الأمواج الثقالية: هل أخطأ أينشتاين؟ أم لا نمتلك حالياً القدرة على رصدها؟

تصور للأمواج الثقالية الصادرة عن اثنين من الثقوب السوداء فائقة الكتلة التي تدور حول بعضها.


حقوق الصورة: كاتب المقال.


النجوم النيوترونية (Neutron stars) -بقايا نجمية ميتة ناتجة عن احتراق نجوم مُعمرة- واحدةٌ من أكثر الأجسام تطرّفاً في الكون. يعادل وزن هذه الأجسام وزن الشمس كاملةً، لكنها صغيرة كفاية لتُوضع داخل حي الأعمال المركزي في سيدني، وهي تدور حتى 700 دورة في كل ثانية. تخيّل الأمر: نجم كامل يدور بسرعة أكبر من سرعة دوران أسرع خلّاط مطبخ!.


يعرف علماء الفلك بضعة آلاف من النجوم النيوترونية، لكن أحدها على وجه الخصوص مميز جداً. وكجزء من مصفوفة باركز لرصد توقيت النجوم النابضة Parkes Pulsar Timing Array (أو مرصد باركز-نسبة إلى مدينة باركز الأسترالية)، نرصد النجم النابض j1909-3744 باستخدام تلسكوب CSIRO الراديوي على مدار 11 عاماً.


وخلال هذه المدّة، أحصينا كل واحدة من الدورانات التي أجراها النجم النيوتروني، والتي يبلغ عددها 116 مليار دورة (وبشكلٍ أكثر دقة 115,836,854,515). حيث نعلم دور [1] (period) الدوران لهذا النجم بدقّة تصل حتى 15 خانة عشريّة، جاعلاً منها حقّاً واحدة من أكثر الساعات دقّة في الكون.


لكن وكما برهنا في ورقة علميّة نُشرت في مجلة العلوم Science، فإنّه لم يكن من المفترض أن يجري الأمر على هذا النحو. كان من المفترض أن تُدمر الأمواج الثقالية (gravitational waves)، الناجمة عن جميع الثقوب السوداء في الكون، الدقّة الزمنية لهذا النجم النابض، لكنّها لم تفعل.


قد استخدمنا تلسكوب باركز لمراقبة نجم نابض عن كثب بحثاً عن إشارات تدل على تجاوز الأمواج الثقالية. حقوق الصورة: CSIRO، Author provided
قد استخدمنا تلسكوب باركز لمراقبة نجم نابض عن كثب بحثاً عن إشارات تدل على تجاوز الأمواج الثقالية. حقوق الصورة: CSIRO، Author provided


 تصادمات هائلة


تتسبب الأمواج الثقاليّة في ضغط وتمدّد المكان، ما يُغير من المسافة الكائنة بيننا وبين النجم النيوتروني. الأمواج الثقالية التي كنا نبحث عنها كان من المفترض أن تغيّر تلك المسافة بحوالي 10 أمتار، وهي جزء صغير جداً إذا ما نظرنا إلى البعد الذي يفصل النجم النيوتروني عن الأرض والذي يُعادل \(10^{19}\) متر (أي 3.6 متبوعة بـ 19 صفرٍ!) لكن ذلك المقدار كافٍ لأن يظهر في قياساتنا.


إنّ حقيقة أن قياساتنا دقيقة جداً هو أمرٌ يُخبرنا بوجود شيء ما خاطئ في النظريّة. لا يعني ذلك أن الأمواج الثقاليّة غير موجودة، وإنما هناك جوانب أخرى لِفهمنا للكون ربما تكون هي العقبة. مهما كان حل هذا المأزق، فإنّه من المؤكد أنّه سيغيّر الطريقة التي نفهم عبرها الثقوب السوداء الأكثر ضخامةً في الكون.


يأوي مركز مجرتنا ثقباً أسود يزن أكثر من أربعة ملايين ضعف كتلة الشمس، لكن هذا الوزن قليل، فهناك مجرات أخرى تمتلك ثقوب سوداء يتجاوز وزنها 17 مليار ضعف كتلة الشمس. ولدينا سبب جيد للاعتقاد بأنّ معظم المجرات، إن لم تكن كلها، تحتوي ثقوباً سوداء فائقة الكتلة في مراكزها. نعلم أيضاً أنّ المجرات الموجودة في أرجاء الكون تنمو عبر الاندماج فيما بينها.


بعد اندماج أي مجرّتين، يتجه الثقبان الأسودان من المجرّات الأم نحو مركز المجرّة الإبنة ليشكلا ثقباً أسود فائق الكتلة من زوج ثنائي. وعند نقطة ما، فإن التطور اللاحق لهذا الزوج الثنائي يُهيمن عليه إصدار الأمواج الثقالية.

 

اندماج لمجرّتين كما صورهما تلسكوب هابل الفضائي. Wikimedia
اندماج لمجرّتين كما صورهما تلسكوب هابل الفضائي. Wikimedia


تموّجات في الزمكان


الأمواج الثقالية هي عبارة عن تموّجات في نسيج الزمكان، وهي نتيجة مباشرة لنظريّة النسبيّة العامة لأينشتاين، والتي احتفلنا بتاريخ مولدها المائة في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.


عندما يدور أي ثقبان أسودان حلزونياً حول بعضهما البعض، يتوجب عليهما إصدار أمواج ثقاليّة، التي تحمل الطاقة بعيداً عن النظام، ما يتسبب في جعل الثقوب السوداء تقترب أكثر من بعضها.


إنّ مجموع الثقوب السوداء الثنائيّة فائقة الكتلة الموجودة في الكون يجب أن ينتج خلفية من الأمواج الثقالية (بشكلٍ مشابه للخلفية الكونيّة الميكرويّة)، وهذه هي الخلفية التي كان من المُتوقع أن تُفسد دقّة قياسنا لتوقيت الـ PSR J1909-3744.


وضع علماء الفيزياء الفلكيّة عدداً من التنبؤات حول شدة الخلفية. تدمج هذه التنبؤات كلاً من القياسات المتطورة لتشكل مجرّة ما وتطورها مع النماذج النظريّة المتقدمة لكيفيّة تطور الكون بعد الانفجار العظيم (The Big Bang).


لماذا لا توجد أمواج ثقاليّة؟


نُريد أن نكون واضحين جداً في أنّ افتقادنا للكشف لا يعني بالضرورة أنّ نظريّة أينشتاين في النسبيّة خاطئة، ولا يعني أن الأمواج الثقالية غير موجودة. وفي حين لا نعرف الحل الحقيقي، لدينا بعضٌ من الأفكار.


ربما لا تحتوي كل مجرّة من مجرات الكون ثقباً أسوداً فائق الكتلة. حيث تخفيض نسبة المجرات التي تحتوي ثقوب سوداء في النماذج يؤدي إلى تخفيض المطال المُتنبئ به لخلفية الأمواج الثقاليّة (gravitational wave background)، ما قد يجعلها غير قابلة للكشف بواسطة عمليّات الرصد خاصتنا.


وقد نكون غير مدركين للعلاقة بين كتلة المجرّة المُضيفة وكتلة الثقب الأسود. حيث نستخدم علاقات تجريبيّة بين المجرّة وكتل الثقب الأسود لتحديد ذلك الأخير. وفي حين نعتقد أنّ هذا موثوق به في الكون المحلي، إلّا أنّ اندماجات الثقوب السوداء التي نُريد رصدها تحصل على بعد مليارات السنين الضوئيّة منا، حيث يكون فهمنا لهذه العلاقات التجريبية بعيد جدًا عن الاكتمال.


من الممكن أيضاً أن يكون أحد افتراضاتنا المتعلّقة بالعمليّة التي تقود الاندماجات بالغ التبسيط. فعلى سبيل المثال، إذا احتوت مراكز المجرّات كميّات كبيرة من الغاز، فإنّ ذلك قد يعمل كقوة احتكاك إضافيّة، مُسبباً اندماج الثقوب السوداء مع بعضها البعض بسرعة أكبر من المتوقع، ولكان ذلك سيسبب أيضاً مطالاً أصغر من المتوقع لخلفية الأمواج الميكرويّة.


في الوقت الحالي، كلٌ من هذه السيناريوهات معقول على حد سواء. والاستمرار في عمليات الرصد للنجوم النابضة، إضافةً إلى رصد الكون البعيد بالاعتماد على التلسكوبات البصرية الكبيرة قد يسمحا لنا قريباً بالتمييز بين هذه الأفكار. ويوماً ما، قد نكتشف الدليل المباشر على وجود الأمواج الثقالية التي نبحث عنها.


ملاحظات


 [1] الدور period: مقدار يصف المدّة الزمنيّة التي يتكرر خلالها حدث معيّن ويقدّر بالثانية

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • الأمواج الثقالية (gravitational waves): عبارة عن تموجات في الزمكان، نشأت عن حركة الأجسام في الكون. أكثر المصادر التي تُنتج مثل هذه الأمواج، هي النجوم النترونية الدوارة، والثقوب السوداء الموجودة خلال عمليات الاندماج، والنجوم المنهارة. يُعتقد أيضاً بأن الأمواج الثقالية نتجت أيضاً عن الانفجار العظيم. المصدر: ناسا

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات