كيف تبني برمجياتٍ حاسوبيةً أسرع بـِ 50 مرّة

هذه الصورة هي جزءٌ صغيرٌ من إحدى مخرَجات المحاكاة الكونية كوانتينيم كيو Q continuem، تُطوّر المحاكاة الكاملة أكثر من نصف تريليون جسيم. وستُمكّن أنظمة إكساسكيل exascale الباحثين من إجراء محاكاة متطوّرة كهذه بهدف إلقاء المزيد من الضوء على المكوّنات الرئيسية التي تُشكّل كوننا.


حقوق الصورة: Hardware/Hybrid Accelerated Cosmology Code (HACC) team


تخيّل لو استطعت حلّ مشكلةٍ ما على نحوٍ أسرع بـِ 50 مرّة مما تستطيعه الآن. مع هذه القدرة ستتوصّل إلى إجاباتٍ لأكثر المشاكل تعقيدًا بشكلٍ أسرع من أيّ وقتٍ مضى.

يريد الباحثون العاملون على مشروع الحوسبة إكساسكيل Exascale Computing Project [1] أو اختصارًا ECP التابع لوزارة الطاقة الأمريكية DOE جَعْل هذه القدرة حقيقةً واقعة، من خلال إنشاء أدواتٍ وتقنياتٍ للحواسيب الفائقة ذات القدرات الحاسوبية بنطاق إكسافلوبس وهي أنظمة حاسوبية أسرع بـِ 50 مرّة على الأقل من تلك المستخدمة اليوم. ستُعزّز هذه الأدوات قدرة الباحثين على تحليل وتصوّر الظواهر المعقّدة مثل السرطان والمفاعلات النووية وهذا بدوره سيسرّع الاكتشافات العلمية والابتكارات.

إنّ تطوير طبقاتٍ من البرمجيات التي تدعم الأجهزة والتطبيقات وتربطهما معًا هو أمرٌ بالغ الأهمية بهدف جَعْل الجيل القادم من الأنظمة حقيقةً واقعةً.

يقول راجيف ثاكور Rajeev Thakur عالم الحاسوب في مختبر أرغون الوطني Argonne National Laboratory التابع لوزارة الطاقة الأمريكية ومدير تقنية البرمجيات المتعلقة بمشروع الحوسبة إكساسكيل: "لا بدّ أن تكون بيئات هذه البرمجيات قوية ومرنة بما يكفي للتعامل مع مجموعةٍ كبيرةٍ من التطبيقات وأن تكون متكاملةً بشكلٍ جيد مع الأجهزة والبرمجيات التطبيقية بحيث تستطيع هذه التطبيقات أن تشتغل وتعمل بطريقةٍ سلسة".

ويتعاون الباحثون في قسم الرياضيات وعلوم الحاسوب في أرغون مع زملاءٍ لهم من خمسة مختبراتٍ وطنية أساسية أخرى تابعة لوزارة الطاقة الأمريكية خاصّة بمشروع الحوسبة إكساسكيل وهي: لورانس بيركلي lawrence Berkeley ، ولورانس ليفمور lawrence livemore، وسانديا Sandia، وأوك ريدج Oak Ridge، ولوس ألاموس Los Alamos، بالإضافة إلى مختبراتٍ وجامعاتٍ أخرى.

ويتمثّل هدفهم في خَلْق تقنياتٍ برمجية جديدة والتكيُّف مع الحالية بهدف العمل عليها ضمن نطاق قدرة حاسوبية تُقاس بالإكسافلوبس وذلك بالتغلُّب على التحديات الموجودة في مجالاتٍ رئيسية مثل الذاكرة والطاقة والمصادر الحاسوبية.

نقطة التحقُّق/ إعادة التشغيل Checkpoint/restart يقود عالم الحاسوب فرانك كابيللو Franck Cappello من مختبر أرغون مشروع الحوسبة إكساسكيل والذي يركّز على نقطة تحقُّق/ إعادة تشغيل متقدمة، وهي آليةٌ دفاعيةٌ لتحمُّل الفشل الذي قد يحدث عند تشغيل التطبيقات.

يقول كابيللو: "بالنظر إلى حجم التعقيد، فإن الأخطاء في الأنظمة عالية الأداء ظاهرةٌ شائعة ومتكررة الحدوث والبعض منها يؤدي إلى الفشل الذي قد يسبّب بدوره العطل المفاجئ للتطبيقات المتوازية parallel applications". ويضيف: "إنّ العديد من تطبيقات ECP لديها بالفعل ميزة نقطة التحقُّق/إعادة التشغيل، ولكن بما أننا نسعى للحصول على أنظمةٍ أكثر تعقيدًا بقدرةٍ حاسوبيةٍ تُقاس بالإكسافلوبس فنحن بحاجة إلى أساليب أكثر تطورًا.

 

بالنسبة لنا، هذا يعني توفير نقطة تحقُّق/إعادة تشغيل فعّالة وعملية لتطبيقات ECP التي تفتقر لها، وتزويد التطبيقات الأخرى بنقطة تحقُّق/إعادة تشغيل أكثر فعالية وقابلة للتطوير".

قاد كابيللو أيضًا مشروعًا يُركّز على تقليل الكمّ الكبير من البيانات التي تُنتجها هذه الآلات، فهذا المقدار من البيانات يجعل من تخزينها وإجراء التواصل بفعاليةٍ أمرًا مكلفًا.

يقول كابيللو: "نحن نطوّر تقنياتٍ من شأنها تقليل حجم البيانات بما لايقل عن 1/10. إلّا أنّ المشكلة تكمن في حاجتنا إلى إضافة هامشٍ للخطأ عند قيامنا بتقليل البيانات". ويضيف أيضًا: "يكون التركيز بعد ذلك في التحكُّم بهامش الخطأ، فنحن نريد التحكُّم في الخطأ بحيث لايؤثر على النتيجة العلمية في النهاية في حين تبقى عملية تقليل البيانات فعّالةً، وهذا يمثّل أحد التحديات التي نريد مواجهتها".

الذاكرة


يحتاج الباحثون فيما يتعلق بالمعلومات المخزَّنة على أنظمة إكساسكيل، ضوابطًا لإدارة البيانات في الذاكرة، والطاقة، ونوى المعالجة. يبحث بيتي بيكمان Pete Beckman عالم الحاسوب في مختبر أرغون عن أساليبٍ وطرقٍ لإدارة هذه العوامل الثلاثة من خلال مشروعٍ يُعرف باسم أرغو Argo.

يقول بيكمان: "إنّ كفاءة الذاكرة والتخزين لا بدّ لها من مواكبة الزيادة في المعدلات الحسابية ومتطلبات حركة البيانات التي ستوجد في أنظمة الإكساسكيل". ويضيف: "ولكن كيفية ترتيب الذاكرة في الأنظمة والتقنية المستخدَمة لذلك قد تغيَّرت أيضًا وأصبحت من عدّة طبقات، لهذا يجب علينا الأخذ في عين الاعتبار هذه التغيُّرات بالإضافة إلى أنه ينبغي علينا توقُّع الاحتياجات المستقبلية لهذه التطبيقات والتي ستستخدم هذه النظم والتصميم وفقًا لذلك".

مع الطبقات المضافة من الذاكرة إلى أنظمة الإكساسكيل، لا بدّ للباحثين من تطوير برمجياتٍ تكميليةٍ لتنظيم تقنيات الذاكرة هذه والتي من شأنها تمكين المستخدمين من التحكُّم المطلوب على العملية.

يقول بيكمان: "إنّ وجود الضوابط أمرٌ ضروري وذلك لأن المكان الذي تختاره لتخزين المعلومات يؤثر على سرعة استرجاعك لها".

الطاقة


درس كلًا من بيكمان والباحثين من مشروع أرغو موردًا رئيسيًا آخرًا وهو الطاقة. وعلى نحوٍ مماثلٍ للذاكرة، فإن طُرق تعيين مصادر الطاقة من شأنها تسريع أو إبطاء العمليات الحسابية في الأنظمة عالية الأداء. يهتمّ الباحثون بتطوير تقنياتٍ برمجية من شأنها تعزيز تحكُّم المستخدمين بهذه المصادر.

يقول بيكمان: "قد لا تكون حدود الطاقة في أعلى قائمة الاهتمامات عند التعامل مع أنظمةٍ أصغر، ولكن عند التحدث عن عشراتٍ من الميغاوات megawatts من الطاقة وهو أمرٌ سنحتاجه في المستقبل، فإن كيفية استخدام تطبيق ما لتلك الطاقة يصبح سمةً مهمة". ويضيف: "إنّ هدفنا هو تحقيق مستوى من التحكُّم والسيطرة من شأنه زيادة قدرات المستخدم مع الحفاظ على الكفاءة وتقليل التكاليف".

نوى المعالجة


هنالك حاجةٌ لوجود ضوابطٍ فائقة الدقة لإدارة النوى داخل نظام الإكساسكيل.

يقول بيكمان: "نواصل إضافة نوى معالجةٍ مع كل جيلٍ من الحواسيب الفائقة، ولكن يحتاج برنامج النظام الذي يجعلها تعمل إلى طرق لتقسيم وإدارة جميع النوى". ويضيف: "بما أننا نتعامل مع الملايين من النوى، فإن أيّ تعديلٍ بسيطٍ من شأنه أن يكون له تأثيرٌ هائلٌ على ما نحن قادرون على القيام به، مثل تحسين الأداء بنسبةٍ تتراوح من 2 إلى 3% وهذا يعادل قدرة الآلاف من أجهزة الحاسوب المحمولة على إجراء العمليات الحسابية".

ويتمثّل أحد المفاهيم التي كشف عنها بيكمان وزملاؤه الباحثون لإدارة النوى بشكلٍ أفضل في طريقة الحاويات containerization، وهي طريقةٌ لتجميع عددٍ محددٍ من النوى معًا ومعاملتها كوحدةٍ واحدةٍ أو بالأصحّ كحاويةٍ container يمكن التحكُّم بها بشكلٍ مستقلٍ.

يقول بيكمان: "إنّ الأدوات التي نملكها الآن للتحكُّم بالنوى ليست دقيقةً وهذا من شأنه جعل تنظيم مقدار العمل الذي تقوم به مجموعات النوى أمرًا صعبًا". ويضيف: "لكننا نستعير مفهوم الحاويات ونكيّفه على الحوسبة عالية الأداء بهدف مَنْح المستخدمين القدرة على العمل والسيطرة على كيفية استخدام هذه النوى بعنايةٍ أكثر وبشكلٍ مباشرٍ".

مكتبات البرامجيات


تعتمد التطبيقات على مكتبات البرمجيات، وهي مجموعة برمجياتٍ عالية الجودة وقابلةٌ لإعادة الاستخدام بهدف دعم عمليات المحاكاة والوظائف الأخرى. ويعمل باحثو أرغون على توسيع نطاق المكتبات الموجودة لجعل هذه الإمكانات متاحةً في أنظمة إكساسكيل.

يقول باري سميث Barry Smith عالِم الرياضيات في أرغون والذي يقود مشروعًا لتوسيع المكتبتين المعروفتين بيتسي PETSc وتاو TAO: "توفّر المكتبات قدراتٍ هامةً بما في ذلك حلولٌ للمشاكل العددية".

وتُستخدَم كلٌّ من بيتسي وتاو في المحاكاة العددية واسعة النطاق. ومكتبة بيتسي هي عبارة عن مكتبةٍ توفّر حلولًا لحساباتٍ عدديةٍ محدّدة. أما مكتبة تاو فهي مكتبة توفّر حلولًا لمشاكلِ التحسين واسعة النطاق، على سبيل المثال حساب الاستراتيجية الأكثر فعاليةً من حيث التكلفة لإعادة تعبئة قضبان الوقود في مفاعل نووي.

بالإضافة إلى توسيع نطاق مكتبات البرمجيات المتنوعة، يتطلّع علماء ECP إلى سبلٍ لتحسين جودتها وتوافقها.

يقول عالم الحاسوب لويس كورفمان مكلنس Lois Curfman Mclnnes من مختبر أرغون: "طُوّرت المكتبات تقليديًا بشكلٍ مستقلٍ، وكان من الصعب استخدام مكتباتٍ متعددةٍ معًا وذلك نظرًا للاستراتيجيات المختلفة المستخدَمة لتصميمها وتطبيقها. ولكن التطبيقات الكبيرة كتلك التي ستعمل في أنظمة إكساسكيل تحتاج إلى أن تكون قادرة على استخدام جميع الطبقات الموجودة في حزمة البرمجيات معًا".

وشارك مكلنس في مشروعٍ يُسمّى إكس إس دي كيه xSDK والذي يحدّد سياسات المجتمع بهدف تنظيم تطبيقٍ وتنفيذ حزم البرمجيات. وستُسهِّل سياساتٌ كهذه توافق المكتبات مع بعضها البعض.

يقول مكلنس: "هذه الجهود من شأنها تقريبنا خطوةً إلى تحقيق بيئة إكساسكيل قوية وسريعة من شأنها مساعدة العلماء في مواجهة التحديات الكبرى".

  • الحوسبة بنطاق الإكساسكيل: هي الحوسبة بقدراتٍ حاسوبية تقاس بالإكسافلوبس.
  • الإكسا exa: سابقة بمعنى 10 للقوة 18.
  •  فلوبس Flops: هو عدد عمليات الفاصلة العائمة في الثانية Floating-point operations per seconds.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات