المريخ كان باردًا وجليديًا في بداية تاريخه حسب دراسة جديدة

تصوّرٌ فنيّ للسيناريو الدافئ والبارد للمريخ في بداية تاريخه.

المصدر: Robin D. Wordsworth
 


ربما لم تكن هناك بحار عميقة على المريخ في أي وقت من الماضي، وذلك حسب دراسة جديدة اختبرت اثنين من السيناريوهات المناخية المتعاكسة على المريخ في بداية تطوّره، والتي أظهرت أن المناخ البارد والجليدي للكوكب قبل مليارات السنين يقدّم تفسيراً أفضل لملامح تصريف المياه والتآكل التي نشاهدها اليوم على سطح الكوكب.



لقد شكل التاريخ المناخي للمريخ، والكيفية التي أتاح بها مناخ الكوكب في الماضي المجال لتشكّل العديد من الأقنية التي حفرتها المياه على السطح، أحد المجالات التي شغلت العلماء لعقود طويلة. وتتمثل الفكرة السائدة حاليًا بأنّ المريخ كان منذ ثلاثة إلى أربعة مليارات سنة دافئاً، ورطباً، وشبيهاً بالأرض، مع وجود بحر شمالي على سطحه. وهي ظروف يمكن أن تهيئ لوجود الحياة. وهذه الفكرة أكثر انتشارًا بشكل عام من الاعتقاد الذي يقول بأنّ الكوكب كان باردًا ومتجمدًا، وأنّ المياه كانت محتجزة عليه بشكل جليدي لمعظم الوقت، وهي الظروف التي تعيق تطوّر الحياة.



ولمعرفة النموذج الذي يفسّر المظاهر المشاهدة حاليًا على الكوكب بشكل أفضل فقد قامت الباحثة روبن ووردسورث Robin Wordsworth وزملاؤها من كلية هارفارد بولسون للهندسة والعلوم التطبيقية باستخدام نموذج ثلاثي الأبعاد لدوران الغلاف الجوي؛ بهدف مقارنة دورة الماء على المريخ تحت سيناريوهات مختلفة كما كانت عليه منذ ثلاثة إلى أربعة مليارات سنة، وذلك خلال نهاية الحقبة النواتشية (Noachian period) وبداية الحقبة الهسبيرية [1] (Hesperian period). تم في السيناريو الأول اعتبار المريخ دافئًا ورطبًا مع درجة حرارة عامة وسطية تبلغ 10 درجات مئوية (50 درجة فهرنهايت)، أما في السيناريو الثاني فقد اعتبر المريخ عالمًا باردًا وجليديًا مع درجة حرارة عامة وسطية تبلغ 48 درجة تحت الصفر فقط (-54 درجة فهرنهايت).



وقد وجد الباحثون أن السيناريو البارد محتملٌ أكثر من السيناريو الدافئ، وذلك حسب ما نعرفه عن تاريخ الشمس وميلان محور المريخ كما كان عليه قبل ثلاثة إلى أربعة مليارات سنة. وقد كان النموذج البارد أفضل كذلك في وصف مظاهر التآكل المائي التي نراها اليوم على سطح المريخ، والتي حيّرت العلماء وأسرَتْهم منذ أن اكتشفتها للمرة الأولى المركبتان المداريتان فايكينغ (Viking) في سبعينيات القرن العشرين. وقد قُبلَ البحثُ العلمي الذي قدم فيه الباحثون نتائجهم للنشر في مجلة Journal of Geophysical Research – Planets التابعة للاتحاد الأمريكي للعلوم الجيوفيزيائية AGU.



كان تصميم نموذج السيناريو البارد أكثر سهولة كما يشرح ووردسورث؛ وذلك لأنّ المريخ لا يحصل إلا على 43% فقط من مقدار الطاقة الشمسية التي تصل إلى كوكب الأرض، ويعتقد أن المريخ كان أعتمَ بحوالي 25% مما هو عليه الآن نظراً لأنّ الشمس كانت أكثر شبابًا. ولذلك فإنّ من المحتمل للغاية أن المريخ قد كان بارداً وجليدياً في تلك الحقبة.

ربما يكون الميلان الشديد في محور المريخ قد أدى إلى توجه قطبي المريخ باتجاه الشمس، مما أدى إلى انجراف الجليد القطبي إلى المناطق الاستوائية حيث تشاهد المجاري المائية وعلامات التآكل في الوقت الحاضر. والأهم من ذلك أن الغلاف الجوي السميك، الذي يغلب أنه كان موجودًا في ظروف السيناريو البارد، جعل المناطق المرتفعة والقريبة من المناطق الاستوائية أكثر برودة، أما المناطق المنخفضة والأقرب إلى القطبين فقد أصبحت أكثر دفئًا. ويدعى ذلك بتأثير المرتفعات الجليدية (icy highlands effect)، وهذا التأثير هو الذي يؤدي إلى بقاء الثلج متراكمًا على القمم الجبلية العالية على الأرض في الوقت الحاضر. ورغم وجود عدد من العوامل التي قد تؤدي إلى التدفئة –بما فيها الغلاف الجوي السميك الغني بثنائي أوكسيد الكربون الذي يؤدي إلى الاحترار المناخي– فإن المريخ سيكون رغم ذلك باردًا للغاية حسب ما توضح ووردسورث.



أما تصميم النموذج الدافئ والرطب للمناخ المريخيّ فقد احتاج إلى مجهود أكبر. كانت الدراسات القديمة قد أظهرت أن النماذج المناخية لا تشير إلى حدوث فترات من الدفء والرطوبة على المريخ، حتى حين تؤخذ تأثيرات السحب المؤدية للاحترار المناخي وثنائي أوكسيد الكربون بعين الاعتبار.



ولكن ووردسورث تقول بأن الظروف التي كانت سائدة على المريخ في بداية تطوره ربما كانت مختلفة عما يعتقد العلماء. وقد أضاف الباحثون إلى نموذجهم تأثيراتٍ مناخيةً مختلفة لإجبار المناخ المريخي على الاتجاه نحو حالة من الدفء والرطوبة. وعلى الرغم من ذلك فإن الحصول على مريخ رطب ودافئ لم يفسر مظاهر التآكل المائي المتناثرة على سطح المريخ وشبكات الوديان الموجودة على الكوكب اليوم، ولم يشرح سبب كثافة هذه المظاهر بالقرب من خط الاستواء.



كانت معدلات الهطول المطري تتفاوت بشكل كبير حسب خطوط الطول والعرض في النموذج الدافئ والرطب. وقد تنبأ هذا النموذج بأن المطر كان أكثر غزارة في المنطقة المدعوة بالمنطقة العربية (Arabia) وحول حوض هيلاس (Hellas basin)، بما في ذلك المساحات الغربية والجنوبية الغربية من هذا الحوض التي تُشاهد فيها مظاهر التصريف المائي. وفي الوقت نفسه فإن العديد من المناطق التي تحتوي على الكثير من الوديان المحفورة بتأثير الماء، مثل جيب مارغاريتيفر (Margaritifer Sinus)، قد تلقت جزءًا من عشرة وحتى جزءٍ من عشرين من كمية المطر التي هطلت على المنطقة العربية وحوض هيلاس تحت ظروف المناخ الدافئ والرطب. 



وتجيب الدراسة الجديدة حسب رأي ووردسورث على جزء من الأسئلة المطروحة من خلال إثباتها أن الأماكن التي تحتوي على تراكمات جليدية وفق النموذج البارد والمتجمد للمناخ تتوافق بشكل تقريبي مع توضعات شبكات الوديان المشاهدة اليوم. بالإضافة إلى ذلك فإن نموذج المريخ البارد والمتجمد يشير إلى حدوث بعض الذوبان الجليدي على حد قولها.

وتردف ووردسورث قائلة: "نعلم بناءً على البيانات التي جمعتها السيارات الجوالة على المريخ والمركبات المدارية التي تحلّق حوله أن هناك بحيراتٍ كانت موجودة على سطح المريخ. ولكن الأسئلة الجوهرية التي يجب أن نطرحها الآن هي: كم من الزمن بقيت هذه البحيرات؟ هل كان وجودها عابرًا أم دائمًا؟ وهل كانت شبكة الوديان النهرية المغذية لها تتطلب هطول الأمطار أم أن ذوبان الثلج والجليد كان كافيًا لتغذيتها؟".



ويبدأ النموذج ثلاثي الأبعاد للمناخ المستخدم في الدراسة الجديدة بالتعامل مع هذه الأسئلة على مستوى جديد من التعقيد، وذلك من خلال تحديد كيفية تراكم الأمطار أو الثلوج في أماكن معينة على المريخ.

ملاحظات:


[1] الحقبة النواتشية (Noachian period): هي فترة من تاريخ المريخ الجيولوجي بدأت قبل 4100 مليون سنة وانتهت قبل 3700 مليون سنة، وتميزت بمعدل مرتفع من الاصطدامات النيزكية بالإضافة إلى وجود كميات وفيرة من الماء على سطح الكوكب. وبعدها جاءت الحقبة الهسبيرية (Hesperian period) التي بدأت قبل 3700 مليون سنة وانتهت قبل 2000 مليون سنة وتميزت بالفعالية البركانية العنيفة والفيضانات التي نحتت سطح المريخ الصخري.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات