاذبي على المركبة الفضائية بالنّسبة للكوكب، فمن الممكن اختيار خصائص مدار المركبة الفضائية للاستفادة من بعض هذه التأثيرات الجاذبة لإنتاج حركةٍ بدارية تتسبب في حركة عملية للمستوي المداري. تسمى النتيجة بالمدار المتحرّك أو المدار البداريّ، عندما يتحرّك المستوي المداري ببطءٍ بالنسبة للفضاء العطالي الثّابت.

     
  • المدارات المتزامنة مع الشمس (Sun Synchronous Orbits): 
    يسمّى المدار المتحرّك الذي اختيرت خصائصه مثل خصائص المستوي المداري البداري والذي فترته هي تقريبًا نفس فترة دوران الكوكب حول الشمس بالمدار المتزامن مع الشمس. في أي مدار، تمرّ المركبة الفضائية بنقطة الحضيض في الوقت نفسه تقريبًا كل دورة، لذا من الممكن لهذا الأمر أن يكون عمليًًّا إذا كانت الأجهزة على متن المركبة الفضائية تتعلق بزاوية معيّنة لتضيء الشمس سطحها.
     
  •  مدار ماسح المرّيخ العام (Mars Global Surveyor):
    هو مدارٌ متزامنٌ مع الشمس على الثّانية زوالًا بالتوقيت المحلي للمريخ، اختير لتكون الظّلال في وضعٍ جيد لرؤيةٍ أفضل. من الممكن الاعتماد على حقل الجاذبية منفردًا للحفاظ بشكلٍ دقيقٍ على وقت التّزامن المرغوب، وربّما يكون من الضّروري القيام بمناوراتٍ دافعةٍ عرضيّةٍ لتصحيح المدار.

     

هذه الصورة الملفتة للانتباه هي للطبقة الجوفية للمياه المريخية، التقطت بواسطة مسبار ماسح المرّيخ العام من المدار المرّيخي المتزامن مع الشمس في يناير/كانون الثاني من العام 2000. الرّؤية إلى الشّمال.
هذه الصورة الملفتة للانتباه هي للطبقة الجوفية للمياه المريخية، التقطت بواسطة مسبار ماسح المرّيخ العام من المدار المرّيخي المتزامن مع الشمس في يناير/كانون الثاني من العام 2000. الرّؤية إلى الشّمال.


نقاط لاغرانج وهالة المدارات (Lagrange points and "Halo" orbits)


أظهر جوزيف لويس لاغرانج (Joseph Louis Lagrange (1813-1736 كيف أن جسمًا ذا كتلةٍ مهملةٍ (غالبًا ما يسمّى بالجسيم، ولكن يمكن أن يكون مركبةً فضائيّةً) يمكن أن يدور جنبًا إلى جنبٍ مع جسم أكثر ضخامةً في مدار شبه دائري. ضمن إطارٍ مرجعي يدور مع الأجسام الأكثر ضخامةً، وجد لاغرانج خمس نقاطٍ يمكن فيها لقوى الجاذبية المترابطة لأكبر جسمين الحفاظ على دوران الجسيم في وضعٍ نسبي ثابتٍ كما يدوران.


نقاط لاغرانج وهالة المدارات
نقاط لاغرانج وهالة المدارات


كما في الشكل الموضح، باعتبار نظامٍ بجسمين ضخمين وليكن دوران الأرض حول الشمس. الجسم الثّالث، المركبة الفضائية مثلًا، يمكن أن يشغر أي نقطة من نقاط لاغرانج الخمسة:

النقاط L2، L1 وL3 غير المستقرة، الواقعة على خط مستقيم مع الجسمين الضخمين: موقع المركبة الفضائية مرتبطٌ بمدى استعمالها لمحركاتها الدّافعة أحيانًا لتظل بالقرب من النقطة.

القمة القائدة للمثلث هي L4، والقمّة التابعة هي L5. يسمى هذان الأخيران أيضًا بنقاط طروادة (Trojan points). يمكن للأجسام الطبيعيّة كالكويكبات غالبًا أن تتواجد على نقطة الكوكب L4 و/أو L5 ولأقمار طروادة (Trojan moons) أن تتواجد أيضًا وهي تدور حول كوكب في نقاط الكوكب-القمر L4 وL5. 

مع أقل استعمالٍ للمحركات الدّافعة من أجل الحفاظ على الثّبات، يمكن للمركبة الفضائية أن تدور بنقطة لاغرانج غير مستقرّة، ويمكن أن يسمّى أيّ مدارٍ بمدار الهالة (halo orbit) إذا ظهر كإهليلجٍ طافٍ فوق الكوكب، رغم ذلك فهو ليس مدارًا بالمفهوم الكلاسيكي بما أن النقطة 'L' غير المستقرّة لا تمارس أي قوة جاذبةٍ على نفسها.

 

في حالة الأرض والشمس على سبيل المثال، المدار الحقيقي للمركبة الفضائية حول الشمس له فترة دوران مساوية لفترة الأرض (العام). تصوّر الهالة كانجراف متحكّم فيه ومجاور للنقطة 'L' عند الدوران حول الشمس. تنفّذ كل المناورات باستعمال المحركات الدافعة للحفاظ على الثبات بجوار نهايات الهالة، ثم عكس اتجاه الانجراف كل مرة بواسطة قوّة معتدلة.

تتبع المركبة الفضائية لمرصد الشمس وغلافها (The Solar and Heliospheric Observatory) اختصارًا SOHO، مدار هالةٍ حول النّقطة L1 للأرض التي تبعد \(1.53×10^6 \) كم، ومن هناك فإن لديها رؤيةً واضحةً لهدفها الشمس، وتقوم رحلتها المدارية بضمان ما لا تستطيع المحطات الأرضية الإشارة إليه دائمًا بخصوص تأثيرات الشمس على الاتصالات.

 

يتواجد مسبار ويلكينسون لقياس تباين الموجات القصيرة (The Wilkinson Microwaves Anisotropy Probe) اختصارًا WMA، في مدار هالةٍ بالقرب من النقطة L2 للأرض (تقريبًا المسافة نفسها من الأرض كالنقطة L1) أي تتمتع برؤيةٍ متواصلةٍ باتجاه الفضاء العميق حيث يمنع مدارها ذو الستّة أشهر حول النقطة L2 أن يحجب ظلُ الأرض أشعةَ الشمس عن ألواحها الشمسية.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • شبكة الفضاء السحيق (Deep Space Network): هي صفيفة عملاقة مكونة من هوائيات راديوية تدعم مهمات المركبات الفضائية بين-الكوكبية، بالإضافة إلى عدد من المهمات الموجودة في مدارات حول الأرض. تُقدم هذه الشبكة المعروفة اختصاراً بـ (DSN) بيانات كثيرة في مجال علم الفلك الراديوي، مما يُساهم في تطوير فهمنا للنظام الشمسي والكون.
  • زاوية الميل (Inclination): زاوية ميل مدار كوكب ما، هي الزاوية الكائنة بين مستوى مدار هذا الكوكب ومستوى مدار الأرض حول الشمس (Ecliptic)، وبذلك تكون زاويةُ ميلِ مدار القمر هي الزاوية الكائنة بين مداره ومستوى خط الاستواء الخاص به. المصدر: ناسا
  • الأوج (apogee): هي النقطة في مدار قمر صناعي حيث يكون أبعد ما يمكن عن الأرض، عكس الحضيض.

اترك تعليقاً () تعليقات