هل يمكن للروبوتات الهوائية أن تستكشف سماء المشتري في يوم من الأيام؟

يظهر هذا الرسم التخيلي أحد الروبوتات الهوائية وهو يتطاير في سماء المشتري، حيث يحصل على الطاقة من الرياح المضطربة هناك. وقد تم تمثيل هذا الروبوت الهوائي التخيلي بشكلِ مجسمٍ متعدد الأسطح، ويمكن لبعض سطوحه الدوران بحيث تمتص طاقة الرياح وتولد قوة الرفع، ولو أن الباحثين مازالوا يدرسون أشكال أخرى محتملة.

المصدر: ناسا/مختبر الدفع النفاث-معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا.


من المؤكد أنه لا يوجد أي نقص في الأفكار الذكية المتاحة لمصممي المسابر الروبوتية الخاصة باستكشاف الكواكب. فهناك أفكارٌ حول روبوتات قادرة على الاندفاع في البحار بفعل الأمواج، وأخرى حول تصميم روبوتات متدحرجة تدفعها الرياح لتتدحرج على المريخ أو القارة القطبية الجنوبية. وقد تساءل مؤخراً فريقٌ من المهندسين من مختبر الدفع النفاث في باسادينا-كاليفورنيا ما إذا كان من الممكن لمثل هذا المسبار أن يحوم في السحب التي تغلف كوكب الأرض أو الكواكب العملاقة الغازية البعيدة مثل المشتري.

في الآونة الأخيرة، بدأ فريق من الباحثين بدراسة هذه الفكرة بفضل بحث امتد لسنة كاملة وبلغ ميزانيته حوالي 100 ألف دولار، والتي مَوّلَه برنامج الأفكار المتطورة والإبداعية التابعة لناسا NASA’s Innovative Advanced Concepts أو اختصاراً NIAC. ويبحث الفريق في إمكانية تصنيع روبوتٍ هوائي (windbot)، وهو نمط جديد من المسابر الروبوتية المصمَّمة لتبقى عالياً في الغلاف الجوي للكوكب لفترة طويلة من الزمن دون أجنحة أو بالونات مملوءة بالهواء الساخن. وفي هذه الدراسة التي تتلقى تمويلها من ناسا، سيتم البحثُ بشكل منهجي في نقاط جوهرية وهي: كيف يمكن للمركبات الفضائية المستقبلية من هذا النوع أن تبقى محمولة في الهواء؟ وكيف يمكن لها أن تحصل على الطاقة؟

ورغم عدم وجود برنامج حالي لأي بعثة تعتمد على الروبوتات الهوائية، إلا أن الباحثين يأملون بأن تَفتح دراستهم آفاقاً جديدة في دراسة الأغلفة الجوية المحيطة بالعمالقة الغازية بواسطة المُستكشفات الروبوتية ذات القدرة العالية على الحركة.

وعلى عكس القمر والمريخ، اللذين تم استكشافُهما سابقاً من قِبَلِ المتجولات الربوبوتية، فإن العمالقة الغازية مثل المشتري وزحل لا تمتلك سطحاً صلباً، لذلك لا يمكن للمسابر أن تهبط عليها. وقد قامت المركبة الفضائية غاليليو التابعة لناسا في عام 1995، بإسقاط مسبار في الغلاف الجوي للمشتري هبط للأسفل بواسطة مظلة. لم يتمكن هذا المسبار الذي يعمل على البطارية، من الاستمرار إلا لحوالي ساعة من الزمن قبل أن ينهار تحت درجة الحرارة والضغط المرتفعين عند نزوله إلى الطبقات العميقة من الغلاف الجوي الكثيف. وعلى عكس المسابر التي تسقط بشكل عمودي، فإن الروبوت الهوائي يمتلك أجهزة دوارة على العديد من جوانبه، والتي يمكن أن تدور بشكل مستقل عن بعضها البعض لتغيّر اتجاه الحركة أو ترفع المسبار نحو الأعلى.

ويتحدث أدريان ستويكا Adrian Stoica، وهو الباحث الرئيسي في دراسة الروبوتات الهوائية في مختبر الدفع النفاث، عن بذور الهندباء كمثال رائع من الطبيعة لتوضيح هذه الفكرة: "تمتلك بذور الهندباء قدرة هائلة على البقاء محمولة في الهواء. هي تدور أثناء هبوطها، مما يؤدي إلى توليد قوةٍ ترفعها مجدداً نحو الأعلى وتسمح لها بالبقاء محمولة في الهواء لفترة طويلة، والانتقال من مكان لآخر بواسطة الرياح. وسنقوم باستكشاف نفس هذه الآلية في تصاميم الروبوتات الهوائية".

يعتقد ستويكا وزملاؤه أن الروبوت الهوائي ينبغي أن يكون قادراً على استخدام الطاقة المتوفرة في الغلاف الجوي للكوكب حتى يبقى محمولاً في الهواء لفترة طويلة. وقد لا تكون الشمس هي المصدر المُعتمد لهذه الطاقة، لأن المسبار قد يبقى لفترة طويلة في الجهة المظلمة من الكوكب. بالإضافة إلى ذلك، فإن استعمال مولدات الطاقة النووية في مثل هذه المسابر الطائرة يُشكل عائقاً نظراً لثقل وزنها. ولكن، من الممكن في هذه المسابر استغلال مصادر أخرى محتملة للطاقة مثل الرياح، والتغيرات في درجة الحرارة، وحتى الحقل المغناطيسي للكوكب.

مع بداية الدراسة، يعتقد الباحثون أن الدوامات الهوائية -وهي الرياح التي تغير اتجاهها وشدتها بشكل متكرر- تشكل المصدر الأفضل للطاقة في روبوتات الأغلفة الجوية. ويشكل التبدّل مفتاح هذه الآلية، فلا يكفي توفر الرياح السريعة، ولكن البيئة الدوامية الديناميكية تحتوي على تفاوتات مفيدة في الطاقة -اختلافات في الطاقة من الأدنى إلى الأعلى- يمكن الاستفادة منها.

يقول ستويكا: "إنه بمثابة نبع من الطاقة يمكن للمسبار أن يرتوي منه"، وهو يعتقد أن الروبوت الهوائي يمكن أن يولد الطاقة بشكل مشابه لبعض ساعات اليد التي يمكن لفّها من خلال الاهتزاز.

يُعتبر اعتمادُ آلية الدوامات لتوليد الطاقة والمحافظة على هذه المسابر عالياً في الهواء، بمثابة ابتعاد عن الطريقة التي تتبعها الطائرات التقليدية، والتي تحمل مصادر الطاقة الخاصة بها وتعمل على النحو الأمثل في الهواء المستقرّ. على سبيل المثال، تُحلق الطائرات التجارية في الغلاف الجوي للأرض ضمن طبقة الستراتوسفير، حيث تميل الرياح في هذه الطبقة لأن تكون أكثر استقراراً وتهب بسرعة أكبر بكثير مما هو الحال عليه في الهواء الكثيف الأقرب إلى الأرض.

وقد بدأ فريق مختبر الدفع النفاث بتحديد خصائص الرياح الموجودة في سحب المشتري بهدف فهم أفضل الأماكن التي يمكن إرسال هذه الروبوتات الجوية إليها، ولتحديد بعض المتطلبات التقنية لتصميمها. يتابع ستويكا موضحاً: ''هناك الكثير من الأشياء التي لا نعرفها. فهل يتوجب أن يكون قطر الروبوت الهوائي عشرة أمتار أم مئة متر؟ وما هو مقدار القوة الرافعة التي يتوجب أن تتوفر في الرياح حتى يبقى الروبوت عالياً؟".

أحد الأشياء التي يعتبر الفريق نفسهُ متأكداً منها هو وجوب كون الروبوت الهوائي قادراً على تحسس الرياح المحيطة به بهدف تجاوز الدوامات. لتحقيق هذه الغاية، يخططون لصنع نموذج لروبوت هوائي بسيط كجزءٍ من دراستهم. ويُعتبر تحديد النماذج الديناميكية الهوائية لهذا النوع من المسابر على درجة خاصة من الصعوبة. لذلك، يعتقد ستويكا أن توفر نموذج فيزيائي هو أمرٌ مهم.

سيُعرَّض نموذج الروبوت الهوائي للتيارات الهوائية الدوامية، وذلك تحت مراقبة دقيقة بهدف تحديد الطريقة الأفضل لتصميم الأنظمة التي ستوضع في هذه الروبوتات، والتي يمكن أن تتفاعل وتُعيد توجيه الروبوت لإبقائه محمولاً في الهواء. بعد ذلك، سينتقل الفريق إلى استقصاء الوسائل التي تتيح للروبوت الاحتفاظ بالحقل الهوائي في البيئة المحيطة به، كالمتحسسات الإلكترونية على سبيل المثال. ويبقى دمجُ هذه الإمكانيات مع بعضها البعض في نموذج أولي وظيفي مؤجل لدراسة مستقبلية.

إذا كانت التكلفة المترتبة على تصنيع الروبوتات هي تكلفة منطقية، يظن ستويكا أنه من المفيد إرسال عدد من هذه الروبوتات في الوقت نفسه بحيث ترسل البيانات من مواقع مختلفة في الغلاف الجوي للكوكب. ويوضح هذه الفكرة بقوله: "يمكن لنا أن نتخيّل شبكة من الروبوتات الهوائية التي تتواجد لفترة طويلة نسبياً فوق المشتري أو زحل، بحيث ترسل معلوماتها حول نماذج الطقس المتغيرة باستمرار. ما سنعرفه عن الأغلفة الجوية للكواكب الأخرى سيؤدي بالطبع إلى إثراء معارفنا حول الطقس والمناخ على الأرض".

في الواقع، يمكن للروبوتات الهوائية أن تعمل كأداة إضافية أيضاً لتساعد العلماء على فهم ظواهر الطقس العنيفة على الأرض -مثل الأعاصير- دون أن تغادر كوكب الأرض. ولا تقتصر قدرات مثل هذا الروبوت الهوائي المصمَّم لتحسس الظواهر العنيفة على الصمود في مثل هذه البيئات الخطيرة، وإنما يستطيع أيضاً إرسال البيانات الثمينة أثناء تواجده بداخل هذه البيئات.

ورغم الإمكانيات المحتملة، لا تخلو فكرة الروبوت الهوائي من التنازلات. فقد يتوجب على هذا المسبار العائم أن يُضحّي بسرعة الانتقال إلى الوجهات المهمة على الكوكب مقابل البقاء ببساطة على قيد الحياة. بعبارة أخرى، قد يضطر على اختيار الطريق الأقصر بين نقطتين حتى يتمكن من الحصول على كمية الطاقة التي تسمح بها الرياح بما يتيح له البقاء في الهواء. وقد يكون قادراً في أوقات أخرى -وحين تتوفر الطاقة الكافية- على التوجه إلى هدفه من خلال مسار مباشر.

لا تزال فكرة إطلاق الروبوتات الهوائية إلى المشتري مبكرة للغاية، ولكن ستويكا وزملاؤه متحمسون للخوض في هذه الدراسة الأولية. ويقول حول ذلك: "لا نعرف بَعدُ ما إذا كانت هذه الفكرة قابلة للتطبيق بالفعل أم لا. سنقوم بإجراء هذا البحث لنجرب ونكتشف ذلك، كما سيدفعنا هذا البحث إلى العثور على طرق أخرى للتعامل مع هذه المشكلة، وهذا النوعُ من التفكير مفيدٌ للغاية''.

يعتبر برنامج NIAC جزءاً من إدارة بعثات التقانة الفضائية التابعة لناسا، والتي تقوم باستحداث وتطوير واختبار وإطلاق المعدات التي ستُستعمل في البعثات المستقبلية لناسا. يقوم معهد كاليفورنيا للتقانة بإدارة مختبر الدفع النفاث التابع لناسا.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات