لماذا سرعة الضوء تساوي 299,792,458 متر/ثانية؟

تخبرنا نظرية النسبية الخاصة لأينشتاين بأن سرعة الضوء تبلغ 186,000 ميلٍ في الثانية (300 مليون متر في الثانية). (حقوق الصورة: © Iscatel | Shutterstock)



إنه أمر بمنتهى الغرابة.

كلنا نعرف ونحب سرعة الضوء(299,792,458 مترًا في الثانية)، ولكن لماذا تتمتع بهذه القيمة؟ لماذا لا تكون ذات قيمة مختلفة؟ ولماذا نهتم كثيرًا بسرعة الموجات الكهرومغناطيسية؟ ولماذا تُعتبر ركنًا أساسيًا في الفيزياء؟


لأن سرعة الضوء غريبةٌ جدًا.

اختبار الضوء


كان عالم الفلك أوول رومر Ole Romer أول من أدرك أن للضوء سرعةً بالفعل. في أواخر القرن السادس عشر، كان رومر مهووسًا بتحركات القمر آيو IO الغريبة حول المشتري. من حينٍ لآخر، يقوم الكوكب العظيم بحجب رؤيتنا لقمره الصغير، ما يتسبب في حدوث خسوف، ولكن بدا التوقيت بين الخسوفات وكأنه يتغير على مدار العام، إما أن شيئا غيرَ تقليديٍّ كان يحدث مع مدار آيو -الأمر الذي بدا مثيرًا للريبة- أو أن شيئًا آخرَ يحدث هناك.

بعد بضع سنواتٍ من الرصد، استطاع رومر التوصل إلى استنتاجٍ، عندما نرى القمر آيو في حالة الخسوف، نكون نحن في موقعٍ معيّنٍ من مدارنا حول الشمس، ولكن في المرة المقبلة التي نرى فيها الخسوف التالي، بعد بضعة أيام، نكون في موقعٍ مختلفٍ بعض الشيء، ربما أقرب أو أبعد من المشتري، إذا كنّا في موقعٍ أبعد من آخر مرةٍ رأينا فيها الخسوف، فهذا يعني أنه لا بدّ أن ننتظر لبعض الوقت الإضافي حتى نرى الخسوف القادم، وذلك لأن الضوء يستغرق وقتًا أطول حتى يصل إلينا، والعكس صحيح، أي إذا كنا أقرب قليلًا إلى المشتري.
التفسير الوحيد للتغيرات في توقيت خسوفات القمر آيو هو محدودية سرعة الضوء.

إعطاؤه معنًى


لقد عززت القياسات المستمرة على مدى القرون القليلة اللاحقة قياس سرعة الضوء، ولكن لم يكن حتى منتصف القرن التاسع عشر عندما بدأت الأمور بالفعل في التلاقي، وذلك عندما اخترع الفيزيائي جيمس كليرك ماكسويل James Clerk Maxwell الضوء عن طريق الخطأ.

كان ماكسويل يعبث مع ظاهرتي الكهرباء والمغناطيسية اللتين لم تكونا مفهومتَين بشكلٍ جيّدٍ آنذاك، واكتشف صورةً موحدةً بإمكانها تفسير جميع الأرصاد المتفاوتة، ما مهّد الطريق أمام ما يُعرف اليوم بالقوة الكهرومغناطيسية. اكتشف في هذه المعادلات أن تغيير المجالات الكهربائية يمكن أن يخلق مجالاتٍ مغناطيسيةً، والعكس صحيح. يسمح هذا للموجات الكهربائية أن تنتج موجاتٍ مغناطيسيةً تنتج بالمقابل موجاتٍ كهربائيةً، ذهابًا وإيابًا وذهابًا وإيابًا، تقفز فوق بعضها البعض، قادرةً على السفر عبر الفضاء.

عندما حسب ماكسويل سرعة هذه الموجات الكهرومغناطيسية المزعومة، حصل على نفس العدد الذي كان يعتبره العلماء مقدار سرعة الضوء لقرونٍ من الزمان. ولهذا، فإن الضوء يتكون من الموجات الكهرومغناطيسية وينتقل بهذه السرعة، لأن ذلك هو بالضبط مدى سرعة انتقال الموجات الكهربائية والمغناطيسية في الفضاء.

كان كل شيء جيّد إلى أن أتى أينشتاين بعد بضعة عقود من الزمان وأدرك أن سرعة الضوء لا علاقة لها بالضوء على الإطلاق؛ لقد أدرك أينشتاين، من خلال نظرية النسبية الخاصة، العلاقة الحقيقية بين الزمان والمكان، وهي تكمن في نسيجٍ موحدٍ يُعرف باسم الزمكان space-time، ولكن كما نعلم جميعًا فإن المكان يختلف اختلافًا تامًا عن الزمان، يختلف المتر أو القدم عن الثانية أو السنة، فهما يبدوان مختلفين تماماً عن بعضهما البعض.
إذن كيف لهما أن يكونا على قدم المساواة؟

يجب أن تكون هناك علاقة تسمح لنا بالربط بين الحركة في المكان والحركة في الزمان: بعبارةٍ أخرى، علينا أن نعرف، على سبيل المثال، كم يعادل المتر الواحد في المكان من المقدار في الزمان؟ ما هو سعر الصرف؟ وجد أينشتاين أن هناك ثابتًا واحدًا، سرعةً معينةً، يمكن أن تخبرنا عن مقدار المكان الذي يعادل مقدار الوقت، والعكس صحيح.

لم تذكر نظريات أينشتاين ذلك العدد، ولكنه طبّق النسبية الخاصة على معادلات ماكسويل القديمة، ووجد أن معدل التحويل ذلك يعادل سرعة الضوء بالضبط.

بالطبع، معدّل التحويل هذا، هذا الثابت الأساسي الذي يوحّد الزمان والمكان لا يعرف ما هي الموجة الكهرومغناطيسية، وهو لا يكترث حقًا. إنه مجرد عدد، ولكن اتضح أن ماكسويل قد حسب بالفعل هذا العدد واكتشفه من دون معرفة ذلك حتى، وذلك لأن جميع الجسيمات عديمة الكتلة قادرة على الانتقال بتلك السرعة، وبما أن الضوء عديم الكتلة، فيمكنه أيضًا التنقل بتلك السرعة، وهكذا، أصبحت سرعة الضوء ركنًا أساسيًا للفيزياء الحديثة.
ولكن لماذا هذا العدد، بهذه القيمة، وليس أيّ عددٍ عشوائيٍّ آخر؟ لماذا اختارت الطبيعة هذا العدد وليس غيره؟ ماذا يحدث هنا؟

جعله بلا معنى


حسنًا، العدد ليس هامًا بالفعل، لديه وحداتٌ على أيّ حالٍ: متر في الثانية. في الفيزياء، يمكن لأيّ عددٍ له وحداتٌ ملحقةٌ به أن تكون له أي قيمةٍ قديمةٍ يريدها، لأن هذا يعني أن عليك تحديد ماهية الوحدات. على سبيل المثال، حتى تستطيع التعبير عن سرعة الضوء بالمتر في الثانية، عليك أن تحدد ما هو المتر وما هي الثانية، وبالتالي فإن تعريف سرعة الضوء مرتبطٌ بتعريفات الطول والزمان. في الفيزياء، نحن أكثر اهتمامًا بالثوابت التي لا تحتوي على وحدات أو أبعاد؛ بعبارةٍ أخرى، الثوابت التي تظهر في نظرياتنا الفيزيائية وتكون مجرد أرقام بسيطة، تبدو تلك أكثر جوهريةً، وذلك لأنها لا تعتمد على أيّ تعريفٍ آخر. مثلًا، إذا التقينا يومًا ما بحضارةٍ فضائيةٍ، فإنه لن يكون لنا أي طريقةٍ لفهم وحدة قياس الضوء الخاصة بهم، ولكن عندما يتعلق الأمر بالثوابت التي لا أبعاد لها، يمكننا الاتفاق جميعًا؛ إنها مجرد أرقام.

يُعرف أحد هذه الأرقام بثابت البناء الدقيق fine structure constant، وهو مزيجٌ من سرعة الضوء، وثابت بلانك Planck's constant، وشيءٌ ما يُعرف بسماحية الفراغ permittivity of free space. وتبلغ قيمته 0.007 تقريبًا، 0.007 ماذا؟ 0.007 فحسب! كما قلت، إنه مجرد رقم.

فمن ناحيةٍ، يمكن لسرعة الضوء أن تكون ما تريد، لأنها تحتوي على وحداتٍ، ونحن بحاجة إلى تحديد تلك الوحدات. من ناحيةٍ أخرى، لا يمكن أن تكون سرعة الضوء سوى ما هي عليه بالضبط، لأنه إذا كنت ستغيّر سرعة الضوء، فإنك ستغير ثابت البناء الدقيق، ولكن الكون الذي نعيش فيه قد اختار ثابت البناء الدقيق ليكون نحو 0.007، وليس رقمًا آخر؛ هذا هو ببساطة الكون الذي نعيش فيه، ولا خيار أمامنا على الإطلاق، وبما أن هذا ثابتٌ وكونيٌّ، فإن سرعة الضوء يجب أن تكون بالضبط كما هي.
لماذا إذًا لثابت البناء الدقيق تلك القيمة وليس غيرها؟ سؤال جيد، نحن لا نعلم.


 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات