الانفجارات الأعنف في الكون تولدها الأجرام المغناطيسية الأقوى

أظهرت الأرصاد التي أجراها مرصدا لاسيلا La Silla وبانارال Paranal في تشيلي للمرة الأولى وجود علاقة بين انفجارات أشعة غاما فائقة طول الأمد وانفجارات المستعرات العظمى ذات السطوع غير الاعتيادي. وقد أظهرت النتائج، التي سيتم نشرها في مجلة Nature في التاسع من تموز/يوليو 2015، أن المستعرات العظمى لم تحصل بفعل التحلل الإشعاعي كما كان متوقعا، وإنما ولّدتها الحقول المغناطيسية فائقة القوة والمتحللة التي حول جرم غير مألوف يدعى باسم "النجم النيوتروني المغناطيسي".
 


تعتبر انفجارات أشعة غاما (gamma-ray bursts) المعروفة اختصارا بــ(GRBs)، واحدة من أقوى النتائج الناجمة عن أكبر الانفجارات التي تحصل منذ فترة الانفجار العظيم (Big Bang). 

تكشف هذه الانفجارات باستخدام التلسكوبات المدارية الحساسة لهذا النوع من الإشعاع عالي الطاقة والذي لا يُمكنه اختراق الغلاف الجوي للأرض، ومن ثم ترصَد بأطوال موجية أطول من قبل التلسكوبات الموجودة في الأرض أو في الفضاء.

تستمر الـ GRBs في العادة لبضع ثوان، لكن في حالات نادرة جدا قد يستمر انفجار أشعة غاما لساعات [1]. وقد تم بالفعل رصد أحد هذه الانفجارات فائقة طول الأمد (ultra-long duration GRB) من قبل قمر سويفت الصناعي في التاسع من ديسمبر/كانون الأول 2011، وعرف باسم (GRB 111209A)، وكان أحد أكثر الـ GRBs سطوعا واستمرارية. 

لقد تمت دراسة التوهج اللاحق لهذا النوع من الانفجارات أثناء تلاشيه، من قبل كل من أداة (GROND) الموجودة على متن تلسكوب (MPG/ESO) الذي يبلغ قطر فتحته 2.2 متر والموجود في لاسيلا في تشيلي، وأداة (X-shooter) الموجودة على متن التلسكوب الكبير جدا (VLT) في بارانال. وتم حينها اكتشاف إشارة واضحة عن مستعر أعظم (supernova) سمي لاحقا بـ (SN 2011kl). كما تعد هذه المرة الأولى التي تكتشف فيها هذه المستعرات العظمى المترافقة مع انفجار أشعة غاما فائق طول الأمد [2].

يقول المؤلف الرئيسي للورقة العلمية جوشن غرينر Jochen Greiner من معهد ماكس بلانك لفيزياء العوالم الخارجية في غارشيغ بألمانيا: "لا بد و أن النجم الذي انفجر مميز جدا، لأن مثل هذا النوع من انفجارات أشعة غاما طويلة الأمد لا يحصل إلا مرة واحدة من بين كل عشرة آلاف إلى مائة ألف مستعر أعظم. وقد افترض علماء الفلك أن انفجارات أشعة غاما قد جاءت من نجوم فائقة الكتلة جدا -كتلتها أكبر من كتلة الشمس بحوالي 50 مرة- وهي تشير إلى تشكل ثقب أسود (black hole). لكن الأرصاد الجديدة الخاصة بالمستعر الأعظم (SN 2011kl) والتي اكتشفت بعد (GRB 111209A) قد أدت إلى تغيير هذا النموذج المتعلق بانفجارات الأشعة غاما فائقة طول الأمد".

وحسب السيناريو المرجح والقائل بانهيار نجم فائق الكتلة -يعرف هذا النموذج أحيانا باسم الكولابسار(collapsar)- فمن المتوقع أن يكون انفجار الإصدار تحت الأحمر/البصري طويل الأمد والقادم من المستعر الأعظم ناتجا عن التحلل الإشعاعي لنظير النيكل 56 المتشكل في الانفجار [3].

لكن في حالة (GRB 111209A)، فقد بينت البيانات القادمة من التلسكوبات (GROND) و(VLT) مجتمعة وبشكل لا لبس فيه أن ذلك قد لا يكون صحيحا! [4]. كما قد استبعدت احتماليات أخرى [5].

إن التفسير الوحيد الذي ينسجم مع أرصاد المستعرات العظمى اللاحقة لـ (GRB 111209A) هو أنها كانت تستمد طاقتها من نجم نيوتروني مغناطيسي (magnetar). وهو عبارة عن نجم نيوتروني يدور لمئات المرات في الثانية الواحدة ويمتلك حقلا مغناطيسيا أقوى بكثير من ذلك الخاص بالنجوم النيوترونية العادية (neutron stars). ويعرف هذا النوع من النجوم أيضا بالنبّاضات الراديوية [6] (radio pulsars).

يعتقد أن النجوم النيوترونية المغناطيسية هي أقوى الأجسام الممغنطة في الكون المعروف. وتعد هذه هي المرة الأولى التي تشاهد فيها علاقة محتملة بين مستعر أعظم ونجم نيوتروني مغناطيسي. 

يشرح باولو مازالي Paolo Mazzali وهو مؤلف مشارك في الدراسة أهمية هذه الاكتشافات قائلا: "تقدم النتائج الجديدة أدلة جيدة للعلاقة غير المتوقعة بين (GRBs) والمستعرات العظمى فائقة السطوع والنجوم النيوترونية المغناطيسية. وقد تم في الواقع الاشتباه بهذه العلاقة نظريا منذ بضعة سنوات، لكن ربطها معا يعتبر تطورا جديدا ومثيرا للاهتمام".


ويختتم غرينر بقوله: "تجبرنا حالة (SN 2011kl/GRB 111209A) على الأخذ بعين الاعتبار سيناريو الكولابسار (collapsar scenario)، وتقربنا هذه الاكتشافات أكثر من الحصول على صورة أوضح وأحدث لآلية عمل الـ GRBs".

ملاحظات:



[1]- تستمر انفجارات أشعة غاما طويلة الأمد الاعتيادية من 2 إلى 2000 ثانية، وهناك الآن أربعة GRBs يعرف عنها أنها استمرت لفترة بين 10 آلاف و25 ألف ثانية، ولذلك عرفت بانفجارات أشعة غاما فائقة طول الأمد. وهناك أيضا نوع آخر مميز من انفجارات أشعة غاما قصيرة الأمد يعتقد أنها ناجمة عن آلية مختلفة.

[2]- تم التنبؤ بوجود رابط بين المستعرات العظمى وانفجارات أشعة غاما طويلة الأمد الاعتيادية عام 1998، وبشكل خاص عبر أرصاد قامت بها مراصد المرصد الأوروبي الجنوبي للمستعر الأعظم (SN 1998bw)، وتم تأكيدها في عام 2003 بوجود (GRB 030329). 

[3]- يعتقد أن انفجار أشعة غاما بحد ذاته يحصل على طاقته من تدفقات نسبية ناتجة عن مواد نجمية تنهار نحو الجزء المركزي من جسم مضغوط جدا عبر قرصِ تراكم كثيف وساخن.

[4]- إن كمية النيكل 56 المقاسة باستخدام أداة (GROND) هي أكبر بكثير من أن تتفق مع إصدار الأشعة فوق البنفسجية القوي المشاهد باستخدام أداة (X-shooter)

[5]- من بين المصادر الأخرى المقترحة لشرح وتفسير وجود المستعرات العظمى فائقة السطوع، تذكر تفاعلات الصدمة مع المواد المحيطة، والتي قد تكون مرتبطة بالأغلفة النجمية التي قذفها النجم قبل الانفجار، أو وجود نجم أزرق عملاق فائق في السابق. لكن الأرصاد قد استبعدت بشكل واضح في حالة (SN 2011kl) كلا من هاتين الفرضيتين. 

[6]- تمثل البولزارات النوع الأكثر شيوعا من النجوم النيوترونية المرصودة، ومع ذلك فإنه يعتقد بأن النجوم النيوترونية المغناطيسية تطور حقولا مغناطيسية أقوى من تلك المشاهدة في البولزارات بمقدار يتراوح بين 100 و 1000 مرة.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • انفجارات الأشعة غاما (GRBs) (gamma-ray bursts): هي عبارة عن ومضات من أشعة غاما تترافق مع انفجارات عالية الطاقة يرصدها علماء الفلك في المجرات البعيدة.
  • المستعرات الفائقة (السوبرنوفا) (supernova): 1. هي الموت الانفجاري لنجم فائق الكتلة، ويُنتج ذلك الحدث زيادة في اللمعان متبوعةً بتلاشي تدريجي. وعند وصول هذا النوع إلى ذروته، يستطيع أن يسطع على مجرة بأكملها. 2. قد تنتج السوبرنوفات عن انفجارات الأقزام البيضاء التي تُراكم مواد كافية وقادمة من نجم مرافق لتصل بذلك إلى حد تشاندراسيغار. يُعرف هذا النوع من السوبرنوفات بالنوع Ia. المصدر: ناسا
  • النجم النيوتروني المغناطيسي (Magnetar): هو نوع من النجوم النيوترونية التي تمتلك حقلاً مغناطيسياً قوياً جداً.

المساهمون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً () تعليقات