الفلكيون يستخدمون الفقاعات للبحث عن الجسيمات الضخمة الخاملة

6800 قدمٍ تحت الأرض، تركيب PICO-60 في وعاء ضغطٍ داخل حوض ماء. حقوق الصورة: Dan Baxter


على الرغم من عدم قدرتنا على رؤيتها أو حتى إدراكها تمثّل المادة المظلمة ما نسبته 85% من كتلة الكون، ويحقق العلماء تقدمًا بطيئًا ولكن بوتيرةٍ ثابتةٍ في تعقّب طبيعة هذه المادة التي لم تعرف ماهيتها بعد، كما توضّح النتيجة الأخيرة من تجربة بيكو PICO بعضًا من الحدود المثلى لخصائص أنواعٍ محدّدةٍ من المادة المظلمة.


تسعى تجربة بيكو للبحث عن الجسيمات الضخمة الخاملة weakly interacting massive particles والتي تدعى اختصارًا بـ WIMP، وهو نوعٌ مفترضٌ من جسيمات المادة المظلمة والتي نادرًا ما تتفاعل مع أيّ شيءٍ ما يزيد من صعوبة البحث عنها.


ونعقد الآمال في هذه اللعبة الكونيّة الصارمة والتي تشابه لعبة الألغاز "Where's Waldo" على الكواشف الأحدث والأكثر تعقيدًا تقنيًا. وتعتمد العديد من تجارب المادة المظلمة على مئاتٍ إن لم تكن آلافًا من القنوات الكهربائيّة وتتطلب رفوفًا من المخدمات الحاسوبية لتخزين البيانات التي تُجمع.


وتعتمد تجربة بيكو على ظاهرةٍ بسيطةٍ وعلى استخدام كاشفٍ ذي مستوىً متواضعٍ نسبيًا وهي فقاعاتٌ وحجرةٌ تحفظ هذه الفقاعات، يتألف لبّ جهاز بيكو من إناءٍ زجاجيٍ بسيطٍ ممتلئٍ بسائلٍ يمكن تشكيل فقاعات فيه ومراقبتها بالفيديو.


هيكلة جديدة لاختراع الفقاعة


كانت بدايات تجربة بيكو في عام 2005 نتيجةً لتعاونٍ بين جامعة شيكاغو ومختبر فيرميلاب التابع لوزارة الطاقة الأميركية U.S. Department of Energy's Fermilab. بدأت التجربة تحت تسميةٍ مختلفة COUPP، ليحصل بعدها اندماجٌ مع تجربة بيكاسو PICASSO ومن ثم تشكيل التجربة بيكو PICO. كان شغل علماء مختبر فيرميلاب الشاغل في البداية مكرّسًا لتطوير تقنية حجرة الفقاعات إذ إنّ تقنية هذه الحجرة قديمةٌ واخترِعت أساسًا في عام 1952 وظلّت بلا فائدةٍ لمدة 20 عامًا.


تُصمّم حجرات الفقاعات بهدف تحويل الطاقة المودعة من قبل جسيماتٍ دون ذريةٍ إلى فقاعةٍ يمكن ملاحظتها. ولا تُحدِث تصادمات الجسيمات أيُّ شيءٍ ملحوظٍ ضمن سائلٍ ذي درجة حرارةٍ تشابه درجة حرارة الماء في غرفةٍ عاديةٍ. ولضبط الحساسية لتفاعلات تلك الجسيمات سخّن العلماء السائل داخل حجرة الفقاعات إلى درجةٍ تفوق درجة غليانه بقليلٍ، ما يسمح لأي اضطراب أن يتسبب بغليان السائل مكونًا بذلك فقاعة.


يقول هيو ليبينكوت Hugh Lippincott عالم فيزياء في مختبر فيرميلاب، ومساعدٌ في تجربة بيكو: "يمكنك فعلًا مشاهدة الفقاعة تتشكّل في الحجرة". تُعطى المعلومات في التجارب النموذجية لفيزياء الجسيمات منفردةً من خلال وصلاتٍ بينيةٍ حاسوبيةٍ ولكن يمكنك في تجربة بيكو مشاهدة التفاعلات بالعين المجردة على هيئة فقاعات".


يقول أندرو سونينشاين Andrew Sonnenschein العالِم في مختبر فيرميلاب والمساعد في تجربة بيكو: "إنه لأمرٌ رائعٌ أن تتمكن من مشاهدة الفقاعات بعينيك من خلال الزجاج!".


إذا كانت الجسيمات الضخمة الخاملة موجودةً فلا بدّ لها من التفاعل أحيانًا مع السائل الموجود في حجرة فقاعات تجربة بيكو فتُكوِّنُ عددًا معينًا من الفقاعات كلَّ عامٍ. وتُعدّ هندسة المشاركين في مختبرات فيرميلاب لحجرة الفقاعات في تجربة بيكو عودةً للأساليب القديمة ذات التقنية المتأخرة، إذ رُكّبت الحجرة في مختبر سنولاب SNOLAB الكندي وعلى عمق 2 كم تحت الأرض.


استخدمت حجرات الفقاعات التي تعود لعقودٍ سابقةٍ لتعقّب ملايين الجسيمات المشحونة كالبروتونات والإلكترونات ما قد يترك أثرًا على شكل دوامةٍ لولبيةٍ طويلةٍ في السائل.


يضيف سونينشاين: "قامت حجرات الفقاعات القديمة بأداءٍ عظيمٍ إلا أن دورها انتهى في حقبة الثمانينات كونها بطيئةً في مواكبة التجارب ذات المعدلات الأضخم بكثير".


ونتيجةً لذلك استغنينا عن حجرات الفقاعات إذ إن مصادمات الجسيمات الحديثة أخذت مكانها، مثل مسرّع تيفاترون Tevatron الجزيئي في مختبر فيرميلاب، والهادرون الضخم التابع للمنظمة الأوروبية للبحوث النووية. فأمكننا باستخدام الإلكترونيات المعقّدة والكواشف ضمن الهدرونات (المصادمات) لجمع بياناتٍ تفوق نظيرتها لدى حجرات الفقاعات بملايين المرات.


وفي واقع الأمر كانت حجرات الفقاعات خارج التداول لفترةٍ طويلةٍ من الزمن حتى أنّ مؤسسي تجربة بيكو اضطروا إلى مراجعة المخططات وبعض الأوراق الأصلية للروّاد الذين اخترعوا الحجرة، وبعدها قاموا بإعادة ابتكار هذه التقنية من جديد لرصد المادة المظلمة.


يضيف سونينشاين: "وبعد أن اكتشف مصممو حجرة الفقاعات الأوائل كيفيّة رصد الجسيمات عالية الطاقة من خلال مساراتٍ من الفقاعات لم تتغير مكوّنات التركيبة الأساسيّة، بينما نحن نبحث عن جسيماتٍ طاقتها منخفضة تتسبّب بفقاعةٍ واحدةٍ، إذن هناك أشياءٌ كثيرةٌ مختلفةٌ". يُمكِّن التصميم الجديد حجرة الفقاعات من رصد المادة المظلمة مع المحافظة على العديد من عناصر الكواشف في الحجرة القديمة.


"ما يثير الاهتمام في بيكو هو استخدام تصميمٍ بسيطٍ للكواشف مقارنةً بتجارب المادة المظلمة"، وفقًا لما ذكره دان باكستر Dan Baxter، وهو تلميذٌ متخرجٌ من جامعة نورثويسترن وزميلٌ في مختبر فيرميلاب إضافةً لكونه منسق التشغيل الأخير لتجربة بيكو.


وعلى عكس حجرة الفقاعات التقليدية التي ترصد الجسيمات المشحونة، تسعى حجرة الفقاعات في تجربة بيكو إلى البحث عن الجسيمات الضخمة الخاملة غير المشحونة والمُراوِغَة والتي قد يتطلّب ظهورها سنوات.


يعلّق ليبينكوت: "إنها تستخدمها بآليةٍ مختلفةٍ، ففي الأيام السابقة لا يمكنك أن تتوقّع من حجرة الفقاعات أن تعمل بتركها دون حدوث أي شيءٍ".


فقاعة من جسيمٍ ضخمٍ خامل


ترتقي تلك القوة الضعيفة التي تتحكم بالجسيمات الضخمة الخاملة إلى توصيفها. فهي بمقارنتها بالقوة الكهرومغناطيسية أضعف بعشرة آلاف مرةٍ، ونادرًا ما تتفاعل الجسيمات التي تتفاعل بالقوة الضعيفة، مثل الجسيمات الضخمة الخاملة والنترونات ما يجعل من الإمساك بها أمرًا صعبًا، ولكن حتى لو كان الجسيم الضخم الخامل بطيء الحركة يمكنه تحرير طاقةٍ كافيةٍ ترصده بها الكواشف.


استطاع العلماء بعد معايرة الحرارة والضغط بدقة في سائل حجرة فقاعات بيكو تثبيت حساسية الكاشف على التفاعلات الآتية من الجسيمات الضخمة كالجسيمات الضخمة الخاملة. كما تمكنوا من تفادي عناصرَ بخلفية التجربة مثل إشاراتٍ من الإلكترونات وأشعة جاما والتي بدورها تشوش على الكواشف الأخرى للمادة المظلمة.


تطلّب احتراف هذه التقنية العديد من السنوات، إذ لم يستخدم العلماء السابقون للتجربة في البداية أكثر من أنابيب اختبارٍ فيها عدة ملاعقٍ من السائل ومن ثم بدأت الأواني تكبر حجمًا بالتدريج. بعد ذلك أضاف الباحثون الرصد الصوتي إلى الكواشف بهدف رصد "فرقعة" فقاعات الجسيمات الضخمة الخاملة.


يقول سونينشاين مشيرًا إلى صوت الفقاعات: "بإمكاننا رؤية أمواج الزقزقة"، ويكمل: "وقد اتضح لنا أنّ التدقيق على الترددات الصوتية للزقزقة وسعتها يمكّننا من التعرف على الفرق بين الأنواع المختلفة للتفاعلات بين الجسيمات".


وفي حال شكّل جسيمٌ ضخمٌ خاملٌ فقاعةً فلن يتمكن بيكو من رؤية دليلٍ على وجود المادة المظلمة وحسب بل وسيتمكن من سماعه أيضًا، باستخدام هذه التقنية الصوتية أمكن للعلماء استبعاد الفقاعات التي لم تتسبب بها جسيماتٌ ضخمةٌ خاملةٌ، ما يسمح لهم باستبعاد أشياءَ في الخلفية.


لم يتمكن بيكو كما اتضح من ملاحظة أيّ فقاعاتٍ من الجسيمات الضخمة الخاملة لذلك كان من الممكن معرفة حدود كلٍّ من كتل الجسيمات هذه وقابلية تفاعلها مع المادة، أي أنه يوجد عاملان يؤثران على عدد الفقاعات التي تنتجها الجسيمات الضخمة الخاملة. ويمكن لوضع قيودٍ على هذه العوامل (أي الكتلة ومعدّل التفاعل) أن يرشد علماء الفيزياء إلى المكان الصحيح لرصد المادة المظلمة. حيث لم يكن هناك فقاعات سابقًا.

يقول باكستر: "لا نعرف حتى الآن ماهية المادة المظلمة لذا توجد الكثير من النظريات حول ماهيتها وعن كيفية تفاعلها مع المادة العادية".


تعدّد النظريات يعني ضرورة تعدّد التجارب على اختلافها. تسعى التجارب الأخرى للبحث عن مصادرَ مختلفةٍ للمادة المظلمة، مثل جسيمات تدعى أكسيونز Axions، أو النيوترونات العقيمة. أما بحث بيكو عن الجسيمات الضخمة الخاملة فله تركيزٌ محدّدٌ على ما يدعى بالجسيمات الضخمة الخاملة ذات الدوران التابعي spin-dependent.


يقول ليبينكوت: "لا نعرف ماهية الجسيمات الضخمة الخاملة ولكن عموم تفاعلاتها مع المادة العادية إحدى خانتين: إحداهما غير ذات حساسيةٍ لدوران النواة، والأخرى ذات حساسيةٍ لتلك الحركة".


والدوران مثله كمثل الشحن، هو عبارةٌ عن كمٍّ جوهريٍّ محمولٍ في الجسيمات والنوى الذريّة. تبحث تجربة بيكو بشكلٍ أساسيٍّ عن تفاعلات الجسيمات الضخمة الخاملة والتي تكون حسّاسةً لدوران النواة، ولتسريع هذه التفاعلات يستعمل الباحثون سائلًا يحتوي الفلورين الذي له لف مغزلي (spin) كبير نسبيًا، فترتفع إمكانية بيكو على رصد الجسيمات الضخمة الخاملة الحساسة للدوران من خلال المعامل 17 باتباع هذه الطريقة.


وبالجوهر سيكون استنتاج بيكو هو أنّ تفاعلات هذه الجسيمات الحساسة للدوران -إن وُجدت- لا بدّ أنها تَحدث على فتراتٍ متباعدةٍ جدًا، وإلا لحصلت بيكو على المزيد من الفقاعات. هذه النتيجة والتي تعدّ الأفضل حاليًا للجسيمات الضخمة الخاملة والحساسة للدوران والتي تتفاعل مع البروتونات لا تستبعد وجود جسيماتٍ ضخمةٍ خاملةٍ. هناك العديد من الأماكن الأخرى للبحث عن المادة المظلمة، ولكن وبفضل تجربة بيكو، أصبحت تلك الأماكن أقل.


لدى مشروع تجربة بيكو المشترك حاليًّا اقتراحٌ لمنظمة كندا للابتكار من أجل بناء الجيل الجديد من حجرة بيكو، ولا يزال الفيزيائيّون مثل ليبينكوت وسونينشاين يحافظون على تفاؤلهم نظرًا لكون التقنيات الممكنة قادرةً على التطور أكثر.


يقول ليبينكوت: "تُعد رخيصةً جدًا بمجرد انتهاء عمليات الهندسة والبناء، وذلك تبعًا لكونها بسيطةً جدًا بميكانيكيتها، فالقطع الصلبة ليست بتلك الصلابة، وهناك فرصةٌ جيدةٌ لتكون حجرات الفقاعات هذه ذات دورٍ مهمٍّ لاحقًا في رصد المادة المظلمة".

 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • الجسيمات فائقة الكتلة وضعيفة التفاعل (Weakly Interacting Massive Particles): أو اختصاراً WIMPs، وتُعتبر من بين المرشحين الفيزيائيين الأقوى لتكون جسيمات المادة المظلمة، ويُعتقد أن هذه الجسيمات تتفاعل مع غيرها من الجسيمات عبر قوى الثقالة والقوى النووية الضعيفة.

اترك تعليقاً () تعليقات