كيف تعمل معادلة شرودينجر؟

في المقالة السابقة قدمنا معادلة شرودينجر (Schrödinger's equation) وحلها، والتابع الموجي الذي يحتوي كل المعلومات التي يجب معرفتها حول نظام كمومي ما. والآن، حان الوقت لرؤية المعادلة أثناء عملها عبر استخدام نظام فيزيائي بسيط جداً كمثال. سننظر أيضاً إلى ظاهرة غريبة أخرى تُعرف بالنفق الكمومي (quantum tunneling).

افترض أن لديك جسيماً يتحرك في بعدٍ واحد فقط إلى الأمام والخلف بين جداري صندوق، أي على طول محور السينات وبين جدارين غير قابلين للاختراق وموجودين عند x=0 وx=L، ولا وُجود لقوة تؤثر على الجسيم داخل الصندوق، ولذلك، فإن طاقته الكامنة صفر، أي\(V(x,t)=0\) حين يكون \(0<x< L\)، وتُوجد قوى كبيرة بشكلٍ لانهائي تدفع الجسيم إلى الوراء عندما يصدم الجدران، وبالتالي، فإن الطاقة الكامنة \(V(x,t)\) تكون لا نهائية عندما يكون \(x\leq0\) وأصغر\(x\geq L \)

طالما أن الطاقة الكامنة لا تعتمد في هذا المثال على الزمن، فيُمكننا استخدام معادلة شرودينجر أحادية البعد والمستقلة عن الزمن داخل الصندوق، وحين نتذكر أن \(V=0\) داخل الصندوق، يكون لدينا:



\({d^2\psi\over {dx^2}}+{8\pi^2 mE\psi \over {h^2}} =0\)
 

حيث m هي كتلة الجسيم، وE هي طاقته الكلية، و\(h=6.626068×10^{-34}m^2Kg/s\)هو ثابت بلانك. حل المعادلة (1) هو\(\psi(x)\) الذي يُحقق المعادلة عند اشتقاقه، وسيأخذ أي حل للمعادلة (1) الشكل التالي:


\(\psi (x) =A \cos \left( \sqrt {8 \pi^2 mE \over {h^2}}x \right)+B \sin \left( \sqrt {8 \pi^2 mE \over {h^2}}x \right) \)

 

حيث A وB ثابتان.

الآن نعرف أن \(\mid \psi(X)\mid ^2\) ترتبط باحتمالية إيجاد الجسيم عند الموقع x واللحظة الزمنية t، ونعرف أنه لا يُمكن للجسيم أن يكون خارج الصندوق، أي في المنطقة \(x <0\) و \(x>L\) لأنه سيحتاج إلى كمية لانهائية من الطاقة للوصول إلى هناك.

يعني ذلك أن \(\psi=0\)عندما \(x <0 \) و\(x>L\)، ونظراً لأن\(\psi\) مستمر عند حدود الصندوق، نستنتج أن \(\psi\) مساوٍ للصفر عند\(\psi\) ويعني الشرط الأول \(x =0\)عند \(x=L\) أن:



\(0=A\cos0+B\sin0=A\)

 

وهنا يُمكننا إهمال حد دالة جيب التمام (cosine) في المعادلة (2) وتُصبح معادلتنا على الشكل التالي:



\(\psi= B \sin \left( \sqrt {8 \pi^2 mE \over {h^2}}x \right) \)

 

في حين يؤدي الشرط الثاني \(\psi=0\)عند \(x=L\) إلى:



\(0= B \sin \left( \sqrt {8 \pi^2 mE \over {h^2}}L \right) \)

 

وهنا إما B=0، أو أن حد (sine) معدوم، تؤدي الحالة الأولى إلى أن \(\psi\) يعادل الصفر في كل مكان، ومن الواضح أن ذلك مستحيل لأننا نعرف أن الجسيم موجود في مكان ما في الصندوق، وبذلك نستنتج أن:

 

\(\sin= \left( \sqrt {8 \pi^2 mE \over {h^2}}L \right) =0 \)

 

الآن نعرف أن \(y=0\) فقط عندما يكون y مضروب لـ\(\pi\)، ولذلك:



\( \sqrt {8 \pi^2 mE \over {h^2}}L =0,\pi,2\pi,3\pi ,....\)


 

أو بتفسير آخر:



\( \sqrt {8 \pi^2 mE \over {h^2}}L =n\pi \)

 

علماً أن n عدد صحيح موجب.
تُخبرنا هذه النتيجة أن طاقة الجسيم يُمكن أن تأخذ قيمة منفصلة فقط، أي:



\(E_n = {n^2h^2\over 8mL^2}\)

 

من أجل \(n=0,1,2,3,.....\)

حيث يُعرف الرقم n في مستوى الطاقة \(E_n\) بالعدد الكمومي لـ\(E_n\)
يُشير العدد الكمومي \(n=0\) إلى الطاقة الصفرية (zero energy)، لكنه يُعطينا أيضاً التابع الموجي\(\psi_0\) المعدوم في أي مكان آخر من الصندوق، مما يعني أنه ليس باستطاعة الجسيم أن يكون في أي مكان في الصندوق، وبالتالي، يُستبعد العدد الكمومي \(n=0\)، وتُصبح مستويات الطاقة المسموحة (permissible energy levels) هي:



\(E_n = {n^2h^2\over 8mL^2} \)

 

بحيث \(n=0,1,2,3,.....\)


ازدواجية موجة-جسيم (Wave-particle duality) هي مفهوم محوري في ميكانيكا الكم.
ازدواجية موجة-جسيم (Wave-particle duality) هي مفهوم محوري في ميكانيكا الكم.


إن الحقيقة التي تقول بأن طيف الطاقة منفصل، أي أنه ليس باستطاعة الطاقة أن تأخذ كل القيم وخصوصاً كون الطاقة الصفرية غير مسموحة، هي نتائج لن نحصل عليها في الميكانيكا التقليدية، وفي الحقيقة تتحدى هذه النتائج الحكمة التقليدية التي تقول بأن كمياتٍ مثل الطاقة يجب أن تتغير بشكلٍ مستمر، فوفقاً لغوتفريد لايبنتز Gottfried Leibniz فإنّ "الطبيعة لا تصنع القفزات".

تُخبرنا الفيزياء الكلاسيكية أيضاً أن الحالة الطاقية الأدنى لنظام ما، أو ما يُعرف أيضاً بالحالة الأرضية أو الفراغ، يجب أن تكون طاقتها منعدمة. لكنّ هذه النتائج الكمومية الغريبة تتفق مع عمليات الرصد التجريبية للأنظمة الكمومية كما هو الحال على سبيل المثال مع طيف الطاقة المنفصل لذرة الهيدروجين.

يُمكن إيجاد قيمة الثابت B عبر استنظام (normalising) الدالة الموجية، تذكر أن:


\(|\Psi (x)|^2 =|\psi(x)^2e^{-{(2\pi i E/h)t}} | =| \psi(x)^2||e^{-{(2\pi i E/h)t}} | \)
 

الآن لدينا \(e^{-{(2\pi i E/h)t}}\) عبارة عن عدد مركب، ويُمكن كتابته بالشكل التالي أيضاً:


\(e^{-{(2\pi i E/h)t}}=\cos(-(2\pi i E/h)t )+i \sin (-(2\pi i E/h)t )\)

 

وتمثيل العدد المركب\(|e^{-{(2\pi i E/h)t}}| \):


\(\cos^2=\cos(-(2\pi i E/h)t )+ \sin^2 (-(2\pi i E/h)t ) =1\)

 

معتمدين بذلك على معادلة مثلثية، وبالتالي يُصبح لدينا:



\(|\Psi (x)|^2 =|\psi(x)^2e^{-{(2\pi i E/h)t}} | =| \psi(x)^2||e^{-{(2\pi i E/h)t}} |=|\psi(x)^2| \)

 

وبمعرفة أن \(|\Psi (x)|^2 \) هو دالة الكثافة الاحتمالية لإيجاد الجسيم في الموقع x واللحظة الزمنية t، وبتفسير آخر، فإن احتمالية إيجاد الجسيم في مكان ما في الصندوق تُعطى بالعلاقة:


\( \int_0^L |\Psi (x)|^2 {d}x = \int_0^L |\psi (x)|^2 {d}x \)

 

وطالما أننا نعرف أن الجسيم موجود بشكلٍ حتمي في مكان ما في الصندوق، فإنه يصبح لدينا:

 

\( \int_0^L |\Psi (x)|^2 {d}x = \int_0^L |\psi (x)|^2 {d}x =1 \)

 

وبتعويض التعبير الخاص بـ\(\psi (X)\) من المعادلة (3)، نحصل على:


\(\int_0^L B^2\sin^2 \left( \sqrt {8 \pi^2 mE \over {h^2}}x \right)dx=1 \)

 

وبمعرفة أن:


\(\int\sin^2(ax)dx={1\over 2a}\sin (ax)\cos(ax) +{x\over2}\)

 

يُمكننا استنتاج أن:


\(B = \sqrt {2 \over L} \)

 

وبالتالي:


\(\psi(x) =\sqrt {2 \over L}\sin \left( \sqrt {8 \pi^2 mE \over {h^2}}x \right)\)

 

وبتعويض القيم الممكنة لـ\(E_n\) في \(E\) من المعادلة (4)، نحصل على العديد من التوابع الموجية \(\psi_n(x)\)، ويُمثل كل عدد كمومي سوية طاقية مسموحة:


\(\psi_n(x)=\sqrt{\frac{2}{L}}\sin \left( \sqrt {8 \pi^2 mE \over {h^2}}x \right) \)
 

 

عند \(0 <x < L\) و

 

\(\psi_n(x)=0\)
 

في كل مكان آخر.

يُعطينا ذلك نتيجة أخرى مفاجئة، فمن أجل الحصول على أي قيمة لـ n أكبر من الواحد، يُمكننا إيجاد قيمة لـ x داخل الصندوق، بحيث يكون \(|\psi (x)|^2 =0\)عندما\(x={KL\over n}\) لأي عدد صحيح \(K<n\) ثم \(0< x<L\) و\(\sin={n\pi x\over L}=\sin K \pi =K\)
 

ولأن \(|\psi (x)|^2=|\Psi (x)|^2 \) هي كثافة احتمال إيجاد الجسيم عند نقطة ما x، فإن ذلك يعني وجود أماكن في الصندوق لا يُمكن للجسيم أن يكون فيها، وهكذا، نكون قد شاهدنا كيف يُمكن لمعادلة شرودينجر أن تُقدم بعض النتائج الغريبة جداً والمتناقضة مع بديهتنا التقليدية.

إذاً، لماذا لا نشاهد أشياء مثل السويات الطاقية المنفصلة في الأجسام العيانية (الماكروية) مثل كرات البيلياردو؟ السوية الطاقية الأكثر انخفاضاً بالنسبة للعدد الكمومي n=1 هي:



\(E={h^2 \over 8mL^2}\)
 

علماً أن ثابت بلانك هو قيمة صغيرة جداً \(h=6.626068×10^{-34}m^2Kg/s \). ولذلك بالنسبة لجسم كبير، يجب أن تكون كل من m وL كبيرتين جداً، ويعني ذلك أن\(E_1\) ستكون صغيرة بشكلٍ لا يُصدق بحيث يكون الجسم الذي يملك طاقة \(E_1\) لا يُمكن تمييزه عن جسم ساكن. ونتيجة لذلك، فإن السوية الطاقية الصفرية لا تبدو مقبولة في العالم الماكروسكوبي.

الآن لنحسب الفرق بين السويات الطاقية المتقاربة\(E_n\) و\(E_{n+1}\) بالنسبة للرقم الكمومي n:



\(E_{n+1}-E_n={(n+1)^2h^2 \over8mL^2}-{n^2h^2 \over8mL^2}={h^2((n+1)^2-n^2) \over8mL^2}={h^2 (2n+1) \over8mL^2}\)

 

كلما كانت كتلة الصندوق وطوله أكبر، كلما اقترب هذا الفرق من الصفر، ولذلك، فإن السويات الطاقية المسموحة بالنسبة للأجسام الكبيرة قريبة جداً من بعضها بحيث يُصبح من المستحيل التمييز بينها وبين تلك السويات غير المسموحة، وبذلك، تظهر السوية الطاقية متغيرةً بشكل مستمر.



النفق الكمومي


الآن لنُغير إعداداتنا قليلاً، ولنستمر في الافتراض أن جسيمنا يتحرك على طول المحور x، لكن، لنفترض الآن أن الطاقة الكامنة معدومة في المجال \(-\infty <x\leq0\) وفي \(L\leq x< +\infty\)، وغير مساوية للصفر بين 0 وL، إذاً \(V=V_0\neq 0\) و\(0<x<L\)

يُعرف ذلك بالحاجز الكَمُونِيّ (potential barrier)، وتُخبرنا الفيزياء الكلاسيكية أنه إذا تحرك الجسيم إلى اليمين على طول الجزء السالب من المحور x ونحو الصفر، فيُمكنه اختراق المنطقة بين 0 وL فقط إن كانت طاقته E أكبر من \(V_0\)


النفق الكمومي: يُوضح المحور العامودي الطاقةَ الكامنة للجسيم. والذي يساوي V0 لكل x أكبر من الصفر وأصغر من L، ويساوي صفر في أي مكان آخر.
النفق الكمومي: يُوضح المحور العامودي الطاقةَ الكامنة للجسيم. والذي يساوي V0 لكل x أكبر من الصفر وأصغر من L، ويساوي صفر في أي مكان آخر.

يُشابه الأمر قليلاً كرةً بكتلة m تتدحرج وتواجه تلة بارتفاع H، فإذا كان لدى الكرة كمية كافية من الطاقة للتحرك إلى قمة التل، فستكون طاقتها الكامنة هناك \(V_0=mgH\)، حيث g هو ثابت تسارع الجاذبية الأرضية، وإذا كانت طاقتها أقل من\(V_0\)، فلن تتمكن الكرة أبداً من الوصول إلى القمة.

وتمتلك التلة في تجربتنا منحدراً عامودياً لأن الطاقة الكامنة تقفز بشكلٍ منقطع بين القيمتين 0 و\(V_0\) عند x=0 وx=L، وهي مسطحة على القمة لأن الطاقة الكامنة ثابتٌ في المجال \(0<x<L\).

تبين أنه بإمكان الجسيم في ميكانيكا الكم التسلق إلى القمة، وحتى الوصول إلى الجانب الآخر من "تلة الكمون" حتى لو كانت طاقته أقل من\(V_0\)، لن نغوص في التفاصيل هنا، لكن يُقدم حل معادل شرودينجر (بمعرفة\(E <V_0\) ) يعني ذلك أن الجسيم القادم من اليسار لن تكون احتمالية مشاهدته في الجانب الأيمن من الحاجز أو داخله مساوية للصفر، فهناك احتمالية صغيرة، لكن غير مساوية للصفر، لكي نجد أن الجسيم اخترق الحاجز ووصل إلى الجانب الآخر، على الرغم من أنه لا يستطيع ذلك عند استخدام الفيزياء الكلاسيكية لأنه لا يملك الطاقة اللازمة، وكما توقعت، تصبح هذه الاحتمالية أصغر كلما أصبح الحاجز أسمك، أي كلما أصبحت قيمة L أكبر.

بشكلٍ عام، يُشير مصطلح النفق الكمومي (quantum tunneling) إلى أي حالة يُمكن فيها للجسم التغلب على حاجز كمون لا يُمكنه التغلب عليه وفقاً للفيزياء الكلاسيكية. تحصل ظاهرة النفق الكمومي في الطبيعة، إذ يُمكننا مشاهدتها على سبيل المثال عندما يتفكك اليورانيوم إلى ثوريوم بواسطة تفكك إشعاعي يُعرف بتفكك ألفا (alpha decay)، وفي هذا التفكك، تُصدر النوى الذرية جسيم ألفا (alpha particle)، الذي يتألف من بروتونين ونيوترونين وهو مطابق تماماً لنواة الهيليوم.

وفقاً للفيزياء الكلاسيكية، يجب أن تكون عملية إصدار الجسيم مستحيلة لأنها تتطلب طاقة أكبر مما هو بحوزة الذرة، لكن، تتيح ظاهرة النفق الكمومي حدوث هذه العملية. 

والسؤال الكبير الذي تقودنا إليه كل هذه العمليات الرياضية هو: ماذا تُخبرنا معادلة شرودينجر عن الواقع الفيزيائي (physical reality)، وكيف يجب أن نُفسر حلها "التابع الموجي

هذا ما سنستكشفه في مقالة ثالثة.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • النفق الكمومي (quantum tunneling): يُشير هذا المصطلح إلى ظاهرة كمومية يُمكن من خلالها للجسيمات عبور حاجز لا يُمكنها عبوره في الفيزياء الكلاسيكية.

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات