الاستماع إلى الكون

أداة جديدة تتيح للفلكيين الاستماع إلى الكون للمرة الأولى.


عندما قدم غاليليو التلسكوب لأول مرة في القرن السابع عشر، اكتسب الفلكيون القدرة على إبصار أجزاء من الكون كانت غير مرئية بالعين المجردة. قاد هذا إلى قرون من الاكتشافات، فبتطور التلسكوبات كشفوا كواكب ومجرات جديدة وحتى لمحة عن الكون الباكر جدًا. 

في أيلول/سبتمبر 2015، حاز العلماء على أداة جديدة لا تقدر بثمن، وهي القدرة على سماع الكون عبر الموجات الثقالية (gravitational waves).

 تموجات في الزمكان (space-time)


وصف نيوتن Newton الجاذبية بأنها قوة، التفكير بالجاذبية بهذه الطريقة يمكن أن يشرح معظم الظواهر التي تحصل هنا على الأرض. على سبيل المثال، قوة الجاذبية المؤثرة في تفاحة تجعلها تسقط من الشجرة فوق شخص غير محدد جالس تحتها. على أي حال، لفهم الجاذبية على مقياس كوني نحتاج إلى التوجه إلى أينشتاين الذي وصف الجاذبية بأنها انحناء الزمكان نفسه.

يصف بعض الفيزيائيون هذه العملية باستخدام كرة بولينغ وبطانية. تخيل الزمكان كبطانية، عند وضع كرة بولينغ في مركز البطانية، تحني الكرة النسيج من حولها، وكلما كان الجسم أثقل كلما انغمر أكثر. عندما تحرك الكرة على طول النسيج، ينتج تموجات، بما يشبه مسير قارب عبر الماء.

وتوضح غابرييلا غونزاليز Gabriela González، الناطقة باسم اتحاد مرصد الليزر لقياس التداخل في الأمواج الثقالية (لايغو): "الانحناء هو ما يجعل الأرض تدور حول الشمس، حيث الشمس هي كرة البولينغ في النسيج وهي تحني النسيج، وهذا ما يجعل الأرض تدور حولها".

كل شيء ذا كتلة (من كواكب ونجوم وأشخاص) يؤثر في نسيج الزمكان وبتحركه في الفضاء تنتج موجات ثقالية، إنها تمر عبرنا طوال الوقت ولكنها أضعف من أن تُكشف.

لإيجاد هذه الإشارات المُحيرة، بنى الفيزيائيون لايغو، وهما مرصدان توأمان في لويزيانا وواشنطن لهما الشكل L، في كل كاشف منهما ينشطر شعاع ليزر ويرسل للأسفل ذراعين بطول 4 كيلومتر، تنعكس الأشعة عن المرايا في كل نهاية وتعود لتتحد من جديد. يعدل مرور موجة ثقالية قليلًا من أطوال الذراعين النسبية. ما يحول مسار شعاع الليزر، وبالتالي يتشكل تغير يستطيع الفيزيائيون كشفه.

بخلاف التلسكوبات التي تُوجَه إلى أجزاء محددة بدقة من السماء، تمسح الكواشف الشبيهة بلايغو مساحة أكبر بكثير من الكون وتسمع مصادر من كل الاتجاهات. تقول لورا نوتال Laura Nuttall، باحثة ما قبل الدكتوراه في جامعة سيراكيوز: "كواشف الأمواج الثقالية هي كالميكروفونات".

رسم توضيحي. المصدر: Sandbox Studio, Chicago with Lexi Fodor
رسم توضيحي. المصدر: Sandbox Studio, Chicago with Lexi Fodor


الكشوف الأولى


في صباح 14 سبتمبر/أيلول 2015، اخترقت موجة ثقالية كلًا من كاشفي لايغو وكانت صادرة عن ثقبين أسودين تصادما منذ 1.3 مليار سنة، ونبه نظام إنذار أوتوماتيكي علماء لايغو حول العالم. تقول غونزاليز: "استغرقنا جزءًا لا بأس به من اليوم لنقنع أنفسنا أن التنبيه لم يكن صوت مثقاب".

كان لايغو في طور التحضير لإجراء الرصد، حيث ما زال الباحثون حينها يجرون الاختبارات والتشخيصات خلال اليوم، لقد احتاجوا إلى إجراء عدد كبير من التحققات والتحليلات ليتأكدوا أن الإشارة كانت حقيقية.

بعد أشهر، عندما تحقق الباحثون بدقة من البيانات لنفي وجود أخطاء أو تشويش (كالصواعق أو الزلازل)، أعلن اتحاد لايغو للعالم أنهم وأخيرًا وصلوا إلى الهدف المُرتقب منذ وقت طويل، وذلك تقريبًا بعد 100 سنة من توقع أينشتاين أولًا بوجودها، إن العلماء قد اكتشفوا الموجات الثقالية.

بعد عدة أشهر من وصول الإشارة الأولى، كشف لايغو أيضًا تصادم ثقبين أسودين آخرين. تقول نوتال: "إيجاد ثاني يثبت أن هناك مجموعة من المصادر التي ستنتج موجات ثقالية قابلة للكشف. نحن الآن مرصدٌ في الحقيقة".


رسم توضيحي. المصدر: Sandbox Studio, Chicago with Lexi Fodor.
رسم توضيحي. المصدر: Sandbox Studio, Chicago with Lexi Fodor.

 

ميكروفونات كونية
لقب كثيرون اكتشاف الموجات الثقالية بفجر عصر علم فلك الموجة الثقالية. يتوقع علماء أن يروا المئات، وربما حتى الآلاف من هذه الثقوب السوداء الثنائية في السنوات القادمة. ستسمح كواشف الموجات الثقالية للفلكيين بأن ينظروا عن كثب أكثر إلى الظواهر الفلكية الأخرى، مثل النجوم النيوترونية والمستعرات العظمى (supernovae) وحتى الانفجار العظيم (Big Bang).

هناك خطوة تالية هامة هي كشف النظائر البصرية -كالضوء القادم من المادة المحيطة أو انفجارات غاما- من مصادر الموجات الثقالية، ولفعل هذا يحتاج الفلكيون إلى توجيه تلسكوباتهم إلى تلك المنطقة من السماء التي جاءت منها الموجات الثقالية لتحري أي ضوء قابل للكشف.

حاليًا، هذا العمل هو كإيجاد إبرة في كومة قش، لأن مجال رؤية كواشف الموجات الثقالية أكبر بكثير من التلسكوبات، إن ربط الاثنين صعبٌ للغاية. يقول إيدو بيرغر Edo Berger، أستاذ فلك في جامعة هارفرد: "ربط الموجات الثقالية بالضوء للمرة الأولى سيكون اكتشافًا هامًا ويستحق الجهد بالتأكيد".

إن لايغو هو واحد من عدة مراصد موجات ثقالية. المراصد الأرضية الأخرى، من مثل فيرغو Virgo في إيطاليا وكاغرا KAGRA في اليابان ولايغو المستقبلي في الهند، لديها حساسات مشابهة للايغو. هناك أيضًا وسائل أخرى يستخدمها العلماء (ويخططون لاستخدامها في المستقبل) لكشف الموجات الثقالية عند ترددات مختلفة تمامًا.

على سبيل المثال، هوائي مقياس التداخل الليزري الفضائي المطور (واختصارًا إليزا eLISA) هو كاشف موجات ثقالية يخطط الفيزيائيون لبنائه في الفضاء. عند اكتماله، سيكون إليزا مؤلفًا من ثلاث مركبات فضائية تبعد ما يزيد عن مليون كيلومتر، ما يجعلها حساسة لترددات الموجات الثقالية الأدنى بكثير، وبذلك يترقب العلماء كشف ثقوب سوداء فائقة الكتلة.

وكذلك صفيفة توقيت نجم نابض (Pulsar) هي طريقة مختلفة كليًا في الكشف. النجم النباض هو مؤقت طبيعي، يصدر بانتظام حزمًا من إشعاع كهرومغناطيسي. يقيس الفلكيون بحذر توقيت وصول النبضات لإيجاد التعارضات، والسبب أنه عندما تمر موجة ثقالية يتشوه الزمكان، فتتغير المسافة بيننا وبين النجم النابض، ويؤدي هذا إلى وصول النبضات في وقت أبكر أو لاحق قليلًا. هذه الطريقة حساسة لترددات أدنى من إليزا.

تلك الطرق والعديد من الأرصاد الأخرى ستكشف عن رؤية جديدة للكون، وتساعد العلماء على دراسة ظاهرة كاندماج الثقوب السوداء، لاختبار نظريات الجاذبية ومن الممكن حتى اكتشاف شيء غير متوقع على الإطلاق. يقول دانييل هولز Daniel Holz أستاذ الفيزياء الفلكية في جامعة شيكاغو: "عادةً في العلم نقوم بدفع الحدود قليلاً فقط، ولكن في هذه الحالة نحن نفتح جبهة جديدة كاملة".

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • الأمواج الثقالية (gravitational waves): عبارة عن تموجات في الزمكان، نشأت عن حركة الأجسام في الكون. أكثر المصادر التي تُنتج مثل هذه الأمواج، هي النجوم النترونية الدوارة، والثقوب السوداء الموجودة خلال عمليات الاندماج، والنجوم المنهارة. يُعتقد أيضاً بأن الأمواج الثقالية نتجت أيضاً عن الانفجار العظيم. المصدر: ناسا
  • المستعرات الفائقة (السوبرنوفا) (supernovae): 1. هي الموت الانفجاري لنجم فائق الكتلة، ويُنتج ذلك الحدث زيادة في اللمعان متبوعةً بتلاشي تدريجي. وعند وصول هذا النوع إلى ذروته، يستطيع أن يسطع على مجرة بأكملها. 2. قد تنتج السوبرنوفات عن انفجارات الأقزام البيضاء التي تُراكم مواد كافية وقادمة من نجم مرافق لتصل بذلك إلى حد تشاندراسيغار. يُعرف هذا النوع من السوبرنوفات بالنوع Ia. المصدر: ناسا
  • المستعرات الفائقة (السوبرنوفا) (supernova): 1. هي الموت الانفجاري لنجم فائق الكتلة، ويُنتج ذلك الحدث زيادة في اللمعان متبوعةً بتلاشي تدريجي. وعند وصول هذا النوع إلى ذروته، يستطيع أن يسطع على مجرة بأكملها. 2. قد تنتج السوبرنوفات عن انفجارات الأقزام البيضاء التي تُراكم مواد كافية وقادمة من نجم مرافق لتصل بذلك إلى حد تشاندراسيغار. يُعرف هذا النوع من السوبرنوفات بالنوع Ia. المصدر: ناسا

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات