رسائل من أصغر مسبار فضائي في العالم 

وُضعت التصورات لأصغر مسبار فضائي في العالم في قسم التصوير الفلكي في مينلو بارك وهو يخابر الأرض. الرقاقة الحاسوبية (computer chip) الطائرة المُسمَّاة "سبريت "Sprite والتي لها حجم رقائق الشيبس، سليمة معافاة وسعيدة، إضافة إلى أنها ترسل لنا إشارات من مدار الأرض على بعد 400 ميل (643.7 كيلومتراً) عن الوطن.

ولا تزال تفصلنا أشواط كبيرة عن المكان الذي قد تصله ذرية سبريت، فالنظام النجمي المجاور لنا ألفا القنطور (Alpha Centauri) يبعد عنا 24 ترليون ميل، والحلم بالنسبة للمركبات الفضائية الشبيهة بسبريت هو التقاط صور عن كثب وجمع البيانات وربما حتى الكشف عن الغازات الناتجة عن الحياة الفضائية.

وقد تساعدنا المركبة سبريت الصغيرة يوماً ما في الإجابة عن الأسئلة الكبيرة المتعلقة بالحياة في الكون من قبيل: هل نحن لوحدنا؟ وهل هناك عوالم صالحة للسكن هناك؟ و لو كان الأمر كذلك، فهل يمكننا الوصول إليهم؟ 

وإنه لطموح من شأنه أن يُرهِق القوى العقلية والحسابات المصرفية للجهات المانحة في وادي السيليكون (Silicon Valley) بقيادة وتمويل يُقدَّر بـ 100 مليون دولار تبرع بها ريادي الإنترنت يوري ميلنر Yuri Milner وذلك للسنوات الخمس الأولى، ويتكون مجلس مشروع بريك ثرو ستارشوت من ميلنر، وعالم الكونيات ستيفن هوكينغ Stephen Hawking من جامعة كامبريدج (University of Cambridge) والرئيس التنفيذي لشركة فيسبوك مارك زوكربيرج Mark Zuckerberg.

يقول بيت ووردن Pete Worden مدير مشروع بريك ثرو ستارشوت والمدير السابق لمركز أبحاث آميس التابع لوكالة ناسا (NASA Ames Research Center) من مكتبه في شارع ساند هيل (Sand Hill Road) ذي الطوابق في منطقة العمل: "إنها خطوة أولى جيدة جداً كما أنها برهان عن المفهوم، هذا أمر مثير للغاية".

يعلم العلماء الآن أنّ الكواكب كثيرة كما هي الفنادق الرخيصة، فقد حدّد تيلسكوب كبلر الفضائيّ 2,337 كوكباً، يقع 50 منها في المنطقة المعتدلة للكواكب "goldilocks zone" ، فهي ليست شديدة السخونة أو البرودة، وليست بالكبيرة جداً أو الصغيرة كذلك، بل إنها بحجم الأرض وشكلها وتدور حول توهج دافئ من النجوم الشبيهة بشمسنا، وربما تستضيف حياة على سطحها .

ولكن هنا تكمن المشكلة، فمن المستحيل بالنسبة للبشر السفر بسرعة كافية ولمسافة كافية للوصول إلى هذه الوجهات البعيدة.

فسيتطلب الوصول هناك مركبة فضائية تتحرك بسرعة جزء من سرعة الضوء، وستستغرق سفينة ضخمة عشرات الآلاف من السنين للوصول إلى ألفا القنطور، ولكن أسطول من المسبارات الصغيرة كسبريت قد يُكتب له النجاح إذا كانت خفيفة وصغيرة بما فيه الكفاية.

وقد حُدِّدَت استراتيجية المشروع في اجتماع عُقد في شهر كانون الثاني/يناير 2016 في قصر ميلنر الواقع على قمة التل، وقد حضر الاجتماع ووردن وفيزيائيّ جامعة كاليفورنيا في سانتا باربارا UC Santa Barbara فيليب لوبين Philip Lubin وفلكيُّ هارفارد آفي لوب Avi Loeb وآخرون.

وقد انتعشت مهمتهم في الأشهر القليلة السابقة فقط، بدايةً بفضل هذا الاكتشاف المذهل في آب/أغسطس 2016 وهو وجود جارٍ للأرض، بالإضافة لاكتشاف الكوكب الخارجي بروكسيما بي (Proxima b) علي عتباتنا الكونية، وهو يدور حول ألفا القنطور أقرب النجوم إلى شمسنا، والأفضل من ذلك، أن الكوكب يقع ضمن ما يسمى "المنطقة الصالحة للسكن" (habitable zone) كالأرض.

و يقول ميلنر الذي درس الفيزياء في موسكو Moscow وسُمِّي على اسم رائد الفضاء الروسي يوري غاغارين Yuri Gagarin: "العثور علي كوكب بروكسيما بي كان هو ما غير اللعبة".

قد يستغرق أسطول من المسبارات نحو عشرين عاماً للوصول إلى بروكسيما بي، تليها أربع سنوات أخرى لإرسال البيانات والصور إلى الأرض.
 

جمع الفريق بعض خبراء العالم في جامعة ستانفورد Stanford University في نيسان/أبريل الماضي لمناقشة إمكانية السفر إلي بروكسيما بي وتحدياته.

وتُعدُّ سبريت واحدة من بنات أفكار زاك مانشستر Zac Manchester الذي قدمت حملته الداعمة كيك سات "Kicksat" في جامعة كورنيل Cornell University الأموال الأولى لتطوير هذه الفكرة، وينضم زاك هذا الشهر إلي قسم الطيران والملاحة الفضائية في كلية ستانفورد، ومن المُتَوقع أن يُسرِّع وصوله إلى ستانفورد الجهود المبذولة في صناعة الأقمار الصناعية من الرقاقات.

تزن سبريت أربعة غرامات فقط أي أخف من ربع دولار، ولديها ألواح الطاقة الشمسية وقدرات الاتصالات وأجهزة الاستشعار الخاصة بها. 

يعود الفضل في مثل هذه المركبات الفضائية للتقدم السريع الحاصل في صناعة أنصاف النواقل (semiconductors industry) وفقاً لما قاله مانشستر، ويمكن دمج معظم خصائص المركبة الفضائية التقليدية في جهاز بحجم الرقاقة، وسبريت مبنيَّة باستخدام نفس الأجهزة والعمليات المُستَخدَمة في صناعة الإلكترونيات الاستهلاكية.

وحجم المركبات الفضائية يآخذ في الصغر باستمرار، فقد أُطلِقت المئات من الأقمار الصناعية المُكعبة (CubeSats) ذات حجم الــ 10 سنتيمترات في الفضاء في العقد الماضي، وأُطلِقت أول محاولة لمانشستر مع سبريت والتي كانت بحجم صندوق الحذاء عام 2014، ولكنها سقطت من المدار واحترقت.

كما يوجد لسبريت أشقاء، فقد أُطلِقت العديد من رقائق سبريت في 23 حزيران/يونيو، إلا أنها أصبحت بمعزل عن العالم الخارجي، إذ لا تُحلِّق هذه الرقائق من تلقاء نفسها بل تُعلَّق على ظهر اثنين من الأقمار الصناعية.


وما يسمعه الباحثون هو بثٌّ لإشارة راديو قياسية أثناء شحن الرقاقة لبطارياتها من أشعة الشمس، وقد أتت الأخبار عن إشارتها أواخر الشهر الماضي عبر محطة من محطات كورنيل الأرضية (Cornell ground station) إذ إنّه بإمكان الهواة الاستماع إلى ذلك أيضاً، ويُؤمِّن مشروع مانشستر كيك ستار تصميماً وتعليمات لبناء محطة استقبال لإشارات سبريت منخفضة التكلفة ومتنقلة، وتتكون من هوائي محمول بالأيد، ومضخم للأصوات المنخفضة (low-noise amplifier)، ودونغل منخفض التكلفة لاستقبال الإشارات الراديوية ذات الترددات واسعة النطاق على شكل USB، ويمكن بناء ذلك مقابل نحو 200 دولار بالإضافة إلى جهاز حاسوب لتشغيل البرنامج.

يجب أن تكون سبريت في النهاية أخف وزناً وأصغر حجماً، وستزن أقل من غرام واحد، كما ستُزوَّد بشراع، فحمل وقودها الخاص سيضيف لها الكثير من الوزن.

ستُدفع الأشرعة مبدئياً عبر الفضاء عن طريق الليزر أو حزمة من الليزر، وهذا سيمكن من خلق "رياح" من الفوتونات تسلك سلوك مروحة عملاقة، وسيقدم الليزر 100 مليار واط من الطاقة، وهذا أكثر بكثير مما يقدمه مؤشر الليزر ذي الـواحد ميلي واط النموذجي، وسيهدف الليزر الموجَه من الأرض إلى دفع المركبة الفضائية إلى سرعات تبلغ 20 بالمئة من سرعة الضوء، وهذا أكثر من 100 مليون ميل في الساعة.

ومع ذلك ستكون هناك عقبة أخرى وهي: "الاتصالات"، فيقول ووردن أن الفريق سيعمل على بناء ليزر بصري صغير على متن المسبار يمكنه أن يستدير ويتجه نحو الأرض ويكون التواصل عن طريق الليزر وليس عن طريق الراديو أو الإشارات.

و أضاف: " أنّ الشيء الأساسي هو الاتصالات على مدار مسافات تبلغ مئات الآلاف من الأميال، وهذا هو التحدي". سيبدأ مشروع بريك ثرو ستارشوت في أيلول/سبتمبر بالسعي لمقترحات حول جهاز الليزر، وبحلول العام القادم سيُنظِّم فريقٌ لبحث أنظمة اتصالات أفضل وتصميمها.

وبعد ذلك، لن ترسل تلك المسبارات الفضائية الصغيرة مجرد إشارات "أنا هنا" كما تفعل سبريت اليوم، بل قد تقول لنا: "يا للروعة - تحقق من الجوار".

 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • المنطقة السكنية (المنطقة الصالحة للحياة) (habitable zone): هو مصطلح في علم الفلك وعلم الأحياء الفلكي يُشير إلى المنطقة الموجودة حول نجم ما وفي الوقت نفسه تمتلك الظروف المناسبة للسماح بتواجد الماء السائل فوق سطح الكواكب الموجودة فيها والمشابهة للأرض. وعلى اعتبار أن الماء هو عنصر أساسي لوجود جميع أنواع الحياة التي نعرفها، تُعتبر الكواكب الواقعة في هذه المنطقة من الكواكب التي قد تحتضن نوع من أنواع الحياة خارج كوكب الأرض. تعتمد تلك المنطقة من جهة أخرى على شدة أشعة النجم الواصلة إليها حيث تكون في المتوسط نحو 10 درجات مئوية وكذلك على نوع الضوء الصادر منه، بحيث لا يغلب في طيفه مثلا أشعة فوق البنفسجية أو أشعة سينية، فكلاهما لا يصلح للحياة. المصدر: ناسا

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات