اكتشاف تغيرات في الأطوار الكمومية باستخدام النترونات والقليل من الذهب

عندما تتغيّر أطوار المادة من الحالة الصلبة إلى الحالة السائلة وإلى الحالة الغازية، تدعى هذه التغيرات بتحولات الأطوار phase transition. من بين أكثر التغيرات إثارة للاهتمام تغيرات أشد غرابة، ألا وهي تحولات الاطوار الكمومية quantum phase transitions حيث يمكن حينها للخصائص الغريبة لميكانيكا الكمّ أن تؤدي إلى تغيرات تفوق العادة بطرق غريبة.

في ورقة نشرتها مجلة Physical Review Letters، قدّم فريقٌ من الباحثين التابعين لقسم الطاقة في مختبر أوك ريدج الوطني تقارير عن اكتشافهم لنوع جديد من تحولات الأطوار الكمومية. ويحدث هذا التحول الفريد من نوعه عند نقطة حرجة كمومية مرنة quantum critical point، ما يمكن اختصاره بالرمز QCP، ولا يحدث تحول الطور هنا مدفوعًا بالطاقة الحرارية، بل يحدث ذلك بسبب التقلّبات الكمومية للذرات نفسها.

استخدم العلماء مزيجًا من النيوترون وتقنيات حيود الأشعّة السينيّة، إلى جانب قياسات السعة الحرارية، وذلك للكشف عن كيفية العثور على النقطة الحرجة الكمومية في مواد مؤلفة من اللانثانيوم والنحاس وذلك عبر إضافة مقدار قليل من الذهب. 
 
اكتشف الباحثون من مختبر أوك ريدج الوطني  Oak Ridge National Laboratory نوعًا جديدًا من النقاط الحرجة الكمومية، وهي طريقة جديدة تتحول بها المواد من حالة إلى أخرى. الباحثون كما في الصورة من اليسار: ليك بودل Lekh Poudel وأندرو كريستيانسن Andrew Christianson، وأندور ماي Andrew May. حقوق الصورة: ORNL/Genevieve Martin
اكتشف الباحثون من مختبر أوك ريدج الوطني Oak Ridge National Laboratory نوعًا جديدًا من النقاط الحرجة الكمومية، وهي طريقة جديدة تتحول بها المواد من حالة إلى أخرى. الباحثون كما في الصورة من اليسار: ليك بودل Lekh Poudel وأندرو كريستيانسن Andrew Christianson، وأندور ماي Andrew May. حقوق الصورة: ORNL/Genevieve Martin
 
كما تحدث تحولات الأطوار المرافقة للنقاط الحرجة الكمومية بالقرب من الصفر المطلق (حوالي -460 درجة فهرنهايت)، وعند هذه الدرجة من الحرارة عادة ما يحدث هذا التحول بسبب عوامل كالضغط، والحقول المغناطيسية، أو من خلال استبدال مواد كيميائية أو عناصر كيميائية بأخرى في المادّة.

يقول ليك بودل Lekh Poudel، باحث رئيسي وخرّيج من جامعة تينيسي، يعمل في قسم المواد المكثفة الكمومية Quantum Condensed Matter Division التابع لمختبر أوك ريدج الوطني: "ندرس النقاط الحرجة الكمومية وذلك لأن المواد تبدي العديد من السلوكيات الغريبة والمثيرة للاهتمام حين تتغير الأطوار بالقرب من الصفر، ولا يمكن تفسير ذلك باستخدام الفيزياء الكلاسيكية. وكان هدفنا هو استكشاف احتمالية وجود نوع جديد من النقاط الحرجة الكمومية حيث تغيّر الحركة الكمومية ترتيب الذرّات".

ويضيف ليك: "وتم التنبؤ بوجودها نظريًا، ولكن لا يوجد أي دليل تجريبي على ذلك حتى الآن، ونحن أول من أسس لوجود النقاط الحرجة الكمومية المرنة فعليًا".

إلى جانب ذلك، يذكر أندرو كريستيانسن Andrew Christianson وهو عالمُ معدات في مختبر أوك ريدج: "تعد دراسة تحولات الأطوار الكمومية جزءًا من جهود أعظم لدراسة المواد الكمومية هي مرحلة ابتدائية لتوليد أطوار كمومية جديدةٍ للمادة، وفي هذا السياق، نحاول دائمًا معرفة أشكالٍ جديدةٍ من تحولات الأطوار الكمومية إذ إنها إحدى الطرق التي يمكننا بها العثور على سلوكيات ميكانيكية كمومية جديدة في المواد".

ولفهمٍ أفضلَ للسلوك الفريد من نوعه للمواد المؤلفة من الذهب والنحاس واللانثانيوم، استخدم الفريق أداة مقياس حيود خصائص المسحوق النيترونية Neutron Powder Diffractometer في مفاعل النظائر عالية التدفق HFIR High Flux Isotope Reactor في ORNL– مكتب مرافق مستخدمي العلوم في وزارة الطاقة الأمريكية DOE Office of Science User Facility- لمعرفة خصائص بنية المادة، عبر إضافة المزيد من الذهب لهذا المركب عبر القياسات المتتالية.

يقول بودل: "سمحت لنا النيوترونات بالحصول على نظرة عن كثب داخل المادة عند درجات الحرارة المنخفضة لمشاهدة موقع الذرات وكيف كانت تتصرف".

وكان الباحثون على علم مسبق أنه ودون وجود الذهب سيخضع مزيج النحاس- لانثانيوم لتحول في الطور بجوار درجة 370 فهرنهايت تقريبًا حيث تتغير بنية النظام البلورية بفعل التبريد. ولكن لدى إضافة المزيد من الذهب، تنخفض درجة حرارة التحول تدريجيًا. وتابع باول وفريقه إضافة المزيد من الذهب حتى أصبحت درجة حرارة التحول بالقرب من الصفر المطلق".

يضيف بودل: "ولأن ذرات الذهب تمتلك أنصاف أقطار ذرية أكبر من تلك التي للنحاس، فعند إضافة الذهب إلى المادة، تكبح البنية البلورية غير المتطابقة للذرات داخل البنية البلورية تحول الطور ليحدث عند درجة حرارة أكثر انخفاضًا عبر التأثير على الهيكل الداخلي للبنية. وبالقرب من درجة الصفر، حيث لا تلعب الطاقة الحرارية أي دور في حدوث تحول الطور، يصبح بإمكاننا رؤية تأثيرات التقلبات الكمومية من خلال حركة الذرات".

أجرى العلماء إلى جانب ذلك قياسات للسعة الحرارية، والتي بينت كمية الحرارة اللازمة لتغيير درجة حرارة المادة بضع درجات و قدمت معلوماتٍ حول التغيرات التي تحدث في المواد. 

يذكر أندرو ماي، باحث في قسم تكنولوجيا وعلوم المواد في مختبر أوك ريدج الوطني: "والأهم من ذلك، تظهر النتائج مجتمعةً أنّ هذا هو النموذج الأول عن احتمال وجود نقطة حرجة كمومية مرنة حيث لا توجد أية صلة بين مجالات الطاقة الالكترونية والتغيرات الكمومية".

"هذه النقطة الحرجة الكمومية المرنة في مزيج من اللانثانيوم والنحاس والذهب هي مثال تام حيث يمكن للسلوك الأساسي لهذه النقاط الحرجة أن يُدرس بعيدًا عن تعقيد شحنات الإلكترونات، الأمر الذي قد لا يكون ممكنًا في أمثلة أخرى من النقاط الحرجة الكمومية". وفقًا لما ذكره بودل، ويتابع حديثه: "والآن قد وعثرنا عليها، بإمكاننا دراسة المزيد من هذه التغيرات المجهرية عن كثب والتي تؤدي إلى هذه التحولات في الأطوار الكمومية ويمكننا تطبيق تقنيات أخرى للحصول على المزيد من النتائج العميقة حول هذه السلوكيات المدهشة".

ضمن البحث، يذكر ديفد ماندروس David Mandrus وهو عضوٌ بجامعة تينيسي ومختبر أوك ريدج الوطني: "يعد هذا العمل مثالًا رائعًا للتعاون بين جامعة تينيسي ومختبر أوك يدج لإنتاج علومٍ من الطراز الأوّل وإعطاء فرصة دراسية منقطعة النظير لطلاب الدكتوراة ذوي الحماس العالي. وقصص نجاح كهذه ستساعد في جذب المزيد من المواهب الشابة إلى الجامعة، الأمر الذي يصبّ في مصلحة جامعة تينيسي والمختبر في وقت واحد".

الباحثون المشاركون بالورقة العلمية هم: ليك بودل Lekh Poudel، أندرو ماي, Andrew F. May، مايكل كولر Michael R. Koehler، مايكل ماغواير Michael A. McGuire، سيكات مكوبادي Saikat Mukhopadhyay، ستوارت كالدر Stuart Calder، راين باومباتش Ryan E. Baumbach، روبام موكرجي Rupam Mukherjee، ديبالك سابكوتا Deepak Sapkota، كلارينا ديلاكروز Clarina dela Cruz، ديفد سينغ David J. Singh، ديفد ماندروس David Mandrus، أندرو كريستنسن Andrew D. Christianson.

قُدمت مساهمات تكميلية من قبل قسم الفيزياء والفلك وعلم المواد والهندسة في جامعة تينيسي، وقسم الفيزياء والفلك من جامعة ميسوري، والمختبر الوطني للحقول المغناطيسية العالية في جامعة فلوريدا، ومختبر آرغون الوطني لمصادر الفوتون المتقدمة، التابع بدوره لوزارة الطاقة الأميركية، مكتب مرافق مستخدمي العلوم. 

يدعم المكتب العلمي التابع وزارة الطاقة الأميركية هذا البحث، ومركز أبحاث آفاق الطاقة S3TEC، إلى جانب مؤسسة العلوم الوطنية.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات