عازل أم موصل، أم اكتشاف لطور جديد من المواد؟


اكتشفت دراسة جديدة سلوكاً غامضاً في مواد تتصرف كعازل عند إجراء قياسات معينة، لكنها تتصرف كموصل عند إجراء قياسات أخرى. تبقى الإلكترونات في المادة العازلة (Insulator) مرتبطة وبشكلٍ وثيق بمكانها، في حين أنها تكون حرة التدفق في المادة الموصلة (Conductor).

نُشرت نتائج الدراسة يوم 2 يوليو/تموز 2015 في مجلة Science، وتتحدى هذه النتائج فهمنا الحالي لكيفية تصرف المواد. تسمح المواد الموصلة، مثل المعادن، بنقل الكهرباء، في حين أن العوازل، مثل المطاط أو الزجاج، تمنع من تدفق الكهرباء. لكن عبر تعقب مسار الإلكترونات أثناء تحركها في المادة، فقد وجدت مجموعة من الباحثين بقيادة خبراء من جامعة كامبريدج أن من الممكن لمادة مفردة أن تبدي خواصَ ثنائية موجودة في المعدن والعازل على الرغم من عدم خضوعها للقوانين التي تحكم المعادن التقليدية عند درجات الحرارة المنخفضة جداً.

في الوقت الذي لا يزال فيه من غير المعروف تماماً ما الذي يتسبب في هذا السلوك الغامض، فإن إحدى الاحتماليات تُخبرنا بوجود طور ثالث ليس بعازل ولا بموصل.

رُصدت الخواص الثنائية معدن-عازل (Duelling metal-insulator properties) في الأجزاء الداخلية من المعدن المعروف بسداسي بوريد السماريوم (SmB6). وقد تمّ مؤخراً اكتشاف مواد أخرى تتصرف كموصل، وكعازل أيضاً، لكنها تمتلك بنية مشابهة للسندويشة بحيث يسلك سطحها سلوكاً مختلفاً عن بقية كتلة المادة؛ لكن الدراسة الجديدة لـ SmB6 وجدت أن كتلة المادة نفسها تستطيع أن تكون موصلاً وعازلاً في الوقت نفسه.

تقول الدكتورة سوشيترا سيباستيان Suchitra Sebastian التي قامت بقيادة البحث من مختبر كافنديش: "إن اكتشاف السلوك الثنائي معدن-عازل في مادة مفردة قد يؤدي إلى قلب عقود من الزمن سادت فيها الحكمة التقليدية المتعلقة بالانفصال الأساسي بين المعادن والعوازل".

لمعرفة المزيد عن SmB6 ومواد متنوعة أخرى، فقد تعقبت سيباستيان وزملاؤها المسار الذي تتبعه الإلكترونات أثناء حركتها في المادة، وقد قادت السطوح الهندسية التي جرى تعقبها بالاعتماد على مدارات الإلكترونات إلى بناء ما يُعرف بسطح فيرمي (Fermi surface).

ولإيجاد سطوح فيرمي، فقد استخدم الباحثون تقنية تعتمد على قياسات الاهتزازات الكمومية (Quantum oscillations)، والتي تقيس خواص متنوعة للمادة بوجود حقل مغناطيسي مرتفع وذلك بقصد الحصول على "بصمة" دقيقة للمادة. ولرصد الاهتزازات الكمومية، يجب أن تكون المادة قريبة من النقاء قدر الإمكان بحيث تكون التشوهات الموجودة فيها صُغرى قدر الإمكان بحيث تمنع بذلك تصادم الإلكترونات.

تم إجراء أهم التجارب في هذا البحث في مختبر الحقل المغناطيسي المرتفع الموجود في تالاهاسسي-فلوريدا. تنتمي SmB6 إلى نوع من المواد المعروفة بعوازل كوندو (Kondo insulators) وهي قريبة إلى الحد الكائن بين السلوك العازل والموصل، وتُعتبر هذه العوازل جزءاً من مجموعة أكبر هي مواد تُعرف بالمواد الفيرميونية الثقيلة (heavy fermion materials)، وفيها تنتج الفيزياء المعقدة عن التفاعل بين نوعين من الإلكترونات، وهما الإلكترونات عالية المحلية f، والإلكترونات d التي تمتلك مدارات أكبر. وينتج عن الترابطات بين هذين النوعين من الإلكترونات في حالة SmB6 سلوك عازل.

تقول سيباستيان: "إنها مفارقة بالفعل، فالمقاومة الكهربائية العالية لـ SmB6 تكشف عن سلوكه العازل، لكن سطح فيرمي الذي رصدناه كان معدناً جيداً". لكن اللغز لا ينتهي عند هذا الحد، فعند درجات الحرارة المنخفضة جداً التي تصل إلى 0 درجة كلفن (-273 درجة مئوية)، يصير من الواضح أن الاهتزازات الكمومية لـ SmB6 ليست مُميزة للمعدن التقليدي. 

وبشكلٍ غريب في حالة SmB6، تستمر سعة الاهتزازات الكمومية بالنمو بشكلٍ درامي مع تخفيض درجة الحرارة، وهو أمر ينتهك القوانين التي تُغطي المعادن التقليدية. 

عبّر الباحثون عن وجود بضعة أسباب مسؤولة عن هذا السلوك الغريب، فقد نكون اكتشفنا طوراً جديداً ليس بالعازل ولا بالموصل، وهو يقوم بالاهتزاز بشكلٍ مستمر بين الطورين، أو أن الفجوة الصغيرة جداً لـ SmB6 والكائنة بين السلوك العازل والموصل جعلت من إمكانية قفز الإلكترونات فوقها أمراً ممكناً. 

تقول سيباستيان: "إن منطقة العبور بين طورين مختلفين تماماً -مثل الطول المغناطيسي وغير المغناطيسي على سبيل المثال- هي المنطقة التي تحصل فيها الفيزياء المهمة. وبسبب قرب هذه المادة من المنطقة الكائنة بين العازل والموصل، فقد وجدنا أنها تعرض بعضاً من الخواص الغريبة، ونحن نستكشف احتمالية أن يكون الأمر طوراً كمومياً جديداً".

 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات