مجرّاتٌ مندمجة تكسرُ الصمتَ الراديويّ

عملية مسح ضخمة لصور تلسكوب هابل تؤكد العلاقة بين المجرّات المندمجة ذات الثقوب السوداء فائقة الكتلة، وبين النفاثات النسبية.

خلال إحدى أكبر عمليات دراسة صور المرصد هابل الفضائي التي أجريت إلى الآن، وجد باحثون علاقةً لا تقبل الشكّ بين وجود الثقوب السوداء فائقة الكتلة (Super Massive Black Holes) أو اختصاراً (SMBH) التي تولّد نفاثات ذات قوة ونشاط راديوي مميز، وبين تاريخ المجرات المندمجة التي تحوي هذه الثقوب. وقد توصل فريق من الباحثين مؤخرا إلى أنّ كافة المجرات التي تحوي مثل هذه الثقوب تقريبا هي مجرات تندمج حاليًا مع مجرات أخرى، أو أنها قد أنهت عملية اندماجها مؤخرا. 

أضافت هذه النتائج وزنًا كبيرًا لدراسة حالات النفاثات التي تنتج من اندماج الثقوب السوداء، وستُنشر نتائج هذه الدراسات قريبا في مجلة علوم الفيزياء الفلكية. 

باستخدام بيانات وصور من الكاميرا واسعة المجال 3 (Wide Field Camera3) أو اختصاراً (WFC3) الملحقة بمرصد هابل الفضائي التابع لوكالتي ناسا وإيسا، أجرى فريق من علماء الفلك عملية مسح واسعة بغية دراسة المجرات التي تعاني الآن، أو عانت قبل مدة، من عملية اندماج بين مجرتين قديمتين العملية تسمى المندمجة (Merger)، وعلاقة ذلك بنشاط الثقوب السوداء فائقة الكتلة التي تتواجد في لب تلك المجرات. 

درس هذا الفريق ،المشترك بين عدة مؤسسات أكاديمية، عددًا كبيرًا من المجرات التي تمتاز بمركزها الساطع بشدة، وهي مراكز تُعرف باسم نوى المجرات النشطة (Active Galactic Nuclei) أو اختصاراً (AGNs) ويُعتقد أن هذه المراكز النشطة هي مناطق تَنتُج من تراكم كمّيات كبيرة من المواد الساخنة التي تدور حول مركز المجرات، وتُستهلَك من قبل الثقوب السوداء فائقة الكتلة التي تتواجد في ذلك المركز. 

بالرغم من الاعتقاد السائد بأن غالبية المجرات تحوي في مركزها على ثقوب سوداء فائقة الكتلة، لكن الملاحظ فعلا أنّ نسبةً قليلة فقط من هذه المراكز تمتلك مقدارا من السطوع العالي، ونسبة أقل منها ستتطور لخطوة أخرى وتُرسل ما يسمى بالنفاثات النسبية  (Relativistic Jets) [1] إن نفاثيِّ البلازما، اللذين ينطلقان بسرعة عالية جدا تقترب من سرعة الضوء في اتجاهين متعاكسين ومتعامدين على قرص المادة المحيطة بالثقب الاسود، سيمتدان إلى مسافة بضعة آلاف من السنوات الضوئية في الفضاء، وسترسل المادة الساخنة في هذين النفاثين أشعة راديوية أيضا.

يسعى ماركو كيوبيرج Marco Chiaberge مع زملائه إلى البحث عن هذا النوع من النفاثات ودراسته من بيانات مرصد هابل الفضائي، راجين تأكيد نتائج حصول الاندماج المجري [2]. كيوبيرج هو من معهد علوم تلسكوبات الفضاء في الولايات المتحدة الأميركية، وهو أيضا عضو مرتبط مع جامعة جونز هوبكنز في الولايات المتحدة الاميركية ومعهد الفلك الراديوي INAF-IRA في إيطاليا. 

فحص فريق كيوبيرج خمسة أنواع من المجرات، وبحث فيها عن أي إشارة منظورة لعملية اندماج تجري حاليًا، أو جرت سابقا. وتتضمن هذه الأنواع نوعين من المجرات التي تحتوي على نفاثات، ونوعين من المجرات التي تمتلك قلبا ساطعا ولكن من دون نفاثات، ومجموعة واحدة من المجرات الخاملة الاعتيادية [3]. 

يوضح ماركو: "تُولّدُ المجرات، التي فيها تلك النفاثات النسبية، كميةً كبيرة من الأشعة المنبعثة في مجال الأطوال الموجية الراديوية. وباستخدام الكاميرا واسعة المجال 3 لمرصد هابل الفضائي وجدنا أن غالبية المجرات تطلق الأشعة الراديوية، وهو ما يعني ضمنا وجود نفاثات، يقترن وجودها مع المندمجات. ومع هذا، فقد توصلنا أيضا إلى أنّ المجرات، التي تملك النفاثات، ليست الوحيدة التي تبدي الدليل على أنها من المندمجات!" [4].

يضيف روبيرتو جيللي Roberto Gilli، وهو أحد اعضاء الفريق البحثي من المرصد الفلكي في بولونيا بايطاليا: "وجدنا أنّ معظم أحداث الاندماج بحد ذاتها لا تتكون نتيجة نشوء نوى المجرات النشطة ذات الانبعاث الراديوي القوي، فقط ما نسبته 40% من باقي المجرات قد لوحظت، وقد عانت أيضا من المندمجات، مع هذا فشلت في إنتاج انبعاث راديوي مميز، ولم تولّد نفاثات مشابهة لنظيراتها من المجرات".

بالرغم من وضوح الفكرة الآن وبصورة مؤكدة تقريبا بأن تكّون المجرات المندمجة يتصاحب مع وجود الثقوب السوداء فائقة الكتلة مع النفاثات النسبية، إلا أن الفريق البحثي استنتج حتمية تحقق، ووجود بعض الظروف الأخرى اللازمة لتولد مثل هذه النفاثات. يعتقد هذا الفريق أن عملية التصادم بين مجرتين واندماجهما معا ستولّد ثقبًا أسودَ فائق الكتلة مع نفاثات نسبية فقط عندما يدور الثقب الأسود المركزي حول نفسه بسرعة عالية – ربما بسبب التقائه مع ثقب أسود له كتلة مشابهة – فعند ذلك ستُقدم الطاقة الفائضة من دوران هذين الثقبين الأسودين لتلك النفاثات. 

ويبرر كولن نورمان Colin Norman وهو أيضا باحث مشارك في المشروع أن "هناك طريقتين يمكن للمندمجات بها أن تؤثر على الثقب الأسود المركزي. الأولى ستكون زيادة مقدار الغاز الذي يساق نحو مركز المجرة، والذي سيضيف كتلةً لكل من الثقب الأسود وقرص المادة المحيطة به. لكنّ هذه الطريقة لا بد وأنها تؤثر على كل الثقوب السوداء في كل أنواع المجرات المندمجة، ومع هذا لا نرصد وجود النفاثات في كافة المجرات التي لديها ثقوب سوداء من هذا النوع؛ لهذا فإنّ هذه الطريقة وحدها لا تكفي لتبرير تكوّن هذه النفاثات. الطريقة الأخرى هي أنه عندما تحصل عملية الاندماج بين مجرتين ضخمتين فإنّ ذلك سيؤدّي أيضًا إلى اندماج ثقبين أسودين قريبين في مقدار كتلتيهما مع بعضهما. وربما يُولد هذا التزاوج والاندماج بين مثل هذين الثقبين ثقبا أسودَ منفردا فائق الكتلة ويبرم بسرعة كبيرة، وهو الذي سيكون مسؤولا عن إنتاج تلك النفاثات". 

لا يزال الموضوع بحاجة لدراسات مستقبلية تستغل كلا من بيانات مرصد هابل الفضائي إضافة إلى صفيفة أتاكاما التلسكوبية الكبيرة المليميترية ودون المليميترية (Atacama Large Millimeter/submillimeter Array) أو اختصاراً (ALMA) لتوسيع البيانات التي يجب مسحها بغرض إلقاء المزيد من الضوء على طبيعة هذه الأحداث العنيفة والمعقدة. 

ملاحظات:


  1.  تتحرك النفاثات النسبية بسرعة قريبة جدًا من سرعة الضوء في الفراغ؛ لهذا فهي من أسرع الاجسام المعروفة في الكون حركةً. 
     
  2. أُخذت البيانات، التي جرى استعمالها في هذه الدراسة، بالتعاون مع فريق مرصد هابل المسمى فريق هابل 3 سي أر ((3CRHST team. ويقوم ماركو كيوبيرج بقيادة هذا الفريق الدولي من علماء الفلك، الذي قام بسلسلة عمليات تفحص المجرات الراديوية والكوازرات من دليل مرصد هابل الخاص (3 سي أر).
     
  3. قارن الفريق مشاهداته مع البيانات الهائلة لأرشيف مرصد هابل. وبسرعة تمكنوا من التعرف على اثنتي عشرة مجرة راديوية بعيدة جدا، ثم قارنوا نتائجهم مع البيانات الناتجة من عدد كبير من المجرات في برامج رصد بحثية سابقة. 
     
  4. بيّنت دراسات سابقة أيضا العلاقة القوية بين تاريخ الاندماج لمجرة معينة ومستويات الانبعاث الإشعاعي العالية عند الأطوال الموجية الراديوية، وهي علاقة تؤكد وجود نفاثات نسبية مندسة في مركز هذه المجرات. وعلى كل حال، فإنّ الدراسة الحالية هي أكثر كلفة بكثير من سابقاتها، وامتازت نتائجها بوضوح شديد، فالآن يمكن التأكد إلى درجة كبيرة من أن كل نواة مجرية نشطة، أي تلك النواة التي تمتلك نفاثات نسبية، نتجت من عملية اندماج.
     

 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • التدفقات (Jets): عبارة عن أشعة من الجسيمات، عادةً ما تكون ناتجة عن النوى المجرية النّشطة أو بولزار. وعلى النقيض من التدفق الناتج عن طائرة، حيث يتجه المجرى الغازي نحو اتجاه واحد، يتكون التدفق الفلكي من أزواج كل منها يتجه في اتجاه معاكس للآخر. المصدر: ناسا

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات