يمكنك الاستماع إلى المقال عوضاً عن القراءة
ما مصير الإرث البشري عندما تحكم الروبوتات الأرض؟

حلت الآلات مكان الإنسان للقيام بالأعمال لعدّة قرون، ولمدّة 70 سنة تحكّمنا بالعديد من هذه الآلات بواسطة الحواسيب، ورغم أنّ القدرات الخام لهذه الحواسيب قد تحسّنت بشكل كبيرٍ جداً وفق معدّلٍ تصاعديّ شديد السّرعة، إلّا أنّ معدّل استبدال الوظائف البشريّة بالآلات قد بقي بسيطاً وثابتاً نسبيّاً، وهذا منطقيّ لأنّ الوظائف البشريّة تختلف اختلافاً كبيراً عن قدرات الحوسبة اللازمة للقيام بها على نحوٍ كافٍ، ما يوحي بأنّ معدّل الاستبدال الوظيفيّ المستقبليّ قد يبقى معتدلاً وثابتاً نسبيّاً حتّى إن استمرت قدرات الحوسبة في التّحسن باطّراد وبتسارعٍ أعلى من السّابق.

ولكن حتى لو استغرق الأمر عدّة قرون، فإنّ بالإمكان تصديق فكرة أنّ الرّوبوتات في نهاية المطاف ستؤدي جميع الأعمال الواجب القيام بها تقريباً، فالعالم المستقبليّ الّذي تهيمن عليه الرّوبوتات يمكن أن يتطوّر مبدئيّاً بشكل تدريجيّ انطلاقاً من عالمٍ يهيمن عليه البشر.

تتغيّر الطبيعة الأساسية وانقسامات وتوزيعات المدن والصّناعات والشّركات بشكل كبير مع استبدال البشر البطيء بالآلات، أي إنّ الآلات قد تناسب الخانات الاجتماعيّة الّتي احتلها البشر سابقاً، ومع ذلك يمكن أن تحصل أيضاً تغيّراتٌ أكبر بكثير في تنظيم مجتمعٍ تقوده الرّوبوتات، إذ إنّ الآلات تختلف عن البشر في التكاليف النسبيّة والإنتاجيّة إلى درجةٍ تجعل التّنسيقات المختلفة أكثر كفاءة.

كيف يمكن للمرء محاولة التّأثير على مستقبل الروبوت كذلك؟ تتمثل الطّريقة المباشرة في تجميع الموارد وإسنادها إلى المنظّمات المناسبة، ولربما كنت تكره الطّبيعة أو البنية العامّة الّتي من المرجّح أن يعتمدها مجتمع الرّوبوتات في عالم لا مركزيّ ذي تنسيق عالميّ ضعيف، وفي هذه الحالة، قد تحاول تعزيز المؤسسات السّياسيّة واسعة النطاق، وتشجيعها على اعتماد أنظمة قويّة بشكلٍ كافٍ.

وقد تنتج بنية مجتمع الرّوبوتات في المستقبل واقعاً من التّطور التّدريجيّ للبنى الأكثر شبهاً بالرّوبوتات في مجتمعنا اليوم، وفي هذه الحالة فقد يأمل المرء التأثير على البنية المستقبليّة عن طريق اختياراتنا اليوم فيما يتعلّق بالبنى الخاصّة بالأجزاء ذات الوجود الحاسوبيّ المكثّف من مجتمعنا، وإذا خشي المرء الكثافة العالية للشركات المتعلّقة بمجالٍ صناعيٍّ معيّن خاص بمجتمع الرّوبوت المستقبلي، فبالإمكان محاولة تعزيز مستوياتٍ منخفضةٍ من تلك الصّناعة اليوم.

من الممكن أن يمتلئ العالم المستقبليّ بروبوتاتٍ مماثلةٍ للأنواع الّتي كنّا نبنيها لعقود عديدة، ومع ذلك فمن الممكن أن يمتلئ بنوع روبوتات مختلف، وهي محاكيات الدّماغ أو ما يعرف باسم التحميل uploads أو إي أم إس ems التي تُصنع عن طريق أخذ دماغ بشريّ معيّن، ثم إجراء عمليّة مسح عليه لتسجيل خصائص وعلاقات الخلايا الخاصّة به، ومن ثم بناء نموذج حاسب يعالج الإشارات وفقاً لتلك الخصائص والعلاقات نفسها، فكما البشر، تستطيع محاكيات الدّماغ أن تتعلّم ويصبح لديها أصدقاء وأحبّاء ورؤساء وزملاء، كما يمكن للمرء التّحدث معها وإقناعها بتأدية أعمال مفيدة.

التقنيّات الثلاثة المطلوبة لإنشاء المحاكيات هي: الحوسبة، والمسح الضوئيّ، ونمذجة الخلايا، ويبدو من المرجّح أن تكون جاهزة جميعها في غضون قرن تقريباً، وذلك قبل فترة طويلة مقارنة بمدّة القرنين إلى أربعة قرون المطلوبة ليصبح باستطاعة الرّوبوتات العاديّة القيام بجميع الوظائف.

ناقشنا أعلاه بسرعة بعض الطّرق الرئيسة لمحاولة التّأثير في مستقبل روبوتيّ عام، فكيف يتغيّر هذا الوضع بالنّسبة للرّوبوتات الّتي تعتمد على المحاكاة؟ الفرق الأكثر وضوحاً هو أنّه نظراً لكون كلّ روبوت محاكاتيّ ينتج عن مسح دماغ إنسان معيّن، فنحن نأمل أن يكون لكلّ من هؤلاء الأشخاص تأثيرٌ كبير على الرّوبوتات المحاكية النّاتجة عنهم، الفرق الكبير الآخر هو أنّ هذه المحاكيات تشبه الإنسان كثيراً، أي إنّ بإمكانها أن تناسب بطريقة أكثر مباشرة وسهولة الخانات الاجتماعية المتعدّدة الموجودة في المجتمع البشريّ السابق.

ويمكننا توقع أنّه خلال حقبة المحاكاة، فإنّ الرّوبوتات الّتي تعتمد على المحاكاة ستواصل تطوير قدرات الرّوبوتات التقليديّة غير القائمة على المحاكاة، وفي نهاية المطاف قد تصبح هذه الرّوبوتات (غير القائمة على المحاكاة) أكثر قدرة من المحاكيات بخصوص أداء جميع الوظائف بشكل كبير، ويمكن أن يكون ذلك دليلاً على نهاية حقبة المحاكاة، فاحتمال استبدال الرّوبوتات التّقليديّة للمحاكيات في نهاية المطاف يبدو أقلّ من احتمال استبدالها للبشر، لأنّ المحاكيات تملك طرقاً للتّحسّن عبر الوقت أكثر من البشر. وعلى الرّغم من ذلك، فإن استبدال المحاكيات بالرّوبوتات التّقليديّة يبدو كسيناريو يستحقّ النّظر فيه.

إنّ مرحلة الانتقال من المحاكيات إلى الرّوبوتات التّقليديّة ستكون على الأغلب أقلّ وطأةً وستحدث تدريجياً، متضمَّنةً فيها ومستمرةً بالعمل مع العديد من عناصر عقول المحاكاة وجزءاً كبيراً من ترتيب مجتمع المحاكيات، وبما أنّ مجتمع المحاكيات سيستمر أيضاً بالعمل مع جزء كبير من المجتمع البشريّ الأسبق فإن البشر اليوم و ترتيبات مجتمعاتهم ستواجه مساراً أكثر تدرّجاً للتغيير في المستقبل، ما يتيح للنّاس اليوم المزيد من السّبل للتأثير في المستقبل، وإيجاد مستقبل أشبه ببشر ومؤسّسات اليوم.

 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات