المسارات بين-الكوكبية

عند السفر بين الكواكب، يستحسن تقليل كتلة الوقود الضروري لإطلاق المركبة الفضائية، بهذه الطريقة، فإن أيّ تحليق على هذا المنوال سيكون ممكناً وغير مكلفٍ مع قدرات الإطلاق الحالية، فتكلفة الوقود الضروري متعلقة بشكلٍ كبيرٍ بالمسار الذي يتم اختياره، وبالتالي فإن المسارات -التي بطبيعتها تحتاج إلى وقود أقل- هي ذات منفعةٍ كبيرة.

مدارات هومان للنقل (Hohmann transfer orbits)


الشيء الأول الذي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار في إطلاق مركبةٍ فضائيةٍ من الأرض نحو كوكبٍ خارجيٍّ كالمريخ باستعمال أقل وقود ممكن، هو أن تكون المركبة في مدار الأرض حول الشمس وهي على منصة الإطلاق، لكن لابد فيما بعد من تعديل المسار الشمسي القائم لتوجيه المركبة نحو المريخ، بحيث تقع نقطة الحضيض (perihelion) -أقرب نقطة من الشمس- المرغوبة في مدار الأرض، أما نقطة الأوج (aphelion) -أبعد نقطة من الشمس- فتكون في مدار المريخ. 

يطلق على هذا الأمر "مسارات هومان للنقل"، ويُعرف هذا الجزء من المسار حول الشمس الذي تقطعه المركبة الفضائية من الأرض إلى المريخ بمساره.


إذاً، فالمركبة الفضائية حالياً في نقطة الحضيض بعد أن غادرت منصة الإطلاق وارتفعت فوق الأرض، مستعملةً صواريخها للتسارع في اتجاه دوران الأرض حول الشمس إلى حد الطاقة المضافة هنا عند نقطة الحضيض ليحولها إلى مدارها الجديد المساوي لنقطة الأوج في مدار المريخ، وهذا التسارع مماسي بالنسبة إلى المدار الحالي. إذاً، ما هي كمية الطاقة التي يجب إضافتها؟

بعد هذا التسارع المختصر بعيداً عن الأرض، تصل المركبة الفضائية إلى مدارها الجديد، ثم تواصل طريقها ببساطة. 
 

من الأرض إلى المريخ عن طريق المدار الأقل طاقة
من الأرض إلى المريخ عن طريق المدار الأقل طاقة


للوصول إلى كوكب المريخ وليس فقط إلى مداره، يتطلب من المركبة الفضائية أن تلج إلى مدارها بين-الكوكبي في الوقت المناسب، فلابد من وصولها إلى المدار المريخي في وقت تواجد المريخ هناك، ويمكن مقارنة هذه المهمة كالرماية على هدفٍ متحرك، وتوجه المركبة إلى النقطة المطلوبة فقط عن طريق سلوك المسار الصحيح لبلوغ الهدف. تحدث فرصة إطلاق المركبة الفضائية إلى المريخ بالحد الأدنى من الطاقة عبر مدار نقل كل 25 شهراً.

ولكي تلتقط من طرف المدار المريخي، على المركبة الفضائية أن تتباطأ نسبياً باستعمال الصواريخ الكابحة (retrograde rocket burn) أو وسائل أخرى، وللهبوط على سطح المريخ من المدار -مثلما فعلت مركبة فايكينغ (Viking)- يجب على المركبة الفضائية أن تتباطأ بشكلٍ كبيرٍ حتى تصل إلى أدنى نقطة في مدارها حول المريخ، ثم تشرع في الهبوط على سطحه. التّباطؤ النهائي يقوم به أيضاً نظام فرملة الديناميكية الهوائية (aerodynamic braking) الموجهة من المسار بين-الكوكبي، و/أو المظلة الهوائية، و/أو الصواريخ الكابحة.

الولوج نحو الداخل


لإطلاق مركبةٍ فضائيةٍ من الأرض إلى كوكبٍ داخلي -كالزهرة مثلاً- باستعمال أقل وقود ممكن، يجب تعديل مدارها الحالي حول الشمس (الذي يقع على منصة الإطلاق) للوصول إلى الزهرة. بعبارة أخرى، نقطة أوج المركبة الفضائية هي تقريباً عند مدار الأرض، ونقطة الحضيض عند مدار الزهرة. هذه المرة تكمن المهمة في خفض نقطة الحضيض للمدار الشمسي للمركبة الفضائية.

للوصول إلى هذا الأمر، تغادر المركبة الفضائية منصة الإطلاق، مرتفعةً فوق الأرض مستعملةً صواريخها للتسارع عكس اتجاه دوران الأرض نحو الشمس، مما يخفض من طاقتها المدارية حينما تكون في الأوج إلى حدٍّ سيكون فيه مدارها الجديد على مسافةٍ مساويةٍ لمدار الزهرة، ومرةً أخرى السرعة مماسية بالنسبة للمدار الحالي.

بالتأكيد، تواصل المركبة سيرها في اتجاه مدار الأرض حول الشمس، لكن بشكلٍ بطيءٍ نسبياً هذه المرة، وللوصول إلى الزهرة وليس بلوغ مداره فقط، يتطلب الأمر من جديد أن تلج المركبة الفضائية مدارها بين-الكوكبي في الوقت المناسب، وبالتالي ستبلغ مدار الزهرة عندما بتواجد الكوكب هناك. تحدث فرص الإطلاق نحو الزهرة كل 19 شهراً. 

من الأرض إلى الزهرة عن طريق المدار الأقل طاقة
من الأرض إلى الزهرة عن طريق المدار الأقل طاقة


مسارات صنف 1 و 2


إذا كان المسار بين-الكوكبي ينقل المركبة الفضائية لأقل من 180 درجةً حول الشمس، فإنه يسمى بالمسار صنف-1، وإن كان ينقلها إلى 180 درجةً أو أكثر، حينئذٍ يسمى بالمسار صنف-2.

مسارات الجاذبية المساعدة (Gravity assist trajectories) 


أشار الفصل 1 إلى أن الكواكب تحتفظ بمعظم العزم الزاوي (angular momentum) للنظام الشمسي، بحيث يمكن استغلاله لتسريع المركبة الفضائية بما يسمى بمسارات "الجاذبية المساعدة"، ويذكر عادةً في وسائل الإعلام أن مركبات فضائية كفوياجر (Voyager) وغاليليو (Galileo) وكاسيني (Cassini)، تستخدم جاذبية الكواكب خلال تحليقها القريب منها (flyby) للانطلاق بشكلٍ أبعد في الفضاء، فكيف تتم العملية؟ باستعمال الجاذبية للاستفادة من العزم الزاوي الهائل للكواكب.

في مسار الجاذبية المساعدة، ينتقل العزم الزاوي من مدار الكوكب إلى المركبة الفضائية المقتربة من خلفه في اتجاه تقدمها نحو الشمس.

ملاحظة: يهتم العلماء التجريبيون والمدرسون بمحاكي ميكانيكا الجاذبية المساعدة (gravity assist mechanical simulator)، حيث يمكن صناعة هذا الجهاز وتشغيله من أجل فهم مبدأ عمل مسارات الجاذبية المساعدة بشكلٍ مبسط.

بالنظر إلى فوياجر 2 الذي طاف حول نظام المشتري، فإنها انطلقت نحو المشتري عبر الصنف 2 من مدار نقل هومان، وعند عدم تواجد المشتري وقت وصولها، كان عليها العودة نحو الشمس والبقاء في مدارٍ إهليليجيٍّ كي لا تؤثر عليها قوى أخرى، بحيث تكون نقطة الحضيض على مستوى وحدة فلكية واحدة، في حين أن نقطة الأوج تكون عند خمس وحدات فلكية في مستوى مدار المشتري.

رغم ذلك، فإن وقت وصول فوياجر محسوب بدقة، بحيث يمر وراء المشتري في مداره حول الشمس. عندما تقترب المركبة الفضائية من تأثير جاذبية المشتري، فإنها تتجه نحوه مما يزيد في سرعتها إلى الحد الأقصى لتكون فيما بعد في أقرب نقطةٍ من المشتري، وبما أن كل الكتل في الكون تجذب بعضها البعض، فإن المشتري يقوم بتسريع المركبة الفضائية بشكلٍ ملحوظ، ثم تسحب المركبة الفضائية نحو المشتري، فيتسبب لها هذا الكوكب العملاق في خسارة بعضٍ من طاقتها المدارية.

مرت المركبة الفضائية بجوار المشتري عندما كانت سرعتها أكبر من سرعة المشتري في مداره، وبالتأكيد فإنها تتباطأ مرةً أخرى بالنسبة إليه عندما تخرج من مجال جاذبيته الضخم، بحيث تتراجع سرعتها الصادرة بالنسبة للمشتري لتكون مساويةً للواردة منه.

لكن بالنسبة للشمس، فإن المركبة الفضائية لا تتباطأ أبداً على كامل طريق سرعتها الابتدائية نحو المشتري، وبعد مغادرة ضواحيه، يزداد العزم الزاوي المأخوذ منه.  تعمل جاذبية المشتري على ربط المركبة الفضائية بالمخزون الواسع للعزم الزاوي، وقد أعيد استعمال هذه التقنية بالنسبة لزحل وأورانوس.

تغيرات سرعة الجاذبية المساعدة لفوياجر 2


تغيرات سرعة الجاذبية المساعدة لفوياجر 2
تغيرات سرعة الجاذبية المساعدة لفوياجر 2


تغادر فوياجر 2 الأرض بسرعة 36 كم/ث بالنسبة للشمس، وتفقد الكثير من السرعة الابتدائية لمركبة الإطلاق. بالقرب من المشتري، تزداد سرعتها بواسطة جاذبية الكوكب، وتتجاوز سرعة المركبة الفضائية سرعة الإفلات (escape velocity) للنظام الشمسي. 


تغادر فوياجر المشتري بسرعة نسبية للشمس أكبر منها عند وصولها، ونفس الأمر منتظر عند زحل وأورانوس، لكن مخطط التحليق بالقرب من نبتون يضع فوياجر بالقرب من قمره ترايتون بدلاً من زيادة السرعة، كما يظهر في الرسم البياني المقدم من طرف ستيف ماتوسك Steve Matousek من مختبر الدفع النفاث JPL.
 
نفس الأمر يمكن قوله بالنسبة لتسارع كرة البيسبول عندما تقذف بواسطة المضرب، حيث ينتقل العزم الزاوي من المضرب إلى الكرة بطيئة الحركة ويتباطأ المضرب بالنسبة لمداره حول اللاعب، مما يسرع الكرة بشكلٍ كبير، بعدها يلامس المضرب الكرة ليس بقوة الجاذبية من الخلف مثلما هو الحال مع المركبة الفضائية، لكن بواسطة القوة الميكانيكية المباشرة -القوة الكهربائية على المستوى الجزيئي، إن أردتم- في مقدمة المضرب خلال دورانه حول اللاعب، مترجمةً العزم الزاوي للمضرب إلى سرعةٍ عاليةٍ للكرة.

(بالطبع فيما يتعلق بهذا التشبيه، لدى الكوكب قوة جاذبة والمضرب لديه قوة طاردة، وبالتالي، فإن على فوياجر الاقتراب من المشتري في عكس اتجاه مساره، في حين أن الكرة تقترب من المضرب في اتجاه مساره).

سرعة المركبة الفضائية بالنسبة للمشتري خلال التحليق القريب بواسطة الجاذبية المساعدة
سرعة المركبة الفضائية بالنسبة للمشتري خلال التحليق القريب بواسطة الجاذبية المساعدة


يُظهر المخطط في الصورة سرعة المركبة الفضائية بالنسبة للمشتري خلال التحليق القريب بواسطة الجاذبية المساعدة، حيث تقلل المركبة الفضائية من سرعتها عند المغادرة لنفس السرعة عند القدوم بالنسبة للمشتري مع أن اتجاهها قد تغير، ونلاحظ أيضاً زيادةً في السرعة بالقرب من أقرب نقطة.

عندما تظهر نفس الحالة نسبةً إلى الشمس في الرسم البياني في الأسفل وعلى اليمين، نرى أن السرعة المدارية للمشتري بالنسبة للشمس تضاف إلى سرعة المركبة الفضائية التي لا تفقدها في طريق خروجها. وبدلاً من ذلك، فالكوكب نفسه هو الذي يفقد الطاقة، لكن هذا الفقدان ضئيلٌ للغاية لكي يقاس، ويمكن لاكتساب المركبة الفضائية أن يتعاظم، ولك أن تتخيلها كبعوضةٍ تحلق في مسار قطار بضائع مسرع.

يمكن استعمال الجاذبية المساعدة أيضاً من أجل إبطاء المركبة الفضائية عبر التحليق في مقدمة الجرم في مداره، معطيةً بعضاً من عزمها الزاوي للجرم.  عندما وصلت مركبة غاليليو إلى المشتري مقتربةً أمام قمره أيو (Io) في مداره، فقدت غاليليو الطاقة بالنسبة للمشتري مما ساعدها على الدخول لمدار الكوكب الضخم، مخفضةً بذلك من كمية الوقود اللازمة لدخول المدار بـ 90 كغ.

طرح مايكل مينوفيتش Michael Minovitch تقنية الجاذبية المساعدة مبكراً في ستينات القرن الماضي، عندما كان طالباً في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس وعاملاً خلال الصيف في مختبر الدفع النفاث. 

قبل اعتماد تقنية الجاذبية المساعدة، كان في الاعتقاد أن السفر إلى النظام الشمسي الخارجي ممكنٌ فقط في حال تطوير مركبات إطلاقٍ قويةٍ للغاية تستعمل مفاعلات نووية لإنتاج دفعٍ هائل، وتحلق بشكلٍ أساسيٍّ أبعد من ناقلات هومان.

هناك حقيقة مهمة يجب أخذها بعين الاعتبار، هي أنه على الرغم من أن المركبة الفضائية قد تضاعف سرعتها نتيجةً للجاذبية المساعدة، فإنه لا يمكن الشعور بأي تسارع، فلو كنت على متن فوياجر 2 عندما تقوم بأكثر من مضاعفة سرعتها بواسطة الجاذبية المساعدة في النظام الشمسي الخارجي، سوف تشعر فقط بإحساس سقوطٍ مستمرٍ وليس تسارعاً، ويحدث هذا الأمر عند المقايضة المتوازنة للعزم الزاوي الذي يتوسط جاذبية الكوكب وجاذبية المركبة الفضائية.

الدخول إلى المحرك الأيوني


كل المناقشة والحديث السابق عن المسارات بين-الكوكبية مبنيٌّ على استعمال الصواريخ الكيميائية الحالية، بحيث توفر مركبة الإطلاق تقريباً كل الطاقة الدافعة للمركبة الفضائية. خلال بعض المرات في السنة، تقوم المركبة الفضائية بإطلاق دفعاتٍ من صواريخها الدافعة الكيميائية لإجراء تعديلاتٍ صغيرةٍ على مسارها. 

خلاف ذلك، فإن المركبة الفضائية تبقى في حالة سقوط حر على طول طريقها إلى وجهتها، ويمكن للجاذبية المساعدة أن تقوم بالمساعدة على فتراتٍ قصيرةٍ حين يخضع مسار المركبة الفضائية للتغيير.

لكن الدفع الكهربائي الأيوني، كما يتضح في الرحلات بين-الكوكبية لديب سبايس 1 (Deep space 1) والمهمة العلمية إلى الكويكبات داون (Dawn) يعمل بشكلٍ مختلف، فبدلاً من الرشقات النارية القصيرة من أجل الانطلاق القوي نسبياً، يستخدم الدفع الكهربائي نظام دفعٍ أكثر هدوءاً ومستمر على فترة أشهر أو حتى سنوات، بحيث يوفر كفاءةً أكبر من حيث الحجم مقارنةً بالدفع الكيميائي بالنسبة للمهمات طويلة الأمد بما يكفي لاستخدام التكنولوجيا.

لكن حتى الدافعات الكهربائية-الأيونية للمركبة الفضائية تحتاج للصواريخ الكيميائية للانطلاق، وبفضل كفاءتها، فإن الصواريخ تكون أقل ضخامةً وتتطلب مركبات إطلاقٍ أقل قوة (وأقل تكلفة) في البداية، ثم يبدو مسار المركبة ذات الدفع الأيوني مثل مدار هومان للنقل، لكن على فتراتٍ طويلةٍ من التشغيل المستمر للمحرك الكهربائي، ولن يكون المسار أطول من مسار قذيفةٍ بحت.

 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • الزّخم الزاوي (كمية الحركة الزاوية) (angular momentum): هي كمية فيزيائية تساوي حاصل ضرب كتلة جسم ما يدور في مدار ما بسرعته ونصف قطر مداره. وطبقا لمبدأ حفظ الزخم الزاوي، يجب أن يبقى الزخم الزاوي لأي جسم دائر ثابتا في جميع نقاط المدار، بمعنى أنها كمية محفوظة فيزيائيا فلا يمكن أن تفنى أو تنشأ من العدم. وإذا كان المدار اهليلجيا فإن نصف القطر سيتغير، وبما أن الكتلة ثابتة، وحسب المبدأ السابق، فان السرعة ستتغير، هذا يعني أن الكواكب في المدارات الاهليلجية ستكون أسرع عند الحضيض وأبطأ عند الأوج، وتمتلك الأجسام التي تدور حول نفسها أيضا زخما زاويا مغزليا.
  • الجاذبية (gravity): قوة جذب فيزيائي متبادلة بين جسمين.
  • معهد أبحاث الفضاء في روسيا، و هو تابع لأكاديمية العلوم الروسية. (IKI): معهد أبحاث الفضاء في روسيا، و هو تابع لأكاديمية العلوم الروسية.

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات