مواد فلوريّة فائقة السّرعة تُسجِّل رقماً قياسيّاً جديداً

صورة بالمقياس النانوي تُظهر نظاماً فلوريّاً فائق السرعة وذلك باستخدام مجهر إلكتروني عاكس. يبلغ عرض المكعّب الفضي 75 نانومتر، وتنحصر النقاط الكموميّة (الظاهرة باللون الأحمر) بين المكعب الفضي وبين رقاقة الذهب.
المصدر: ميكن ميكيلسن Maiken Mikkelsen، جامعة ديوك.

 


تمكّن الباحثون من تطوير جهازٍ باعثٍ للضوء بسرعةٍ فائقةٍ جدّاً، يمكن تشغيله وإيقافه 90 مليار مرّة في الثانية. ممّا يُشكّل أساساً للحوسبة الضوئيّة. 

وتُعتبَر بطاريّة الهاتف الذكي، في أبسطِ صورةٍ لها، المحرّك والمشغّل لمليارات الترانزستورات، وذلك باستخدام إلكترونات يمكن تفعيلها وإيقافها مليارات المرّات في الثانية. ولكن إذا ما استطاعت الرقائق استخدام الفوتونات عوضاً عن الإلكترونات، فإنها ستجعل أجهزة الحاسوب تعمل بسرعة أكبر بكثير.

ولكن على المهندسين، أولاً، تصميم مصدرٍ للضوء يمكن تشغيله وإيقافه بسرعةٍ كبيرة. ويبدو الليزر مرشّحاً مثاليّاً تنطبق عليه هذه الشروط، لولا وجود مشكلتين أساسيتين تحولان دون استخدامه. أولاهما هي استهلاكه الكبير للطاقة، وثانيهما هي أنّه لا يُعتبَر عمليّاً بما يكفي لكي يُدمج في رقائق الحاسوب.

ولقد اقتربَ الباحثون في جامعة ديوك Duke University خطوةً جديدةً نحو إيجاد مصدر الضوء المطلوب؛ ففي دراسة جديدةٍ، قام فريق من كلية برات للهندسة Pratt School of Engineering بدفع النقاط الكموميّة (Quantum Dots) نصف الناقلة لتبعث الضوء بسرعةٍ تبلغ أكثر من 90 جيجا هرتز. ويدعى هذا الجهاز بالبلازمونيك (plasmonic)، وربما استخدم ذات يوم في رقاقات الحوسبة الضوئيّة، أو في الاتّصال الضوئي بين الرقاقات الإلكترونيّة التقليديّة. وقد نشرت هذه الدراسة بتاريخ 27 تموز على شبكة الإنترنت في موقع مجلة Nature Communications. 

تقول ميكن ميكيلسن Maiken Mikkelsen، وهي أستاذةٌ مساعدةٌ في الفيزياء وفي الهندسة الإلكترونيّة وهندسة الحاسوب في جامعة ديوك: "إن هذا أمرٌ رغب المجتمع العلمي في تحقيقه منذ مدّةٍ طويلةٍ. فقد صار بوسعنا الآن التفكير في صنع أجهزة التحويل ذات السرعة العالية جدّاً، وذلك اعتماداً على هذه الدراسة؛ لذا فنحن نشعر بالكثيرِ من الحماسة حيال هذا النموذج".

وقد سُجّل الرقم القياسي في السرعة باستخدام البلازمونيك، فعندما نسلّط ضوء الليزر على سطح مكعب من الفضة يبلغ عرضه 75 نانومتر فقط، فإن الإلكترونات الحرّة على سطحه ستبدأ بالتذبذب معاً على شكل موجة، وستشكّل هذه الذبذبات ضوءاً خاصاً بها سيتفاعل مرّةً أخرى مع الإلكترونات الحرة، ويطلق على الطاقة المحاصرة في سطح المكعب النانوي بهذه الطريقة اسم البلازمون plasmon.

من اليسار غليب أكسليرود، ميكن ميكيلسن، تشانغ هوانغ. المصدر: جامعة ديوك.
من اليسار غليب أكسليرود، ميكن ميكيلسن، تشانغ هوانغ. المصدر: جامعة ديوك.


يُشكّل البلازمون مجالاً كهرومغناطيسيّاً كثيفاً بين سطح المكعّب النانوي وبين رقاقة الذهب المتموضعة على بعد 20 ذرة. ويتفاعل هذا المجال مع النقاط الكموميّة المحصورة بين المكعب النانوي والذهب (والنقاط الكموميّة هي مجالات من مادّة نصف ناقلة يبلغ عرضها 6 نانومتر). وفي المقابل، تُنتج النقاط الكمومية انبعاثاتٍ فعالةً ومباشرةً من الفوتونات التي يمكن تشغيلها وإطفاؤها بسرعة عاليةٍ تبلغ 90 غيغا هرتز. 

ويقول غليب أكسليرود Gleb Akselrod، باحث ما بعد الدكتوراة في مختبر ميكيلسن: "هناك اهتمامٌ كبيرٌ باستبدال المصابيح الكهربائية بالليزر، واستخدام الاتصال الضوئي قصير المدى عوضاً عنها، ولكن لطالما واجهت هذه الفكرة عدّة عوائق منها بطء معدل انبعاث الضوء في مواد الفلوريسنت fluorescent materials. بالإضافة إلى نقص الكفاءة وعدم القدرة على توجيه الفوتونات". ويكمل أكسليرود كلامه فيقول: "لقد حققّنا الآن خطوةً مهمّةً في سبيل حل كل هذه المشاكل".

ويكمل تشانغ هوانغ Thang Hoang، وهو أيضاً باحث ما بعد الدكتوراة في مختبر ميكيلسن، حديث زميله فيقول: "الهدف النهائي بالنسبة إلينا هو دمج التكنولوجيا التي بحوزتنا في جهاز يمكن تحريضه إما ضوئيّاً أو كهربائيّاً، وهذا شيء سيدفع الناسَ على ما أعتقد، بمن فيهم الجهات المموّلة، كي يعملوا من أجل تحقيقه وإنجازه".

ويعمل الباحثون الآن على استخدامِ هيكلٍ بلازموني بهدف خلق أو توليد مصدر انبعاثٍ أحادي الفوتون، وهو ضروريّ لتحقيق اتصال كمومي آمن للغاية، وذلك عن طريق حصر نقطة كموميّة واحدة في الفجوة بين المكعب النانوي وبين رقاقة الذهب. كما أنهم يحاولون وضع النقاط الكمومية بدقةٍ وتوجيهٍ عاليين لإنشاء أكبر معدّلات ممكنة من السرعة في المواد الفلورية .

وبغضِّ النظر عن نتائجه المحتملة في مجال التكنولوجيا، يوضّح هذا البحث أن المواد المعروفة بشكل جيّد ليست بحاجة إلى أن يتم تحديدها والاستدلال عليها بواسطة خواصها الأصيلة.

ويقول ميكيلسن: "من خلال ضبط البيئة المحيطة بالمادة، كما فعلنا مع نصف الناقل، نستطيع خلق مواد ذات تصميم جديد تحتوي تقريباً جميع الخواص الضوئية التي ننشدها. وهذا بالفعل يعد مجالاً ناشئاً قابلاً للتطور من الممتع التفكير فيه ".

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات