كيف تصنع ميزان حرارة كمومي أفضل؟

درجات الحريّة: يحتاج تصميم ميزان حراري كمومي إلى المقايضة بين الدقة والمجال.


وضع فيزيائيون من إسبانيا والمملكة المتحدة إطاراً نظرياً لتصنيع موازين حرارة كمومية (quantum thermometers) عَمَليّة الاستخدام، بحيث تُصممُ بشكل مثالي لقياس درجة حرارة مجموعة واسعة من البُنى الدقيقة، مثل الخلايا الحية والبِتّات الكمومية (quantum bits). ويُظهر هذا العملُ ضرورة تحقيق مقايضةٍ هامةٍ بين الدقة ومجال القياس في مثل هذه المسابِرِ الكمومية، كما يصف كيفيةَ استخدامها في المختبرات.

يُمكن قياس درجة حرارة أي جسم في الحياة اليومية من خلال وضعه في حالة تماس مع ميزان حرارة، لكن هذه العملية تصبح أكثرَ صعوبة حين يكون الجسمُ بارداً للغاية، أو صغيراً للغاية، أو كلاهما معاً، والسبب في ذلك هو أن الحرارة التي يتم تبادلها بين الجسم وبين ميزان الحرارة ستؤثر في النهاية على القياس.

إن الاهتمام المتزايد بتصميم أجهزة كمومية من رتبة النانومتر لاستخدامها في مجال الحوسبة، وعلم القياس (metrology)، وتطبيقات أخرى، يشير إلى وجوب فهم الفيزيائيين للديناميكية الحرارية لهذه الأنظمة. يحتاجُ ذلك إلى توفّر القدرة على قياس درجةِ حرارةٍ من رتبة النانومتر في مثل هذه الأجهزة، هذه القدرة التي يمكن أن تكون مفيدةً كذلك في قياس درجة حرارة الخلايا الحية.

 

مقاييس الحرارة الذهبية والماسية


استخدم ميخائيل لوكين Mikhail Lukin وزملاؤه من جامعة هارفارد في عام 2013 قطعةً دقيقةً من الألماس (يبلغ قطرها 100 نانومتر فقط) لقياس درجة الحرارة في خلية حية بقدرة تمييز فراغي (spatial resolution) بلغت 200 نانومتر، وقد أظهر باحثون آخرون أن النقاط الكمومية (quantum dots) -وهي قطع دقيقة من مادة شبه ناقلة- يُمكن أن تُستخدم في قياس درجة حرارة الإلكترونات في عينات مُبَّردة لأقل من درجة كلفن واحدة.

يمكننا أن نعتبر هذه المسابر الدقيقة "مقاييس حرارة كمومية"، نظراً لأنها تتحسس تأثير الطاقة الحرارية على الحالات الكمومية الهشة في أنظمةٍ معزولة، وتُعتبر مثل هذه الأنظمة حساسةً جداً للمُحرّضات الخارجية مثل الحرارة، مما يجعلها مسابر جيدة جداً لقياس درجة الحرارة، لكنها لا تزال في المراحل الأولى من التطوير، ولا يزال هناك الكثير الذي يتوجب القيام به لتصنيع مسابر كمومية مثالية للاستخدام في حالات معينة.

مؤخراً، قام كلٌ من لويس كوريا Luis Correa، ومحمد محبودي Mohammad Mehboudi، وآنّا سانبيرا Anna Sanpera من جامعة "Autònoma de Barcelona"، بالإضافة إلى جيرادو أديسّو Gerado Adesso من جامعة نوتينغهام، بإجراء استقصاء نظري لأنواع الأنظمة الكمومية التي تُشكّل المسابر الأفضل لدرجة الحرارة، وقد قاموا كذلك بإجراء حسابات تهدف للعثور على الطريقة الأفضل لتشغيل هذه الأجهزة الافتراضية.

 

موازين الحرارة ذات التوازن الحراري الكلّي


درس الفريق موازين الحرارة ذات التوازن الحراري الكلّي (fully thermalized thermometers)، وهي أجهزة تكون في حالة توازنٍ حراري مع النظام الذي تقيسه، ويشبه ذلك إلى حدٍ كبيرة مقياس الحرارة التقليدي الزئبقي أو الكحولي لدى غمره في حوضٍ من الماء.

أظهرت الحسابات التي أجراها الفريق أن السعة الحرارية للمسبار -وهي مقدار الطاقة اللازم لرفع درجة حرارة المسبار بمقدار درجة واحدة- هي معيار هام في تصميم مقياس الحرارة الكمومي، وترتبط السعة الحرارية بعددِ الوسائل المختلفة التي يمكن من خلالها تحريض النظام بدءاً من حالته القاعديّة -أي درجة الحريّة (degree of freedom)- وتُظهر الحسابات أن زيادة عدد درجات الحرية يعزز دقة القياس.

على أي حال، وجد الفريق أن زيادة درجات الحريّة يؤدي كذلك إلى تضييق مجال درجات الحرارة الذي يكون المسبار فعّالاً ضمنه، مما يعني أن تصميمَ مسبارٍ فعالٍ سيحتاجُ إلى المقايضة بين الدقة والمجال.

 

المجال مقابل الدقة


تؤدي الطاقة الحرارية في حالة مقياس الحرارة الماسيّ الذي صممه "لوكين" إلى تحريض الحالة القاعديّة في نظام الميزان المشابه للذرة، بحيث يدخل هذا النظام في إحدى حالتين من الاستثارة الانحلالية (درجات الحريّة). وفي حال توفّرِ أكثر من حالتين من الاستثارة الانحلالية، فإن مقياس الحرارة الماسيّ سيكون أكثر دقة، ولكنه سيعمل وفق مجالٍ أضيق من درجات الحرارة.

تشيرُ هذه المقايضة إلى أن الأنظمة الكمومية الأخرى التي لا تمتلك عدداً كبيراً من حالات الاستثارة الانحلالية -مثل مولد الذبذبات التوافقي (harmonic oscillator)- يمكن أن تُستخدم كمسابر عَمَليّة لدرجات الحرارة تعمل على مجال أوسع من درجات الحرارة.

يشير الفريق إلى أن إحدى الطرق الفعّالة لقياس درجات الحرارة في الأجسام الدقيقة تشمل أولاً استخدامَ مسبار يملك دقةً ضعيفة ومجالاً واسعاً لإجراء قياس تقريبي، بعد ذلك، يُمكن استخدام مسابرَ أكثر دقةً بشكل متسلسل لإنقاص درجة الارتياب في هذا القياس.

درس الفريق كذلك مقاييس الحرارة ذات التوازن الحراري الجزئي (partially thermalized thermometers)، والتي تمتلك القدرة على قياس درجة حرارة جسم ما دون أن تدخل في حالة توازنٍ حراري معه. يُمكن لمثل هذه المسابر أن تكون مفيدة إذا لم يكن النظام المُراد قياسه مستقراً، وكانت فترة استمراريّته أقل من الفترة اللازمة لتحقيق التوازن الحراري بين المسبار والجسم. وقد وجد الباحثون في هذه الحالة أن درجة حرارة المسبار عند تطبيقه يتوجب أن تكون أقل ما يمكن، ووجدوا أيضاً أن مجال درجة الحرارة للمسبار يبقى ثابتاً رغم تحسن دقة القياس؛ وذلك عبر زيادة عدد درجات الحريّة لدى استخدام مقاييس الحرارة ذات التوازن الحراري الجزئي.

يأمل "كوريا" وزملاؤه أن يساعد الإطار النظري الذي وضعوه في تحسين التجارب التي تقيس التبدُّد الحراري في الدارات من رتبة النانومتر، وأن يوجه العلماء لتطوير وسائل جديدة بهدف دراسة انتقال الحرارة في الخلايا الحية.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات