كيف تشكل كوكب المشتري؟

بالرغم من وجود الكثير من الكواكب حول العديد من النجوم في مجرتنا، إلا أنّ مسألة طريقة تشكلها تبقى موضعا للنقاش. يزخر نظامنا الشمسي بالعديد من العوالم، لكن لا يزال العلماء غير متأكدين من آلية تشكلها. حالياً، توجد نظريتان تتنافسان لتفسر تلك الآلية.


تنجح النظرية الأولى والمُسماة بنظرية التراكم المركزي core accretion بشكلٍ جيد في تفسير تشكل الكواكب الصخرية، إلا أنّ العلماء يواجهون صعوبةً في توفيق النظرية مع الكواكب الضخمة ككوكب المشتري. على الجانب المقابل، قد يساعد نموذج القرص المضطرب disk instability الموضوع حديثاً في حلّ بعض المشاكل التي فشل نموذج التراكم المركزي في التصدي لها.


يلعب كوكب المشتري والذي يتمتع بكتلةٍ تصل إلى 2.5 ضعف كتلة بقية الكواكب في المجموعة الشمسية مجتمعة، دوراً مهماً في تشكل وتطور أشقائه من الكواكب. إذ تقترح نظرياتٌ جديدة أنّ كوكب المشتري قد عمل على إثارة المواد في المجموعة الشمسية أثناء تحركه حول الشمس. فقد تكون الرقصة المعقدة لملك الكواكب قد أثرت بشكلٍ مباشر في تشكل المريخ، وربما لعبت دوراً في قصف الكواكب الصخرية بالنيازك.

نموذج التراكم المركزي The core accretion model 


قبل 4.6 مليار عامٍٍ تقريباً، كانت مجموعتنا الشمسية سحابة من الغبار والغاز تُعرف باسم السديم الشمسي solar nebula. سببت الجاذبية انهيار المواد على نفسها أثناء دورانها، مما أدى إلى تكون الشمس في وسط السديم.

 

تصور فني للسديم الشمسي لنظامنا الشمسي، وهو سحابة من الغاز والغبار التي كونت الكواكب. حقوق الصورة: Painting copyright William K. Hartmann, Planetary Science Institute, Tucson
تصور فني للسديم الشمسي لنظامنا الشمسي، وهو سحابة من الغاز والغبار التي كونت الكواكب. حقوق الصورة: Painting copyright William K. Hartmann, Planetary Science Institute, Tucson


ومع نشوء الشمس، بدأت المواد المتبقية بالتجمع مع بعضها البعض. حيث اندمجت الجزيئات الصغيرة مع بعضها بفعل قوة الجاذبية، مشكلةً جزيئاتٍ أكبر. جرفت الرياح الشمسية العناصر الخفيفة، مثل الهيدروجين والهليوم بعيداً عن المناطق القريبة من الشمس، تاركةً المواد الصخرية الثقيلة لتشكيل العوالم الأرضية الصغيرة. ولكن في المناطق البعيدة عن الشمس، كان للرياح الشمسية تأثيرا أقل على العناصر الخفيفة، مما سمح لها بالاندماج لتشكيل الكواكب العملاقة الغازية. بهذه الطريقة، تشكلت المذنبات، والكويكبات، والكواكب، بالإضافة للأقمار أيضاً.


يقترح نموذج التراكم المركزي أنّ المراكز الصخرية للكواكب تشكلت أولاً، ومن ثم جمعت العناصر الخفيفة حولها مشكلةً الستار mantle والقشرة crust. بالنسبة للكواكب الصخرية، فقد شكلت العناصر الخفيفة أغلفتها الجوية. 


يبدو أنّ عمليات رصد الكواكب الخارجية تؤكد هيمنة عملية التراكم المركزي في تشكيل الكواكب. تتمتع النجوم التي تحتوي على كمية أكبر من "المعادن" -مصطلح يستخدمه الفلكيون للإشارة إلى العناصر المغايرة للهيدروجين والهليوم- في مراكزها، بعددٍ أكبر من الكواكب الضخمة من النجوم الفقيرة بالمعادن. ووفقاً لناسا، يقترح نموذج التراكم المركزي أنّه يتوجب على الكواكب الصخرية الصغيرة أن تكون أكثر شيوعاً من الكواكب الغازية الضخمة. 


إحدى الاكتشافات التي عززت نموذج التراكم المركزي، هي اكتشاف كوكبٍ ضخمٍ بلبٍ هائل يدور حول نجمٍ مشابهٍ للشمس يُسمى HD 149026، وذلك عام 2005. 

في مقالٍ صحفي، يقول جريج هنري Greg Henry، وهو عالم فلكٍ في جامعة ولاية تينيسي، ناشفيل، والذي اكتشف خفوت ضوء النجم: "هذا تأكيدٌ لنظرية التراكم المركزي لتفسير تشكل الكواكب ودليلٌ على أنّ الكواكب من هذا النوع يجب أن تتواجد بوفرة".

في عام 2017، تُخطط وكالة الفضاء الأوروبية ESA لإطلاق قمرٍ صناعي خاصٍ بتحديد صفات الكواكب الخارجية (CHEOPS)، حيث سيعمل على دراسة الكواكب الخارجية التي تتراوح بالحجم بين كواكب الأرض الفائقة super-Earths وكوكب نبتون. قد تُساعد دراسة تلك العوالم البعيدة في تحديد الطريقة التي تشكلت بها الكواكب في نظامنا الشمسي.


يقول فريق CHEOPS: "في نموذج التراكم المركزي، يتعين على كتلة اللب أن تصل إلى نقطة حرجة قبل أن يتمكن اللب من دمج الغازات من حوله بطريقة طردية. تعتمد تلك الكتلة الحرجة على العديد من العوامل الفيزيائية، حيث يُعد معدل تنامي الكويكبات planetesimals إحدى أهم تلك العوامل". 

وعن طريق دراسة آلية تجميع الكواكب النامية للمواد من حولها، سيزودنا CHEOPS بنظرةٍ عن طريقة نمو الكواكب وتشكلها.


The disk instability model نموذج القرص المضطرب


بالنسبة للكواكب الغازية الضخمة ككوكب المشتري، فإنّ عملية التراكم المركزي تستغرق وقتاً طويلاً. حيث تدوم سحابة المواد حول الشمس لمدةٍ قصيرة، فإما أن يتم جمعها من قِبل الكواكب أو أن تتبخر كلياً.


أخبر كيفين والش Kevin Walsh، باحث في معهد أبحاث الجنوب الغربي في بولدر، كولورادو، موقع Space.com: "تتكون الكواكب الضخمة بسرعةٍ كبيرة، يستغرق تكونها بضعة ملايين من السنين فقط. هذا يعني أنّ هناك حداً زمنياً، لأنّ القرص الغازي لم يدم حول الشمس إلا لـ 4 إلى 5 ملايين عام".

بينما تمتلك الكواكب الصخرية الكثير من الوقت لتشكيل أغلفةٍ جويةِ أكثر ثقلاً، أو لجمعها من المواد التي تصطدم بها. على الجانب المقابل، تتمتع الكواكب الغازية بأغلفةٍ جويةٍ خفيفةٍ جداً تختفي بسرعة. فعلى سبيل المثال، يتكون المشتري من الهيدروجين بشكلٍ كامل تقريباً، كما يُشكل الهليوم 10% من حجمه الكلي، إضافة إلى كمياتٍ قليلة من عناصر أخرى في غلافه الجوي. لكنّ الهيدروجين والهليوم يشكلان أغلب كتلته. يتوجب على العلماء البحث عن طريقةٍ جديدة لتفسير آلية تشكل الكواكب الأكبر حجماً. 


وفقاً لنظريةٍ جديدة نسبياً، تسمى نظرية القرص المضطرب disk instability، فإنّ أكوام الغبار والغاز تجمعت مع بعضها البعض في الفترات الأولى من تشكل نظامنا الشمسي. ومع مرور الوقت، اندمجت تلك الكتل مع بعضها مشكلةً كواكب ضخمة. يمكن لتلك الكواكب أن تتشكل بسرعةٍ أكبر من الكواكب التي تشكلت عن طريق التراكم المركزي، في مدةٍ لا تزيد عن 1000 عامٍ في بعض الأحيان، مما سمح لها بجمع الغازات الخفيفة سريعة الزوال. كما أنّ كتلتها تصل بسرعةٍ إلى النقطة التي تسمح لها بالمحافظة على مدارٍ مستقر يمنعها من الغوص إلى حتفها باتجاه الشمس.


كجميع الكواكب، أدت التصادمات المتكررة إلى رفع درجات الحرارة على كوكب المشتري. غاصت المواد الكثيفة نحو المركز، مما سمح بتشكل اللّب. يعتقد بعض العلماء اليوم أنّ اللّب قد يكون كرة منصهرة من سائلٍ ساخن، بينما يشير بحثٌ آخر إلى احتمالية تكونه من صخورٍ صلبة بكتلةٍ أكبر ب 14 إلى 18 مرةٍ من كتلة الأرض. 

نموذج تراكم الحصى Pebble accretion


أكبر التحديات التي تواجه نموذج التراكم المركزي هي الوقت –بناء كواكب غازيّة ضخمة بمعدلٍ سريعٍ بما فيه الكفاية لجمع المكونات الأكثر خفةٍ لتكوين أغلفتها الجوية. إذ يشير بحثٌ جديد إلى حدوث اندماج بين أجسامٍٍ صغيرةٍ بحجم الحصى مع بعضها البعض لبناء كواكب ضخمةٍ بمعدلٍ أسرع بـ 1000 مرةٍ مما تشير إليه الدراسات السابقة. 


هارولد ليفيسون Harold Levison، عالم فلكٍ من معهد أبحاث الجنوب الغربي -SwRI- والمؤلف الرئيسي للدراسة، في تصريح لموقع Space.com في عام 2015: "هذا أول نموذجٍ نعرفه تبدأ فيه الأمور بهيكلٍ بسيطٍ جداً من السديم الشمسي الذي تتشكل منه الكواكب، وتنتهي بالنظام الكوكبي الضخم الذي نراه". 


في عام 2012، اقترح الباحثان مايكل لامبرتس Michiel Lambrechts وأندرس يوهانسن Anders Johansen من جامعة لوند في السويد أنّ الحصى الصغيرة تمتلك مفاتيح الإجابة عن آلية التشكل السريع للكواكب الضخمة.


قال ليفيسون: " لقد أظهرا أنّ البقايا الحصوية من عملية التشكل هذه، والتي كان يُعتقد سابقةً أنها غير مهمة، يمكن أن تكون الحل لمسألة تشكل الكواكب".
بناءً على ذلك البحث، قام ليفيسون وفريقه بعمل نموذجٍ أكثر دقةٍ للكيفية التي يمكن من خلالها لتلك الحصى الصغيرة أن تشكل الكواكب التي نراها اليوم في المجرة.

 

في عمليات محاكاةٍ سابقة، التهمت الأجسام الكبيرة والمتوسطة أبناء عمومتها من الحصى الأصغر حجماً بمعدلٍ ثابتٍ نسبياً، بينما تقترح محاكاة ليفيسون أنّ الأجسام الأكبر حجماً تتصرف على نحوٍ مشابه للمتنمرين، عن طريق انتزاعها للحصى من الكتل ذات الحجم المتوسط للنمو بمعدلٍ أسرع بكثير. 

تقول كاثرين كريتك Katherine Kretke، المؤلفة المشاركة للدراسة من المعهد الجنوب غربي للأبحاث، لموقع Space.com: "تميل الأجسام الأكبر إلى بعثرة الأجسام الأصغر حجماً أكثر من بعثرة الأجسام الصغيرة لها، وبالتالي، ينتهي المطاف بالنسبة للأجسام الصغيرة بتناثرها خارج قرص الحصى. بشكلٍ أساسي، تقوم الأجسام الكبيرة بالتنمر على الأجسام الصغيرة لتحصل على جميع الحصى لنفسها فقط، ولتستمر بالنمو لتشكيل لبّ الكواكب الضخمة".

الكواكب الراقصة 


اعتقد العلماء في البداية أنّ الكواكب تشكلت حول المكان نفسه التي توجد فيه حالياً. لكنّ اكتشاف الكواكب الخارجية أظهر أنّ بعض العوالم حول النجوم الأخرى قد تحركت من الحيّ الذي ولدت فيه. كانت أولى الكواكب الخارجية هي تلك التي يطلق عليها العلماء اسم كواكب المشتري الساخنة hot Jupiters، و هي كواكب غازية ضخمة أكبر من المشتري تدور حول نجومها خلال أيامٍ فقط أو حتى ساعات.

 

لا يمكن لتلك العوالم أن تتشكل في ذلك المكان، لأنّ درجات الحرارة العالية لن تسمح لها بجمع الهيدروجين والهيليوم. استنتج العلماء بسرعةٍ أنّ بعض تلك الكواكب الغازية الضخمة في الكون قد هاجرت إلى الداخل باتجاه نجومها.


في نفس الوقت، عانى النظام الشمسي مما يُطلق عليه العلماء مشكلة المريخ الصغير small Mars problem. إذ أنتجت عمليات محاكاةِ تشكلِ الكواكب جميع العوالم، بالحجم والموقع الصحيحين، ولكن لم تنجح إحداها في توليد الكوكب الأحمر بالشكل الصحيح. عوضاً عن ذلك، فقد أنتجت عالماً أصغر بكثير في المدار نفسه.

في عام 2011، كشف العلماء عن نموذج سموه نموذج المسمار الكبير Grand Tack model. يتحرك فيه المشتري إلى داخل النظام الشمسي باتجاه الشمس، مبعثراً المواد من أمامه. حتى يصل في النهاية إلى مكان تواجد المريخ حالياً، والذي يبعد عن الشمس 1.5 ضعف بعد الأرض عنها. وحيداً هناك، ربما جرف المشتري المواد عبر النظام الشمسي الداخلي. قال والش Walsh، أحد العلماء الذين اقترحوا نموذج المسمار الكبير : "كان الناس ينمذجون كيفية منع المشتري من الهجرة باتجاه الشمس".


توصل والش وزملاءه إلى أنّ تضمين زحل كرفيقٍ مسافر جعل المشتري يتراجع في مساره، بشكلٍ مشابه لمركبٍ شراعي يغير اتجاهه في الرياح. وفي النهاية رجع الكوكبان إلى النظام الشمسي الخارجي واستقرا في مداريهما الحاليين.

جارٌ جيد 


على الأرجح، أثرت الكواكب الضخمة على تشكل الكواكب الأخرى ومساراتها، وذلك بسبب تشكلها في مراحل مبكرة من تاريخ النظام الشمسي. فيجب على الكوكب أن يتمتع بكتلةٍ كبيرة حتى يتمكن من تعديل مسار الكواكب الأخرى المولودة حديثاً والتي تسافر بالقرب منه، والذي يؤدي لتغيير مسار حركتها إما باتجاه الأقاصي الخارجية للنظام الشمسي أو باتجاه موتٍ ناريٍ محتم بالقرب من الشمس. كما يمكن أن تكون المذنبات والكويكبات قد تم إقصائها بشكلٍ مشابه.

يُعدّ المشتري درعا لحماية الأرض عادةً، ولكن الحال لم يكن هكذا دائماً، إذ تقترح دراساتٌ جديدة أنّ العملاق الغازي يسرع الجدول الزمني للتصادمات. في بداية حياة النظام الشمسي، عمل المشتري على قذف المواد بشكلٍ متهور، ممطراً بعضها على الكواكب الصخرية، وطارداً بعضها الآخر خارج النظام الشمسي بشكلٍ كامل.

 

مع ذلك، في الأنظمة الخالية من الكواكب الضخمة كالمشتري، تكون التصادمات أقل قوةً ولكن مستمرةً خلال حياة الكوكب. وذلك لأنّ أغلب الصخور تبقى عالقةً في مدارٍ حول الشمس دون أن يتم دفعها من قبل كوكبٍ ضخم.


قالت إليسا كوينتانا Elisa Quintana، عالمةٌ بحثية في مركز أميس للأبحاث التابع لناسا، موقع Space.com: "بشكلٍ أساسي، لا تتمتع الكواكب الصخرية بقوةٍ كافية لطرد تلك الصخور خارج النظام الشمسي، وبالنسبة لنظامنا الشمسي، فقد كان للمشتري تأثيرٌ عظيم". يُذكر أنّ كوينتانا درست تأثير التصادمات والكواكب التي بحجم المشتري على الكواكب الصخرية.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • السديم (Nebula): عبارة عن سحابة بين نجمية مكونة من الغبار، والهيدروجين، والهليوم وغازات مؤينة أخرى.

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات