ما هو سر سباحة قنديل البحر؟

من النادر إيجاد ظاهرة طبيعيّة فاتنة كسباحة قنديل البحر الذي يتميز بتقلصات جسمه الرشيقة. تحدّث علماء الأحياء بحماسة عنها (أي سباحة قنديل البحر) لسبب مختلف عما يعتقده مرتادو الأحواض البحريّة العاديون، حيث أنها طريقة فعّالة للغاية من أجل الانتقال في المحيط. هذا وقد اكتشف العلماء حديثاً ما يساعد على دفع تلك الحركة.



يكشف بحث جديد في مجلّة Nature Communications أن كلاً من قناديل البحر، ومخلوقاً آخر يشبه ثعبان البحر يدعى سمك الجلكي (أو الشِلْق) lamprey يسحبان في الواقع جسميهما إلى الأمام عوضاً عن دفعهما. قد يبدو ذلك الاكتشاف غير هام، إلّا أنّه سيغيّر من كيفيّة تفكير المهندسين حول بناء المركبات المائيّة، وأيضاً طريقة تفكير علماء الأحياء في الحركة ككل.


ألقِ نظرة على الصورة المتحركة أدناه، يمكنك رؤية سمك الجلكي وهو يسبح، حيث تحيط به الملايين من الحبيبات الزجاجيّة الصغيرة. تمكّن الباحثون عبر تسليط أشعّة ليزر على الخزّان وتسجيل فيديو للحوض بالكامل باستخدام كاميرات عالية السرعة، من تعقّب حركات الحبيبات وحساب الضغوط المختلفة التي يتسبب بها سمك الجلكى عند مروره عبر الماء.

سمك الجلكى يؤدي عمله. الأحمر هو الماء ذو الضغط المرتفع، بينما الأبيض هو الماء ذو الضغط المنخفض. مصدر الصورة: جون أو دابيري JOHN O. DABIRI
سمك الجلكى يؤدي عمله. الأحمر هو الماء ذو الضغط المرتفع، بينما الأبيض هو الماء ذو الضغط المنخفض. مصدر الصورة: جون أو دابيري JOHN O. DABIRI
ما تراه باللون الأحمر عند فم سمك الجلكي هو منطقة الضغط المرتفع، وهو أمر متوقع الحدوث عندما يسبح المخلوق عبر الماء. الأجزاء الزرقاء هي الأكثر إثارة للاهتمام، فهي مناطق من الضغط المنخفض تخلقها الموجات.

عندما يلتوي الجلكي ويدور أثناء السباحة، يحرّك الماء بعنف بالقرب من جسده مشكلاً دوامات صغيرة، هذا ما يقوله جون دابيري John Dabiri من جامعة ستانفورد Stanford University، وهو عالم في ديناميك الموائع ومؤلّف الدراسة. يردف دابيري قائلاً: "تنتهي الدوامات في مركزها بضغط ضعيف، تماماً كأيّ إعصار أو زوبعة فإنّك غالباً ما تحصل على ضغط منخفض في وسط الكتلة الدورانية للهواء". 



تمتص دوّامات الضغط المنخفض المتشكلة بالقرب من السطوح على الجهة الأمامية للمخلوق الماء المقابل لسمك الجلكي وتجذب الحيوان إلى الأمام. ويستخدم قنديل البحر نفس الطريقة، أي أن كلا الحيوانَين يمتصان طريقهما خلال محيطات الأرض بالمعنى الحرفي للكلمة. 



تجعل هذه الآليّة من تلك الحيوانات سبّاحة مهرة. فلو عملت على دفع أنفسها إلى الأمام فقط من خلال دفع الماء إلى الخلف بأذيالها المتحرّكة أو بانقباضات أجسادها بالكامل، فإنّها ستُبدّد الكثير من الطاقة، تماماً كما في حالة الأمواج التي يتركها زورقٌ مزوَّد بمحرّك عالي السرعة خلفه. يقول دابيري: "في حالة الحركة عبر الامتصاص، من الممكن الانزلاق والسباحة عبر الماء دون بذل الكثير من الطاقة". 



ربما تكون هذه النتائج حدثاً ضخماً بالنسبة للمهندسين، فكما تؤدي الحركة السريعة لذيل سمكة إلى تبديد الطاقة، فإن محرّكات الزوارق المائيّة تفعل نفس الشيء أيضاً. لكن ربما توجد هناك طريقة لتوليد امتصاص ذي ضغط منخفض حول زورق ما لإعطائه دفعاً أثناء الانتقال في المحيط، كما يقول دابيري.


سمك جلكى مُضاء بأشعّة الليزر الخضراء والحمراء التي تتبع حركة الكرات الزجاجيّة الصغيرة في الحوض. مصدر الصورة: شون ب.كولين (SEAN P. COLIN
سمك جلكى مُضاء بأشعّة الليزر الخضراء والحمراء التي تتبع حركة الكرات الزجاجيّة الصغيرة في الحوض. مصدر الصورة: شون ب.كولين (SEAN P. COLIN
يسعى المهندسون إلى الاستفادة من تقنيّة السباحة والانزلاق عبر الامتصاص، كما أن علماء الأحياء يبذلون قصارى جهدهم للاستفادة من هذه النتائج. تعتبر كل من أسماك الجلكي وقنديل البحر مختلفين عن بعضهم البعض وفقاً لنظرية التطور، حيث لا توجد بينهما أي صلة أو سمة مشتركة (أي تنتمي لفصائل مستقلة عن بعهضا وفقاً لنظرية التطور). وبالتالي، إذا ثبت وجود هذه الطريقة في الحركة لدى مجموعتين مختلفتين عن بعضهما البعض، فهذا يعني أنها يمكن أن تظهر في مكانٍ ما آخر في مملكة الحيوان.

 

لخلق الدوامات ذات الضغط المنخفض، تستغل أسماك الجلكي والقناديل أجزاء جسمها القابلة للانحناء، كما أن هياكل الحيوانات الأخرى في مملكة الحيوان هي أيضاً مرنة وقابلة للانحناء. يقول عالم الأحياء جاك كوستيلو Jack Costello من مختبر علم الأحياء البحري Marine Biological Laboratory والذي كان مشاركاً في البحث أيضاً: "ما نراه في الغالب على سبيل المثال، هو عبارة عن أجنحة وزعانف تنحني بنسبة 70 بالمائة أو ما يقرب من ذلك. وبالطبع، يبدو هذا صحيحاً سواء تعلّق الأمر بجناح بعوضة أو نسر أو أجسام السمك". 

لقطة أخرى لسمك الجلكى أثناء سباحته، هذه اللقطة تبيّن جهة الماء المتدفّق. مصدر الصورة: جون أو. دابيري (JOHN O. DABIRI)
لقطة أخرى لسمك الجلكى أثناء سباحته، هذه اللقطة تبيّن جهة الماء المتدفّق. مصدر الصورة: جون أو. دابيري (JOHN O. DABIRI)
هل من الممكن للكائنات الأخرى الاستفادة من تقنيّة الحركة عبر الامتصاص؟ حسناً، مع وجود ميزة كبيرة كهذه في حفظ الطاقة، يمكن أن يتوقّع المرء تطوراً في انتقاء هذه التقنية. يقول كوستيلو: "إنّها قوّة انتقائيّة نشطة وقوية، كما أنها تنطبق على جميع الكائنات ولا تقتصر على جنس معين بحد ذاته. يمكن اعتبارها مثل الجاذبيّة التي تخضع لها كل الكائنات الحية كبيرة كانت أم صغيرة، سواء أكانت ديناصورات أو ذبابة تسي تسي". 



يمكن أن يمتلك قنديل البحر المنوم الجميل أيضاً أسراراً أكثر من تلك التي يُظهرها. لذا في المرّة القادمة التي تكون فيها في المتنزه المائي، خذ وقتاً لمشاهدة طريقة سباحته الشبيهة برقصة الباليه.

 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات