هل هناك أكوان موازية

هل يوجد هناك أكوان موازية؟ أكوانٌ تكون فيها نائمًا، بدلًا من قراءتك لهذه المقالة، تكون فيها أكثر سعادة، أو أقل سعادة، أو أكثر غنًى، أو أكثر فقرًا، أو ربما ميتًا؟ الإجابة هي: "ربما". يعتبر هذا الادعاء ادعاءً مختَلفًا عليه، ولكنه كسب عددًا متزايدًا من المتابعين على مدى العقود القليلة الأخيرة. 


يكمن أصل هذا التوازي في فيزياء الأجسام شديدة الصغر. طور الفيزيائيون في أوائل القرن الحادي والعشرين ميكانيكا الكم (Quantum mechanics) ليفهموا العالم على أصغر المقاييس. فتفترض النظرية أن الحقيقة في هذا العالم الصغير تكون مشوشة؛ فالجسيمات الصغيرة، كالإلكترونات على سبيل المثال، لا تحتاج إلى أن تكون إما هنا أو هناك، فيمكن أن تكون في عدة أماكن في نفس الوقت، كما أنها يمكن أن تمتلك خصائص أخرى بشكل متزامن، خصائص كنا لنعتبرها في وقت آخر على أنها حصرية ولا تشترك. عندما يحدث ذلك، يقول الفيزيائيون أن الجسيمات موجودة في وضع تراكب (Superposition) في حالات عديدة مختلفة.


تُظهر التجارب أن التراكب أمر حقيقي، حتى الجزيئات الكبيرة بحجم كرات البوكي -جزيئات البوكمينستر فوليرين-، والتي تتكون من 60 ذرة كربون، يمكنها حقًا أن تكون في عدة أماكن في ذات الوقت.

قد يأخذ منك الأمر عدة أنفاس عميقة لتستوعب الموضوع، ومن ثم سوف تسأل مباشرة ذلك السؤال الواضح "لماذا، عندما أنظر إلى جسيم ما، فإني أجده في مكان واحد فحسب؟" هذه هي "مشكلة القياس" المشهورة في ميكانيكا الكم. وكذلك، وبشكل أكثر إثارة، بما أننا جميعًا مكونون من جسيمات، فلماذا نتواجد نحن في مكان واحد فقط (كما هو واضح)؟ 


لا توفر ميكانيك الكم بذاتها إجابة لهذا السؤال، وأحد الاحتمالات الموجودة، هو أن النظرية نفسها لا تعطيك صورة كاملة عن الموضوع، وربما تكون هناك ميكانيكية أخرى في الطبيعة، ميكانيكية لم نفهمها بعد، ميكانيكية تجبر الواقع على التقاط حالة واحدة فقط من الحالات المتراكبة عندما نقوم بعملية قياس ما. قد يكون الواقع مشوشًا على المقاييس الأكثر صغرًا، ولكن عندما يقوم مختَبِرٌ ما أو أداة قياس ما بملاحظة الأشياء الأكبر، فإن الواقع يُجْبَرُ على اتخاذ طريق احدة فقط. يقول أدريان كينت Adrian Kent، وهو عالم فيزياء كمية في جامعة كامبريدج: "إذا ما ظننت أن هناك شيئًا ما إضافيًا، فإنك تقع في مشكلة وصف ماذا يمكن أن يكون هذا الشيء الإضافي؟" ويضيف: "كيف نصِفُهُ رياضيًا، كيف يمكن اختباره تجريبيًا؟ يمثل هذا السؤال أساس برنامج بحث كبير جارٍ الآن".


أخذ الرياضيات بشكل حرفي 


هناك احتمالية أخرى، وهي احتمالية تحتاج منك إلى نفس عميق آخر. قد تكون كل النتائج المحتملة لعملية قياس ما حقيقيةً كلّها: عندما تقوم بعملية القياس، لترى على سبيل المثال مكانَ الجسيم. ينقسم العالم إلى فروع مختلفة، في كل فرع منها، توجد نسخة منك ترى الجسيم في واحد من الأماكن المحتملة.


كان أول من اقترح فكرة "العوالم العديدة" هذه هو الفيزيائي هيو إيفرت Hugh Everett في أطروحته للدكتوراه، والمنشورة عام 1957. قد تبدو هذه الفكرة جنونية، ولكنها مؤصلة بالرياضيات التي تشكل الأساس لميكانيك الكم. لا توحي معادلاتُ ميكانيك الكم أن شيئًا ما مميزًا يجب أن يحدث عندما تقوم بعملية القياس، إذًا فلم لا تترك القياسات تأخذ مجراها، ومن ثم نرى ماذا سيحدث؟ يوضح دافيد والاس David Wallace، وهو عالم بفلسفة الفيزياء في جامعة أوكسفورد: "إنّ ما تخبرنا به الرياضيات هو أنه إذا ما كان جسيم ما في حالة تراكب مكونة من الحالتين A و B، فإن الشخص القائم بعملية القياس ينتقل إلى حالة تراكب مكونة من حالتين، يرى في إحداهما الجسيم في الحالة A، وفي الأخرى يرى فيها الجسيم في الحالة B"، وبذلك يتحول التراكب من تراكب مجهري (Microscopic superposition) إلى تراكب عِيانيّ (Macroscopic superposition).


مع أن الرياضيات لا تختار حالة بعينها -سواءً A أو B-، كما أنها لا تقوم بدمج الحالتين في حالة أخرى بحيث لا يمكن فهمها، إلا أن التعبير الرياضي الذي يصف الوضع يمكن فصله إلى جزأين يصف كل منهما عالمًا يرى فيه المختَبِرُ واحدًا فقط من الاحتمالين. إذا أخذت هذا المفهوم بحرفيته، فإنك لا بد وأن تُقرّ بأن الواقع قد انفصل.


الكون المتفرع


ولكن هل يكون الفيزيائي القائم بالقياس هو الأمرَ الوحيدَ الذي يتسبب في انفصال الواقع؟ الإجابة هنا هي لا. تعتبر عملية قياس نظام ما موجود في حالة تراكب تفاعلًا معه، كما أن هناك عمليات فيزيائية أخرى يمكن أن تتفاعل معه أيضًا؛ فعلى سبيل المثال، يمكن للإشعاعات الكونية أن تكون في حالة تراكب من حيثُ ذهابها في العديد من الاتجاهات المختلفة، فإذا كان واحدًا من هذه الاتجاهات مصوبًا نحو بلورة موجودة على الأرض، فإن اصطدام الشعاع بها سيترك أثرًا عليها، وبالتالي فإن البلورة سوف تقيس بكفاءة مكان الشعاع، وكذلك، بما أن الشعاع موجود في حالة تراكب يكون فيها مصوبًا نحو البلورة وغير مصوبٍ نحوها، فإن البلورة موجودة في حالة تراكب تمتلك البلورة فيها أثرًا للشعاع ولا تمتلك أثرًا له. وبهذا الفهم، كما يبين تفسير إفريت (Everett interpretation)، يكون الواقع قد انفصل.
 

قام الفيزيائي إرفين شرودنجر Erwin Schrödinger بتصميم التجربة الفكرية المشهورة، التي تكون فيها قطة موجودة في صندوق، وتكون هذه القطة في حالة تراكب مكونة من حالتين: حيةٍ أو غيرِ حية. بحسب تفسير إفريت، فعندما تقوم بفتح الصندوق وملاحظة القطة، ينقسم العالم إلى فرعين: تكون القطة في أحدهما ميتة، وفي الآخر حية. Image: Dc987
قام الفيزيائي إرفين شرودنجر Erwin Schrödinger بتصميم التجربة الفكرية المشهورة، التي تكون فيها قطة موجودة في صندوق، وتكون هذه القطة في حالة تراكب مكونة من حالتين: حيةٍ أو غيرِ حية. بحسب تفسير إفريت، فعندما تقوم بفتح الصندوق وملاحظة القطة، ينقسم العالم إلى فرعين: تكون القطة في أحدهما ميتة، وفي الآخر حية. Image: Dc987


مع وجود الحاجة إلى إزالة المراقب من المشهد، يمكنك تخيل لعبة التفرع هذه وكأنها مستمرة منذ بدء الدهر. يقول كنت :"-بحسب تفسير العوالم العديدة- فإن هذا الأمر ما زال جاريًا بدءًا من الانفجار العظيم. ربما بدأ الكون في حالة كمومية بسيطة، ولكنها سَرعان ما صارت في حالة تراكب للكثير من الوصوفات لهذا الكون، العديد من الهيئات للمجرات. ففي بعض هذه الفروع، تكون الأرض قد تكونت وفي بعضها الآخر لا تكون، وفي بعض الفروع التي تكونت فيها الأرض نكون قد تطورنا بشرًا، وفي بعضها الآخر لا نكون".


سعدت بمقابلتي


ولكن لماذا لسنا مدركين أبدًا لهذه النسخ الأخرى من أنفسنا؟ لماذا لا نرى قطُّ أشياءَ كبيرة كالثلاجات والناس في أكثر من مكان واحد في ذات الوقت؟ فكما هو ملحوظ، فإن تعبير إفريت الأصلي لم يستبعد هذا الأمر. كمبدأ، فإن الواقع قد ينفصل في الطريق الخطأ بحيث يرى المختبِرُ إلكترونًا في مكانٍ متوسط غريب على سبيل المثال. ولكن إفريت لم يأخذ العالم الخارجي بالحسبان، ففي الوقت الذي يتفاعل فيه الإلكترون مع العالم الخارجي، وبوجود الفوتونات أو الشعاعات الكونية محومة هناك، فإن أي تدخل قابل للإدراك بين الحالتين "الإلكترون في الموقع A" و"الإلكترون في الموقع B" سيتسرب إلى العالم الخارجي ويتبعثر. يمكن تشبيه الأمر بالموجات التي يتسبب بها حجر ألقي في بحيرة، والتي تتلاشى كلما انتشرت أكثر، فإن التداخل بين الحالتين يصير صغيرًا جدًا لدرجة يكون معها غير قابل للإدراك – ويرى المراقب فقط نتيجة واحدةً نهائية عندما ينظر للإلكترون. تحدث هذه العملية، والتي تدعى بـ"انعدام التماسك" (Decoherence)، بشكل سريع جدًا، خلال جزء من الثانية، ولذلك فلسنا مدركين لها أبدًا.


بما أن الناس والثلاجات تتفاعل مع عدد يفوق الحصر من الجسيمات طوال الوقت، فإن انعدام التماسك يسيّرُها بشكل محكم في عالم ذي مسار واحد؛ فهي إما هنا أو هناك. إذا كنت تتعامل مع شيء مجهري، كالإلكترون، فإنه يمكن أن تكون قادرًا على أن تعزله عن العالم الخارجي عزلًا كافيًا لتلاحظ التراكب. ولا يكون ذلك عن طريق ملاحظتها بشكل مباشر، ولكن عن طريق تركها وحدها، ومن ثم النظر إليها لترى علامات حكاية حُكيت تخبر عن التراكب الذي لا بد وأن يكون حدث، كانت هذه، بالضبط، هي الطريقة التي استخدمها العلماء والتي جعلتهم قادرين على تأكيد أن هذا التراكب موجود. يوضح والاس: "ولكن كلما كبر النظام، زادت صعوبة عزله عن البيئة الخارجية، وبالتالي تزداد صعوبة تحديد أن ما نملكه هنا هو حدثان متفاعلان، بدلًا من حدث واحد".


أيُّهم "أنا" الحقيقي؟


ماذا يعنينا في ذلك؟ يقول كينت: "بحسب رؤية إفريت، فإن كل الفروع متواجدة في الواقع، وهناك العديد من النسخ منك، وليس من المنطق أن تسأل أيٌ من هذه النسخ هو الحقيقي. توجد ديمقراطية بين هذه النسخ، وكل هذه النسخ موجودة بأحقية وجود متساوية. ستملك أنت نفس الذكريات -وكذلك الأمر مع كل النسخ الأخرى منك- وذلك حتى اللحظة التي تنفصل فيها. بعد ذلك قد يكون هناك فروق بسيطة بين النسخ منك، أو ربما -بعد بعض الوقت- يكون هناك فروق كبيرة."
 

هل ستتلاقى يومًا مع أحد ذواتك الآخرين
هل ستتلاقى يومًا مع أحد ذواتك الآخرين
يشير كينت -والذي يعد غير مناصر لتفسير العوالم العديدة- أيضًا إلى أن هذه الأمر له تبعات بليغة على سلوكك في الحياة. "من الممكن أن يجعلك ذلك شديد العدمية[1]، لأنه وفي نهاية المطاف، ما هو الهدف من القيام بمجهودات كبيرة؛ فعلى كل الأحوال، سينجح الأمر الذي تحاول فعله في بعض هذه الفروع، كما أنه يمكنك أن تكون مليئًا بالأسى؛ فكل مرة تقود فيها مركبتك على الطريق السريع، فإن القليل من التفرعات ستبدأ بالتلاشي لأنك تتحطم فيها وتموت. ويمكنك أيضًا أن تكرس حياتك لتكون مجتنبًا للمخاطر قدر الإمكان من أجل أن تحافظ على النسخ المستقبلية منك بقدر الإمكان. ويجدر بأولئك الذي يتخذون نظرة إيثارية للمجتمع، مائلين إلى الاشتراكية أو المساواتية، أن يتبنوا نفس تلك النظرة (المجتنبة للمخاطر) لأولئك الذين سيخلفونهم. بل إنك يجب أن تتشدد في تبنيك لتلك النظرة، وذلك لأن كل تلك النسخ هي أنت، وبالتالي فإن عليك واجبًا أخلاقيًا أقوى تجاههم، من أجل أن [تحافظ عليهم]".


قد لا يستهوي المنطقَ السليمَ تفسيرُ العوالم العديدة هذا ولكن مناصريه يولون تقديرًا لجماله العلمي؛ فهي تعتمد على الرياضيات الموجودة لميكانيكا الكم. لا تحتاج إلى أن تقترح وجود ذلك "الشيء الإضافي" الغامض، والذي يجعل الواقع يخرج من حالة التراكب إلى حالة واحدة نهائية. يقول والاس: "ليس هناك افتراض جديد، وليس هناك مبدأ فيزيائي جديد. هذا التفسير فقط هو ما ينبع من أخذنا للنظرية التي نملكها أصلًا ومعاملتها بجدية".


كل الناس ليسوا مؤمنين بذلك، كما لا يشمل ذلك الجنون الواضح لهذه النظرية. ففي النهاية، بدت العديد من النظريات جنونية عندما ابتكرت لأول مرة، أما الآن فلا يوجد فيزيائي معتد يلقي بالًا لهذا الأمر. ينتهي الأمر في النهاية إلى مشكلتين. بعض الناس، بمن فيهم كينت، لا يؤمنون بأن انعدام التماسك كافٍ لتفسير الانفصال الجميل للعالم إلى فروع بحيث يظهر العالم كما يظهر لنا الآن. هم قلقون أننا سنحتاج في النهاية إلى بعض الافتراضات الإضافية لنجعل من انعدام التماسك أمرًا فاعلًا.


المشكلة الثانية هي أن الرياضيات تعطي للفروع المختلفة من العالم ما يظهر وكأنه "احتمالات". ولكن، إذا كانت كل الفروع حقيقية بنفس النسبة، كيف يكون من المنطق أن نقول أن أحدها أكثر احتمالًا من الآخر؟ في تسعينيات القرن الماضي، جاء الفيزيائي دافيد دويتش David Deutsch بطريقة جذابة لنجعل من هذا الأمر منطقيًا: تخيل أنك تراهن على ذواتك المستقبليين. ولكن ربما نشرح هذا الموضوع في مقالة لاحقة.

ملاحظات:


[1] العدمية (Nihilism): موقف فلسفي يقول بأن الحياة كلها بما فيها الإنسان خالية من كل مضمون وعديمة القيمة.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات