تلسكوب هابل التابع لناسا يجد قمري بلوتو

لو كنت تعيش على أحد أقمار بلوتو، فقد تواجه وقتاً عصيباً عند محاولة تحديد موعد أو اتجاه شروق الشمس كل يوم؛ حيث يُظهر تحليلٌ شاملٌ لبيانات من تلسكوب هابل الفضائي التابع لناسا (NASA's Hubble Space Telescope ) أن اثنين من أقمار بلوتو، وهما نيكس (Nix) وهيدرا (Hydra) يتمايلان بشكل لا يمكن التنبؤ به.

يقول جون جرانسفِلد Jonh Grunsfeld، وهو إداري مساعد في مديرية المهام العلمية التابعة لناسا في واشنطن (NASA's Science Mission Directorate in Washington): ”لقد قدم لنا هابل رؤية جديدة لبلوتو وأقماره، مظهراً رقصة كونية، وإيقاعاً فوضوياً“، ويضيف: ”عندما تُحلّق المركبة الفضائية نيو هورايزونز (New Horizons) خلال نظام بلوتو في حزيران، سنحصل على فرصة لنرى كيف يكون شكل هذه الأقمار عن قرب، وكلٌّ منها على حدة“.

يتمايل القمران ﻷنهما موجودان ضمن حقل تجاذبي (gravitational field) يتغير باستمرار، حيث خلق النظام الكوكبي المزدوج (double planet system) المكون من بلوتو وشارون (Charon) هذا التغير، ويرجع سبب تسميتهما بالكوكب المزدوج إلى أنهما يتشاركان مركزَ جاذبيةٍ واحدًا موجودًا في الفضاء بين الجسمين، هذا ويعمل حقلُهما التجاذبي المتغير على جعل الأقمار الأصغر تتشقلب بشكل غريب، وما يزيد من قوة هذا الأثر هو شكلُ الأقمار التي تبدو أقرب إلى شكل كرة القدم الأمريكية، بدلاً من الشكل الكروي. ويعتقد العلماء أنه من المرجّح ن يكون قمرا بلوتو الآخران، كيربيروس، وستيكس، في وضع مشابه.

هذه المجموعة من التصاميم الحاسوبية التوضيحية لنيكس، قمرِ بلوتو، تظهر كيف أن توجه القمر يختلف بشكل لا يمكن التنبؤ به حين يدور حول "الكوكب المزدوج" بلوتو-شارون.  Credits: NASA/ESA/M. Showalter (SETI)/G. Bacon (STScI)
هذه المجموعة من التصاميم الحاسوبية التوضيحية لنيكس، قمرِ بلوتو، تظهر كيف أن توجه القمر يختلف بشكل لا يمكن التنبؤ به حين يدور حول "الكوكب المزدوج" بلوتو-شارون. Credits: NASA/ESA/M. Showalter (SETI)/G. Bacon (STScI)

هذه النتائج المذهلة، والتي وصل إليها مارك شوالتر Mark Showalter في مؤسسة البحث عن ذكاء خارج الأرض (STEI) في ماونتن فيو - كاليفورنيا، ودوغ هاميلتون Doug Hamilton من جامعة ماريلاند University of Maryland في كوليج بارك College Park، ستنشر في عدد 4 حزيران من دورية Nature.
قال شوالتر: "لم يكن أحد ليقدِّر، قبل مشاهدات هابل، الديناميكياتِ المعقدةَ لنظام بلوتو"، ويضيف: "إن بحثنا يوفر معطيات جديدة مهمة لتتابع الأحداث التي أدت إلى تكوين النظام".

 

وجد شوالتر أيضاً أن ثلاثة من أقمار بلوتو مرتبطة الآن مع بعضها في رنين[1] (resonance)  ما يعني أن هنالك نسبة دقيقة لفتراتها المدارية  .[2] (orbital periods)

يقول هاميلتون: "إذا كنت جالساً على نيكس، فسوف ترى أن ستيكس يدور حول بلوتو مرتين مقابل كل ثلاث دورات يقوم بها هيدرا"

تظهر بيانات هابل أن القمر كيربيروس داكنٌ كقالب فحم، بينما تسطع الأقمار المتجمدة الأخرى سطوع الرمل. كان من المتوقع أن الغبار المتناثر عن الأقمار جراء اصطدامات النيازك يجب أن يغطّي كل الأقمار، بحيث يعطي سطوحها مظهراً متماثلاً، وهو الأمر الذي يجعل من تلون كيربيروس أمراً مفاجئاً جداً.

قد تساعد المركبة الفضائية التابعة لناسا (نيوهورايزونز)، التي ستحلق بالقرب من نظام بلوتو في حزيران، على تقديم إجابة شافية بالنسبة للتساؤلات حول القمر الأسود سواد الإسفلت، كما قد تساعد في تفسير الأمور الغريبة الأخرى التي لم يفسرها هابل، ويجري استخدام هذه الاكتشافات الجديدة في التخطيط للمشاهدات العلمية لتحليق (نيو هورايزونز) بجوار بلوتو.

يعطي الاضطراب في نظام بلوتو - شارون إشارات حول كيفية إمكانية تصرّف الأجسام الكوكبية الدائرة حول نجم مزدوج، فمثلاً، وجد المرصد الفضائي (كبلر) التابع لناسا أنظمةً كوكبيّة عديدة تدور حول نجوم مزدوجة.

يقول هاميلتون : ”لقد وجدنا أن الفوضى قد تكون صفة شائعة في الأنظمة الثنائية، حتى أنها قد تكون ذات أهمية من أجل وجود حياة على الكواكب في حال وجدت في أنظمة كهذه“.

ظهرت الدلائل على اضطراب بلوتو، أول ماظهرت، عندما قاس الفلكيون الاختلافات في الضوء المنعكس عن نيكس وهيدرا. حيث قارن العلماء التغيّرات غير المتوقعة في سطوع الأقمار، محللين صور هابل لبلوتو المأخوذة في الفترة بين 2005 و 2012، مع نماذج لأجسام تدور في حقول تجاذبية معقدة.

هذا الشكل التوضيحي يبين المقياس والسطوع المقارن للأقمار الصغيرة التابعة لبلوتو. الفوهات السطحية هي للتوضيح فقط، ولا تمثل معلومات صورية حقيقية. Credits: NASA/ESA/A. Feild (STScI)
هذا الشكل التوضيحي يبين المقياس والسطوع المقارن للأقمار الصغيرة التابعة لبلوتو. الفوهات السطحية هي للتوضيح فقط، ولا تمثل معلومات صورية حقيقية. Credits: NASA/ESA/A. Feild (STScI)

يُعتقد أن أقمار بلوتو تكونت نتيجة اصطدام بين كوكب قزم، وجرم آخر بمثل حجمه في وقت مبكر من تاريخ نظامنا الشمسي. حيث ألقى هذا الاصطدام بموادّ اندمجت لتكوّن عائلة الأقمار المشاهدة حول بلوتو اليوم. ويبلغ حجم رفيقه الثنائي، شارون، الذي اكتشف في 1978، نصفَ حجم بلوتو تقريباً. اكتَشَف هابل كلاً من نيكس وهيدرا في عام 2005، وكيربيروسَ في 2011، وستيكس في 2012. وقد عُثر على هذه الأقمار الضئيلة، التي يبلغ قياس أقطارها عشرات الأميال فقط، خلال بحث هابل عن أجسام يمكن أن تشكّل كوارث للمركبة الفضائية (نيو هورايزونز) أثناء مرورها بالكوكب القزم في حزيران.

يقول الباحثون إنّه من شأن جمع بيانات مراقبة هابل مع نظرة عن قرب لـ نيوهورايزونز ، بالإضافة إلى المشاهدات المستقبلية باستخدام تلسكوب جيمس ويب الفضائي التابع لناسا (NASA's James Webb Space Telescope)، من شأنه أن يساعد على حسم ألغاز عديدة متعلقة بنظام بلوتو. أما بالنسبة للتلسكوبات الأرضية، فإنه لمّا تتوفر لها القدرة بعدُ لاكتشاف الأقمار الصغرى.

يقول شوالتر: ”سيستمر بلوتو في مفاجأتنا عندما تحلق (نيوهورايزونز) مارة به في حزيران“، ويضيف: ”إن عملنا مع تلسكوب هابل يقدّم لنا عينة مبدئية فقط عما هو موجود في المستودع“.


يُعدُّ تلسكوب هابل الفضائي مشروعاً تعاونياً عالمياً بين ناسا NASA ووكالة الفضاء الأوروبية European Space Agency، ويدير هذا التلسكوب مركزُ غودارد للطيران الفضائي Goddard Space Flight Center التابع لناسا، في جرينبيلت - ماريلاند، كما تقود المؤسسةُ العلميةُ للتلسكوبات الفضائية (Space Telescope Science Institute​) أو أختصاراً (STScI) في بالتيمور، العملياتِ العلميةَ لهابل، ويقوم اتحاد الجامعات للبحث في علم الفلك Association of Universities for Research in Astronomy في واشنطن على تشغيل المؤسسةِ العلميةِ للتلسكوبات الفضائية لصالح ناسا.

 

ملاحظات:


  1. يحدث الرنين المداري بين جرمين سماويين يدورُ كلّ منهما حول الآخر، عندما يمارسان تأثيراً تجاذبياً دورياً على بعضهما. ينتج عن ذلك في أغلب الحالات تفاعلٌ غير مستقر بين الجرمين، بحيث يتبادلان كمية التحرك (momentum)، ويتغير مداراهما، ويُفقد الرنين ما بينهما، ولكنْ هناك حالاتٌ معروفة يكون فيها الرنين مستقراً مثل الرنين 2 : 3 بين بلوتو ونبتون، والتي تعني أن بلوتو يدور دورتين في الفترة التي يدور فيها نبتون 3 دورات.
     
  2. الفترة المدارية هي الفترة التي يحتاجها جسم ليدور حول جسم آخر.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات