أداة غودارد “SAM” تقوم بأول رصد لمواد عضوية على المريخ

قام الفريق المسؤول عن أداة "تحليل العينات في المريخ (SAM)" الموجودة على ''كيريوسيتي'' التابعة لوكالة ناسا بأول رصد مؤكد لجزيئات عضوية على المريخ. 

الجزيئات العضوية هي وحدات البناء الأساسية لكل أنواع الحياة المعروفة في الأرض، وتتعدد أنواعها و هي متكونة أساسا من ذرات الكربون والهيدروجين والأكسجين. لكن من الممكن أن تتشكل هذه الجزيئات العضوية عن طريق تفاعلات كيميائية لا تتطلب وجود حياة، لا توجد أدلة كافية لإثبات إذا ما كانت المادة التي وجدها الفريق نتيجة حياة مرّيخية قديمة أم نتيجة تفاعلات غير حيوية. من بين المصادر غير الحيوية، نذكر على سبيل المثال: التفاعلات الكيميائية في المياه المتدفقة من الينابيع المرّيخية الساخنة القديمة أو تَنقّل مواد عضوية إلى المريخ عن طريق غبار بين الكواكب أو أجزاء من الكويكبات والمذنبات.

لا يوفر مناخ المريخ الحالي متطلبات وجود الحياة، ولكن هنالك أدلة تثبت أن الكوكب الأحمر امتلك فيما مضى مناخاً صالحا للعيش وذلك قبل مليارات السنين، فقد اكتُشفت بعض الملامح التي تُشبه مجاري الأنهار على سطح المريخ إضافة إلى بعض المعادن التي تتشكل فقط إلا في حالة وجود ماء سائل. أُرسل ''كيريوسيتي'' مع مجموعة من الأدوات ضمنها SAM في عام 2011 وذلك لاكتشاف المزيد حول بيئة المريخ القديمة التي كانت قابلة لاحتضان الحياة، وتلك عبر معاينة المؤشرات الموجودة في كيمياء الحجارة وفي الغلاف الجوي.

استُخلصت بعض الجزيئات العضوية التي وجدها الفريق في عينة من الصخور الطينية Sheepbed التي تتواجد في حفرة معروفة باسم ''غايل''(Gale crater)  في موقع هبوط ''كيريوسيتي''. يعتقد العلماء أن هذه الحفرة كانت بحيرة موجودة قبل مليارات السنين، وأن الحجارة مثل الصخور الطينية تكونت بفعل الرواسب في البحيرة. بالإضافة إلى ذلك فقد وُجد أن هذه الصخور الطينية تحتوي على 20% من طين السميكتيت (Smectite clays).

من المعروف أنه على الأرض، يوفر هذا الطين مساحة سطحية كبيرة وطبقات بينية مناسبة جداً للتركيز والحفاظ على المركبات العضوية إذا ترسّبت بسرعة في ظروف كيميائية مختزلة.

وفي حين لا يمكن للفريق استنتاج وجود الحياة في حفرة غايل سابقاً، يُظهر الاكتشاف أن البيئة القديمة وفرت مصدراً للجزيئات العضوية المُختزلة لاستعمالها كوحدات بنائية للحياة إضافة إلى كونها مصدر طاقة للحياة. بيّنت تحليلات ''كيريوسيتي'' السابقة لنفس الصخور الطينية أن البيئة قد وفرت الماء والعناصر الكيميائية الأساسية للحياة ومصادر كيميائية مختلفة للطاقة.

تقول كارولاين فريسينت (Caroline Freissinet) من مركز غودارد للطيران الفضائي في غرين بيلت-ماري لاند: "نحن نعتقد أن الحياة بدأت على الأرض قبل 3.8 مليار سنة، وأظهرت نتائجنا أن هناك أماكن على المريخ امتلكت نفس الشروط في نفس ذلك الوقت-أي ماء سائل وبيئة دافئة ومواد عضوية.

من ثمّ، إذا كانت الحياة انبثقت في هذه الظروف على الأرض، فلما لا على المريخ كذلك؟". فريسينت هي المؤلفة الرئيسية لورقة البحث التي قُدمت إلى مجلة البحث الجيوفيزيائي-الكواكب (Geophysical Research-Planets) .

تحتوي المواد العضوية التي وجدها الفريق على ذرات الكلور والكلوروبنزين وعدة من الألكانات ثنائية الكلور (dichloroalkanes) مثل الإيثين ثنائي الكلور(dichloroethane)، والبروبان ثنائي الكلور أو الدايكلوروبروبين(dichloropropane) ، والبوتان ثنائي الكلور (dichlorobutane).

الكلوروبنزين هو الأكثر وفرة إذ يتراوح تركيزه بين 150 و300 جزء لكل مليار. مركب الكلوروبنزين لا يتواجد طبيعياً على الأرض. إنه يُستعمل في عملية تصنيع مبيدات الآفات (مبيد الحشرات (DDTومبيدات الأعشاب والمواد اللاصقة والدهانات والمطاط. يُستعمل الدايكلوروبروبين كمذيب صناعي في مزيلات الدهان والورنيش ومزيل دهان الأثاث، وتصنف ضمن المواد المسبّبة للسرطان.

من الممكن أن هذه الجزيئات العضوية التي تحتوي على الكلور كانت موجودة على هذا النحو في الصخور الطينية. ومع ذلك و وفقا للفريق، فإنه من الأرجح أن مجموعة مختلفة من الجزيئات العضوية السابقة الذكر كانت موجودة في الصخور الطينية، وأن المواد العضوية المُحتوية على الكلور تشكلت نتيجة تفاعلات داخل أداة SAM أثناء تسخين العينة لإجراء التحليل.

و تتواجد البيركلورات  (Perchlorates)-ذرة كلور مرتبطة مع أربع ذرات أكسجين- بوفرة على سطح المريخ. فمن الممكن أنه عندما سُخّنت العينة، اتحد الكلور الموجود في البركلورات مع أجزاء من الجزيئات العضوية السالفة في الصخور الطينية لإنتاج الجزيئات العضوية المكلورة والتي كُشف عنها بواسطة SAM.

في عام 1976 قام مطياف الكتلة الكروماتوجرافي الغازي على للمركبتين التابعتين لناسا ''فايكينغ لاندرز'' (Viking landers) برصد اثنين من الهيدروكربونات المكلورة البسيطة بعد تسخين تربة المريخ لإجراء التحاليل (الكلوروميثان والدايكلوروميثان). ولكن، حسب الفريق، لم يستطيعوا استبعاد امكانية إنتاج المركبات في الأداة نفسها. تُنتج مصادر داخل أداة SAM الهيدروكربونات المكلورة، إلا أنها لا تُنتج أكثر من 22 جزء لكل مليار من الكلوروبنزين، وهذا أقل بكثير من الكميات الموجودة في عينة الصخور الطينية، مما أعطى للفريق الثقة بأن الجزيئات العضوية موجودة فعلاً على المريخ.

رُكّب جناح أداة SAM في مركز جودارد التابع لوكالة لناسا باستعمال عناصر مهمة قُدمت من قبل صناعات وجامعات وشركاء محليين ودوليين لناسا.

و لإجراء التحاليل، قام نظام الحصول على العينات في كيريوسيتي بالحفر في الصخور الطينية وتصفية جسيمات دقيقة منها باستعمال غربال، وبعدها يتم تسليم جزء من العينة لمختبرSAM . كشف SAM عن المركبات باستعمال تحليل الغازات المتطور (EGA) وذلك عن طريق تسخين العينية حتى تصل إلى درجة 875 درجة مئوية (حوالي1600 فهرنهايت) ثم مراقبة المواد المتطايرة التي صدرت من العينة باستخدام مطياف الكتلة رباعي الاستقطاب، والذي يحدد الجزيئات بناء على كتلتها باستخدام المجالات الكهربائية.وأيضاً رصد وحدد SAM المركبات باستخدام وضع مطياف الكتلة الكروماتوجرافي الغازي.

(GCMS) في هذا الوضع، تُفصل المواد المتطايرة حسب مقدار الوقت الذي تأخذه حتى تنتقل داخل أنبوب ضيق (كروماتوغرافيا الغاز- تتفاعل بعض الجزيئات مع جوانب الأنبوب بسهولة أكبر وبالتالي فإنها تتحرك ببطء أكثر) وبعدها يتم التعرف عليها عن طريق بصمة كتلة أجزائها في مطياف الكتلة.

حُصل على أول دليل للمستويات المرتفعة من الكلوروبنزين والألكانات ثنائية الكلور الصادرة من الصخور الطينية في حلالة كيريوسيتي Sol290 (30مايو 2013) خلال التحليل الثالث لعينة كمبرلاند في Sheepbed.

أمضى الفريق أكثر من سنة و هو يحلل النتيجة بعناية، و يجري تجارب مخبرية مع أدوات و طرق مثل تلك المستخدمة فيSAM، وذلك للتأكد من أنه ليس باستطاعة SAM أن يُنتج هذه الكمية من المواد العضوية التي تم رصدها.

يقول دانيال غلافين (Daniel Glavin) من مركز غودارد ومؤلف مشارك في ورقة البحث: "إن البحث عن مواد عضوية على المريخ كان تحدي كبير للفريق، في البداية نحتاج أن نُعرّف البيئات الموجودة في حفرة غايل والتي مكّنت من تواجد تركيز عالي من المواد العضوية في الرواسب. وبعدها يجب أن تنجو هذه المواد من عملية تحويل الرواسب إلى صخور، حيث أن سوائل المسامات والمواد المتحللة قد تُأكسد وتدمر المواد العضوية. قد تدمَّر المواد العضوية خلال تعرض الصخور الموجودة على سطح المريخ لأشعة مؤينة شديدة وعوامل مؤكسدة. وأخيرا، لتحديد أي مركبات عضوية ناجية، علينا أن نتعامل مع الأوكسيكلوراين وربما مواد مؤكسدة قوية أخرى موجودة في العينة والتي سوف تتفاعل مع مركبات عضوية و تحترق إلى غاز ثاني أكسيد الكربون والهيدروكربونات المكلورة عندما يتم تسخين العينات بواسطة SAM.

كان هناك هدف استراتيجي مهم كجزء من خطة كيريوسيتي وهو أخذ عدة عينات من الصخور التي تمثل مجموعات مختلفة من المتغيرات ذات خصوصية مفترضة للتحكم في المحافظة العضوية. يقول جون جروتزنغر (John Grotzinger) من معهدCaltech ، وهو عالم في مختبر علوم المريخ: "عملَ كلا من فريق SAM ومختبر علوم المريخ كثيراً حتى وصلوا إلى هذه النتائج، لقد تمكنّا من التوصل إلى هذه النتائج عن طريق الحفر في عينات صخور إضافية في مواقع مختلفة تُمثل تواريخ جيولوجية مختلفة.

في المرة الأولى التي رأينا فيه الدليل لهذه الجزيئات العضوية في عينة كامبرلاند، كنا غير متأكدين إذا ما كانت هذه الجزيئات فعلاً من المريخ، ولكن عند إجراء حفريات إضافية لم نحصل على نفس المركبات، كما هو متوقع في حال تلوث العينات، وهذا يُشير إلى أن الكربون الموجود في الجزيئات العضوية على الأرجح من أصل مرّيخي."

يَستعمل مشروع مختبر علوم المريخ ''كيريوسيتي'' لتقييم البيئات القديمة الصالحة للحياة والتغيرات الكبيرة في ظروف المريخ البيئية. بُنيت ''كيريوسيتي'' في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا في باسادينا بولاية كاليفورنيا وهو فرع من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا؛ هو الذي يُدير المشروع لمديرة المهام العلمية التابع لناسا في واشنطن.

قدمت ناسا الدعم لتطوير وتشغيل SAM. دُعم الكروماتوجرافي الغازي التابع لSAM  مالياً من قبل وكالة الفضاء الفرنسية (CNES) .ودُعّم أعضاء الفريق من قبل برنامج ناسا ما بعد الدكتوراه وبرنامج العالم المشارك لمختبر علوم المريخ. يوجد أرشيف البيانات من تجارب SAM في نظام بيانات الكواكب (pds.nasa.goc).


 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات