فيزيائيون يصنعون غيومًا باستخدام مادة كيميائية تستخرج من الأشجار

 حقوق الصورة: ( Greg Lundeen/ Wiki Commons)

تجربةٌ جديدةٌ ترصد الكيفية التي ستغير بها الغيوم طريقة تفكيرنا في التغيير المناخي. 


لعقودٍ من الزمن، اعتقد العلماء أن الجسيمات الدقيقة التي تشكل الغيوم - وتلعب دورًا كبيرًا في إبقاء الكوكب رطبًا- كانت تنتج كتأثيرٍ جانبيٍّ غير متوقعٍ للتلوث.


في حين أنه كان اعتقادنا أنَّنا كنا نثقل كاهل الغلاف الجوي بإطلاقنا كمياتٍ كبيرةٍ من غازات الاحترار فيه ونقوم بتسخين الأمور، فقد ساد الاعتقاد أيضًا بأن بعض هذه الجسيمات -على الأقل- كانت تُحتجز داخل الغيوم وتساعد في منع ذلك الاحترار من أن يصبح أكثر كارثيةً، إلا أنَّ دراسةً نُشرت سابقًا في مجلة نيتشر Nature -والتي تفحص بصورة أكثر إمعانًا هذه الجسيمات الدقيقة- وجدت أنه من الممكن إنتاجها بشكلٍ طبيعي، الشيء الذي سيساعدنا على فهم إلى أي مدى كان العالم غائمًا قبل أن نبدأ بتلويثه، مما يعد جوهريًا لاستخلاص معدل احترار كوكبنا.
لغزٌ سحابي
تعترف الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ Intergovernmental Panel on Climate Change واختصارًا (IPCC) بالهباء الجوي على أنه أكبر مصدرٍ مشكوكٍ فيه للتغيير المناخي الذي سببه الإنسان. 


جزء من المشكلة هو عدم امتلاكنا لأي طريقةٍ تمكننا من قياس إلى أي مدى كان الكوكب غائمًا في الفترة التي سبقت العصر الصناعي. 


بفضل عدم اليقين هذا، وبالرغم من قياساتنا الدقيقة لآثار غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن أنشطة الإنسان على المناخ، فإن التخمينات بخصوص التغيير المُناخي المتوقع حدوثه قد أضافت نطاقًا واسعًا من الأرقام للاحترار المتوقع، وهذه الأرقام لم تتغير منذ 35 سنةً مضت. 

 

حقوق الصورة: adrianolczyk/ DeviantArt
حقوق الصورة: adrianolczyk/ DeviantArt


تتنبأ النماذج أنه إذا ما تضاعفت نسبة ثنائي أوكسيد الكربون خلال القرن القادم، سترتفع درجة حرارة الكوكب لتبلغ 40 درجة فهرنهايت بدل 35 درجة فهرنهايت الحالية (من 1.6 إلى 4.4 درجة سيلسيوس)، وهو فارقٌ حاسمٌ ينبغي أخذه بعين الاعتبار إبّان التحضير للمستقبل.


إذاً ما هي قصة الهباء الجوي؟ 
يبدو أن هناك مصدران للجسيمات:
1ـ جسيمات هباء مباشرة: تنتج عن الغبار، أو رذاذ ملح البحر، أو حرق الكتلة الحيوية.
2ـ جسيمات هباء ثانوية: تتشكل عندما يتحول الغاز إلى جسيم (وهذا النوع من الجسيمات هو الذي يهم علماء الدراسة الجديدة).
بخلاف ما يحدث مع جسيمات الهباء المباشرة، فإن تحول الغاز إلى جسيمات يحصل في كل مكان، ونتيجةً لذلك، فإن أكثر من نصف مجموع بذور الغيوم في الغلاف الجوي هي جسيمات الهباء الثانوية! 
هنا يصبح الأمر معقدًا، إلى الآن اعتقد العلماء أنَّ حمض الكبريتيك - والذي ينتج بشكلٍ رئيسيٍّ عن انبعاثات الوقود الأحفوري (السيارات، المصانع... إلخ) كان ضروريًا لتشكيل الهباء الثانوي، ولكن في هذه الدراسة الجديدة، تبين مجموعة من العلماء أن الأرض يمكن أن تنتج هذه الجسيمات دون أي مساعدةٍ من البشر. عوضًا عن ذلك، تصنع من مزيج من أبخرة الشجر وجسيمات فعالة جدًا والتي تمطر غلافنا الجوي من الفضاء الخارجي وتدعى الأشعة الكونية.
نقل موقع بزنس انسايدر Business Insider عن جاسبر كيركبي Jasper Kirkby -وهو فيزيائي متخصص في الجسيمات من المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية European Organisation for Nuclear Research واختصارًا سيرن (CERN) والمبتكر والمتحدث الرسمي باسم فريق تجربة كلاود CLOUD- قوله: "وجدنا أن الطبيعة تنتج الجسيمات دون أن ينتج عن ذلك تلوث، وذلك سيتطلب إعادة تفكير في الكيفية التي زادت فيها النشاطات البشرية من الهباء في السحاب". 
ولتقدير إلى أي مدى سيصل احترار الكوكب، يلاحظ العلماء المقدار الذي ستبلغه حرارة الكوكب مع ازدياد غاز ثنائي أوكسيد الكربون، ووجود غيوم كثيفة في الفترة التي سبقت العصر الصناعي - وهو أمر تلمِّح إليه الدراسة الجديدة- مما سيعني احترارًا أقل.
وبأخذ ذلك بعين الاعتبار، فإن التقديرات الحالية حول احترار الأرض المتوقع في القرن الواحد والعشرين يمكن أن تصبح أكثر وضوحًا، وحتى أنَّها يمكن أن تنخفض بعض الشيء.
أحلام يقظة
الغرفة السحابية حيث يجري العلماء قياساتهم لتجربة كلاود CLOUD - وهو اختصار باللغة الإنكليزية لعبارة "القطرات التي يخلفها الكون في الهواء الطلق" في سيرن (CERN)- هي حجرةٌ بعرض ثلاثة أمتارٍ مصنوعةٌ من الفولاذ الصامد، ولكن داخل هذه الحجرة يستعمل العلماء الأبخرة لإعادة إنتاج أجزاء من الغلاف الجوي الأرضي، ويقومون بحقن أشعة فوق بنفسجية في قمة الحجرة لمحاكاة أشعة الشمس. 
والحجرة هي في الواقع أنظف حجرة سحابية في العالم، وهو أمرٌ هامٌ لأن التجربة تتطلب الحساسية لرصد الأبخرة الخفيفة جداً والمسؤولة عن تشكيل جسيمات الهباء، والتي توجد في حوالي واحد من ترليون جزيء.

قال كيركبي: "لم يسبق أن قام أحدٌ بذلك من قبل، باستثناء في تجربة كلاود. لقد وظفنا خبرة ومعرفة وعناية سيرن في تشييد هذه الحجرة، إذ أن القيام بتشييد حجرةٍ كبيرةٍ والحفاظ على نسبة الملوثات فيها تحت واحد في ترليون جزيء، هو أمرٌ يقع مباشرةً على تخوم عالم التقنيات". 
قام العلماء بتوجيه حزمةٍ من الأشعة الكونية الصنعية من مسرّع الجسيمات الخاص بسيرن في الحجرة لدراسة آثار أيونات الشعاع الكوني على معدل تشكّل جسيمات الهباء، وقد وجدوا أنَّ جسيمات الهباء تتشكل بمعدلٍ أكبر بعشرة إلى مئة أضعاف إذا كان أيون من الشعاع الكوني في مركز الكتلة، وذلك للمساعدة على استقرارها. 
قال كيركبي: "منذ زمنٍ بعيدٍ جدًا، كان للطبيعة طريقتها المثالية في صنع بذور السحاب داخل الغلاف الجوي، من خلال عملية تحويل الغاز إلى جسيمات، وهذا أمر جديد. فقد ساد الاعتقاد سابقًا بأنَّ الأمر تطلب حمض الكبريتيك وأن هذا الحمض الكبريتيكي يخضع لتأثير النشاطات البشرية".
ما يعنيه هذا:
إحدى نتائج هذه الدراسة، هي أنّ العلماء سيتمكنون من وضع تقديراتٍ أكثر دقةً حول الاحترار المستقبلي في القرن الواحد والعشرين، وسوف تمكن هذه الدراسة أيضًا من إنقاص هذه التقديرات قليلًا، بحيث ينخفض متوسط قيمتها بعض الشيء كما جاء على لسان كيركبي.
ونتيجة أخرى لهذه الدراسة، هي أن ملاحظات قابلية مناخ الشمس للتغير في المناخ ما بعد الصناعي، يمكن شرحها بتأثير الأشعة الكونية المجرية، والتي يمكن أن تكون مصدرًا طبيعيًا للتغير المناخي بما أنَّ تدفق الجسيمات التي تهطل في الغلاف الجوي يتغير وفقًا للنشاط الشمسي.
إذا كان الأمر كذلك، أضاف كيركبي، فإن للأرض سجلات ممتازة لهذه الأشعة الكونية تعود لمئات الآلاف من السنين بفضل آثار النظائر المشعة التي تخلفها في قوالب الجليد.
وعلى الرغم من أنَّ تأثير هذه الأشعة الكونية صغيرٌ جدَّا اليوم بسبب تأثير التلوث، فإنها قد تكون قد لعبت دورًا رئيسيَّا في الفترة التي سبقت العصر الصناعي. 
قال كيركبي: "الأثر البشري لن ينتهي، فالحرارة سوف تواصل الارتفاع وسيحدث الاحترار، إلا أنَّنا الآن بعد أن حصلنا على هذه النتيجة الهامة التي ستحدد بدقةٍ جو الفترة التي سبقت العصر الصناعي، سوف تعطينا نتائج أكثر تحديدًا وتقلص نطاق تنبؤاتنا".


 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات