2+1 لا يساوي دائمًا 3: في العالم المجهري الاتحاد ليس قوّة دائمًا

مواد غروية محاطة بأشعة ليزر.

الحقوق: مركز الدراسات المتقدمة الدوْليّ (International School of Advanced Studies (SISSA

 

في العالم المجهريّ، طالما أن هناك ما لا يزيد على جسيمين، فالأمور بسيطة نسبياً. لكن، إذا أُضيفت جسيمات أخرى، فسرعان ما يصير الموقف أكثر تعقيدًا. تصوّر أن هناك شخصين يدفعان سيارةً معطلة: القوة الكليّة هي محصلة قوتيهما. وبالمثل، لو أن هناك ثلاثة أشخاص، فإن القوة الكلية هي محصّلة قُوى هؤلاء الأشخاص الثلاثة، وهكذا دواليك. والآن، تصوّر جسمًا غرويًا، وهو عبارة عن جسيم صلب يبلغ بضعة أجزاء من الألف من الملليلتر، مغمورًا في سائل ما. تصور أيضًا أن هناك جسيمًا مماثلًا أمامه مباشرةً . لو أن هناك تقلّبات حرارية "حرجة" في السائل الفاصل بينهما، فإما أن يتنافر الجسيمان أو أن ينجذبا نحو بعضهما دون التلامس حتى، وهي ظاهرة سببها التقلبات وحدها. بمعنىً آخر، تنتُج قوةٌ تبادلية تدعى قوة "كازيمير الحرجة critical Casimir"، فكأنما الجسيمان متصلان بزنبرك خفيّ. يتطلب الحصولُ على التقلبات الحرجة واحدًا فقط من السوائل الشفافة العدة، المؤلّفة من مزيجِ سائلين ينفصلان تدريجيًّا كالزيت والماء لدى رفع درجة حرارتيهما.

 

لكن ماذا يحدث لدى إضافة مادة غروية ثالثة؟


ويوضح بروفيسور المركز الدولي للدراسات المتقدمة International School of Advanced Studies (SISSA، أندري غامباسي Andrea Gambassi، وهو أحد مؤلّفي الدراسة، قائلًا: "يحدث أمرٌ غير متوقّع". ويُردف قائلًا: "القوة الكلية التي 'يُدركها' أحد الجسيمات مختلفةٌ عن محصّلة التفاعلات مع الجسيمين الأُخريين حين يُوجَدان منفصلين."إن قُوى كازيمير الحرجة ليست بالأمر الجديد بالنسبة لغامباسي،إذ أنه كان أحد مؤلّفي دراسة نُشرت في العام 2008 في دورية Nature Communications. وقيست هذه القُوى، التي تم التنبؤ بها نظريًا في العام 1978، مباشرةً أول مرة. ويردف كازيمير قائلًا: "ببساطة، هذه القوى لا تتماشى (تُجمع) خطّيًا على غرار القوى في حياتنا اليومية. إننا نتعامل هنا مع ما يدعوه الفيزيائيون "تأثير الأجسام المتعددة"، وهو أمر نمطيّ للقوى الناشئة عن التقلبات".

 

قاست الدراسة الجديدة هذا التأثير للمرة الأولى في نظام مؤّلف من كُرويّات مجهرية من الزجاج (السيليكا) مغمورة في سائل. وعن طريق قياس قوى كازيمير الحرجة في وجود جسيمين اثنين فقط، ثم في وجود ثلاثة، برهن الباحثون على عدم قابلية هذه القوى للجمع. يوضّح غامباسي قائلًا: "إن معرفة هذه التأثيرات مهم جدًا لكلٍ من البحوث الأساسية والبحوث التطبيقية، ولا سيما للعلماء القائمين على تصميم الآلات المجهرية لتأدية مهامّ عدة. فكل آلة مجهرية تتألف من عدة مكوّنات ميكانيكية في حركةٍ نسبية. ولكي نفهم كيف تتفاعل 'التروس' بعضها مع بعض، فإن معرفة التفاعل التبادليّ متعدد الأجسام يلعب دورًا مهمًا، ولا سيما في وجود السوائل".

 

كما ويُمكنك مشاهدة فيديو لمواد غروية محاصرة بأشعة الليزر من هنا.

حقوق الفيديو: Soft Matter Lab @ Bilkent University

 

أشعة الليزر، والمِلقَط الضوئيّ، والمخاليط الحرجة


التجربة، التي أجرتها المجموعة التي يقودها البروفيسور جيوفاني فولب Giovanni Volpe في جامعة بلكنت Bilkent في تركيا، تبدأ بمواد غروية مغمورة في مزيج من الماء واللوتيدين (مادة زيتية). تحت درجة حرارة 34 مئوية، يكون هذا المزيج شبيهًا بالماء، لكن لدى رفع درجة الحرارة يحدث تحوّلٌ ما. فأولًا، يفقد السائل شفافيته، بسبب التقلبات الحرجة. ثم يبدأ الزيت ينفصل طافيًا على وجه الماء. يوضّح فولب قائلًا: "إننا نلاحظ تأثيرات الأجسام المتعددة في مرحلة التحوّل هذه".

 

تتحرك المواد الغروية المغمورة في السائل عفويًا وتنتشر عبر الحركة البراونية Brownian motion، التي وضحها أينشتاين نظريًا. من أجل "حصرها"، تم تركيز أشعة ليزر رقيقة على نقطة واحدة في داخل السائل—حين تدخل الجسيماتُ الشعاعَ، تميل إلى البقاء حيث الضوء أشدّ. وهكذا، أدّى الليزر المُركّز دور المِلقط الضوئيّ. عن طريق إبقاء مادتين غرويتين معًا عن قرب، باستخدام شعاعَيْ ليزر، صار ممكنًا أن نقيس حركتيهما العشوائيتين بدقّة في فيديو ملتقطٍ من المجهر. ثم، وباستخدام طرقٍ إحصائيّة، أُعيد بناء القوى التي نعنى بها. أضاف الباحثون جسيمًا ثالثًا بمساعدة ليزر ثالثٍ.

 

يوضح البروفيسور سيغفريد ديتريك Siegfried Dietrich، مدير معهد ماكس بلانك للأنظمة الذكية Max-Planck Institute for Intelligent Systems في شتوتغارد Stuttgart بألمانيا وهو مؤلف مشارك بالدراسة، قائلًا: "لدى بلوغ مرحلة التحول، وحين مقارنة التجربة ذات الجسيمين الغرويين بالتجربة ذات الثلاثة، لاحظنا أنه ليس هناك جمع خطيّ للقوى وأن تأثيرات الأجسام المتعددة كانت موجودة. بالطبع لو أضفنا مزيدًا من الغرويات سيزداد الوضع تعقيدًا وإثارةً للاهتمام". ويختتم فلوب قائلًا: "في هذه الطريقة، أثبتنا أن التأثير متعدد الأجسام حقيقيّ ونجحنا في قياسه بدقّة مدهشة، ولا سيّما حين نأخذ في الاعتبار أننا نتعامل مع قوى تبلغ جزءًا من ألف من مليون جزء من الغرام (أيْ جزءًا من بليون من الغرام). ونريد الآن أن نستخدمها في تصميم وتطوير آلاتٍ مجهرية جديدة".

 

وردت إشارة للدراسة في دورية Nature Communications

ووفرها مركز الدراسات المتقدمة الدوليّ (International School of Advanced Studies (SISSA

 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات