مراقبة الديدان تساعد الإنسان حتّى يشيخ على نحو أفضل


تدور كثير من أفلام ومسلسلات الخيال العلمي حول فكرة أنّ الأشخاص الذين يسافرون لمسافات طويلة في الفضاء يشيخون ببطء أكثر من نظرائهم على الأرض. اليوم، يُمكِن للديدان الصغيرة التي أمضت بعض الوقت على متن محطة الفضاء الدوليّة (International Space Station) أن تساعد البشر بحقّ في الحصول على فهمٍ أفضل لتأثير الفضاء في الأعمار.

لقد وثّقت العديد من الدراسات التغيّرات التي تحدث للجسم البشري تحت تأثير الجاذبية الميكروية (Microgravity)، ويشمل ذلك قصورًا في وظائف القلب وفقدان كُتل العظام والعضلات.

تظل الآلية وراء هذه التغييرات غير مفهومة بالكامل، وتلك التغيرات قد تلعب دوراً في المعدّل الذي تشِيخ به الكائنات الحيّة في الفضاء، بما في ذلك روّاد الفضاء. وفي دراسة حديثة تُعرف بإسم العمر الفضائي (Space Aging) تمّ جمع عيّنات من الديدان القادمة على متن المهمة التموينية (SpaceX) السادسة، ثم مقارنة الوضع الصحّي وعمر الديدان على متن المحطة مع آخرى باقية على سطح الأرض. 

يبلغ طول دودة من نوع "كينورهابدايتس إليجانس" Caenorhabditis elegans (C. elegans)، حوالي 1 ملم (ما يقارب 0.04 بوصة) ومتوسّط عمرها شهران فقط، مما يجعل من هذا الكائن نموذجاً مثالياً لمثل تلك الدراسة.

يقول رئيس الباحثين يوكو هوندا (Yoko Hunda)، الحاصل على الدكتوراه بمستشفى طوكيو العاصمة للمسنّين ومعهد الشيخوخة: "قد يتأثرّ معدل الشيخوخة ومتوسط عمر الفرد بالجاذبية الميكرويّة. وإذا كان ذلك صحيحاً، ربما يصبح باستطاعتنا التعرّف على الجينات المسؤولة عن إطالة العمر".

قد يساهم تحديد مثل هذه الجينات في تطوير عقاقير جديدة لعلاج الأمراض المرتبطة بالتقدّم في العمر مثل أمراض التنكّس العصبي (Neurodegenerative disease) في البشر.

لقد تمّ استزراع مجموعة من الديدان حتى تصل إلى مرحلة البلوغ المتقدّمة جميعها في نفس الوقت. وزُرعت تلك التي أرسلوها إلى الفضاء داخل صناديق موجودة في منشأة تجارب بيولوجيا الخلايا Cell Biology Experiment Facility (CBEF)، التي تقع داخل وحدة التجارب اليابانية Japanese Experiment Module (JEM)، والمعروفة كذلك بـ كيبو (Kibo)، وهي كلمة يابانية تعني (الأمل(

تحتوي الـ (CBEF)على حجرة مُعرضة لظروف الجاذبية الميكرويّة، وحجرة أخرى بها جهاز طرد مركزي يمدّها بجاذبية اصطناعية، مما أتاح للباحثين إمكانية عمل مقارنة بين معدّل التقدّم العمريّ للديدان في ظروف تحاكي الجاذبية الميكرويّة والجاذبية الأرضية. يحتوي كل صندوق على 4 كاميرات يتم التحكّم بها من الأرض في مدينة تسوكوبا-اليابان. تُصور تلك الكاميرات الديدان كلّ يوم لثلاث دقائق.

طوّر الباحثون برنامجًا خاصًا ليحلّل مستوى نشاط كلّ دودة كإشارة على المعدّل الذي تشيخ به، نظراً لأن الكائنات الأكبر سنّاً عادةً ما تتحرك ببطء أكثر، وأخذوا في الحسبان أنّ الدودة التي لم تتحرّك لمدة ثلاث دقائق سيتم اعتبارها ميّتة.

يتم بثّ صور حيّة إلى الأرض يومياً للمراجعة وفقاً لـ ساشيكو يانو (Sachiko Yano)، الحاصل على الدكتوراه والعالِم في بعثة علوم الحياة مع مركز استخدام وحدة التجارب اليابانية (JEM Utilization Center) في وكالة استكشاف الفضاء اليابانية (Japan Aerospace Exploration Agency (JAXA). وفي نهاية البعثة، يتم تجميد الديدان وحِفظها لحين العودة إلى الأرض لتحليل جيناتها.

إنّ إدراك الكيفيّة التي تؤثر بها الجاذبية الميكرويّة في معدّل التقدّم العمريّ أمر مهم لرحلات الفضاء الطويلة، كتلك المتّجهة الى المريخ والكواكب الأخرى -ليس فقط لحمايّة روّاد الفضاء، ولكن أيضاً من أجل جميع الكائنات الحيّة التي يُستفاد منها في أنظمة دعم الحياة كالنباتات أو البكتيريا في أنظمة التجديد الحيوي. 

ستكون أيّ كائنات أخرى معرّضة لتأثير سلبي من التغيّرات الناتجة عن الجاذبية الميكرويّة ذات فائدة محدودة في رحلات الفضاء الطويلة. وحتّى بالنسبة لأولئك الذين لن يغادروا الأرض منّا، فإنّ العمل على الدودة C. elegans قد يساعد على تحقيق الأحلام التي كانت من وحي الخيال العلمي والمتعلّقة بحياة طويلة ومزدهرة.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • الجاذبية الميكروية (Microgravity): الجاذبية الميكروية، أو الجاذبية صفر هي في الواقع تعبير يُشير إلى وجود بيئة بجاذبية ضعيفة جداً كتلك التي يُعاني منها رواد الفضاء في محطة الفضاء الدولية. المصدر ناسا

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات