مقدمة حول مسرعات الجسيمات


يأخذ البحث في فيزياء الطاقة العالية أشكالاً عدة، لكن معظم التجارب في الميدان تعتمد على المسرعات (accelerators) التي تخلق وتُسرع الجسيمات حسب الحاجة. وفيما يلي تمهيدٌ لثلاثة أنواعٍ من المسرعات: السنكروترونات (synchrotrons)، والسيكلوترونات (cyclotrons)، والمسرعات الخطية (linear accelerators) التي تعرف اختصاراً باسم "ليناك" linacs.

 

شكل 1
شكل 1


السنكروترونات: المضخات الضخمة



السنكروترونات هي مسرعات الجسيمات ذات الطاقة الأعلى في العالم، يتصدر مصادم الهادرونات الكبير القائمة بقدرته على تسريع الجسيمات إلى طاقة 6.5 تريليون إلكترون فولت قبل تصادمها مع جسيماتٍ مماثلةٍ لها في الطاقة، وتتحرك بالاتجاه المعاكس.


يُميز السنكروترونات عادةً مسار مغلق يحمل الجسيمات على طول حلقة، وتُصنع الأشكال الأخرى من أجزاء مستقيمة بين المنحنيات (بشكلٍ مماثلٍ لمضمار السباق أو على شكلٍ ثلاثيٍّ أو سداسي)، وبمجرد أن تدخل الجسميات إلى المُسرّع، فإنها تنتقل على طول مسارٍ دائريٍّ مراتٍ ومرات، بحيث تكون محاطةً دائماً بأنبوب مفرغ.


وعند أقسامٍ محددةٍ من الحلقة، توجد تجاويف الترددات الراديوية (Radiofrequency cavities) التي تعمل على زيادة سرعة الجسيمات، وتعمل أنواع مختلفة من المغانط على خلق مجالاتٍ كهرومغناطيسية (electromagnetic fields) تحني وتركز حزم الجسيمات، وتزداد قوة هذه المجالات بشكلٍ بطيءٍ مع تسارع الجسيمات. 


تمر الجسيمات عبر مصادم الهادرونات الكبير حوالي 14 مليون مرةٍ خلال 20 دقيقةً حتى تصل إلى مستوى الطاقة المطلوب.

يُرسل الباحثون حزم الجسيمات خلال بعضها البعض لخلق التصادمات في مواقع محاطة بكواشف جسيمات (detectors).

نسبياً، يحدث القليل من التصادمات في كل مرةٍ تلتقي الحزم، ولكن بسبب استمرار الجسيمات بالمرور في السنكروترون، فإن الباحثين يستطيعون تمريرها من خلال بعضها عدة مرات، مما يخلق عدداً أكبر من التصادمات مع الوقت، وذلك يعني وجود المزيد من البيانات، مما يساهم في رصد الظواهر النادرة.

يقول مايك لامونت Mike Lamont، رئيس العمليات في مصادم الهادرونات الكبير (LHC) لدى المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية والتي تُعرف اختصاراً بـ سيرن CERN: "وصلت الكواشف التالية: ATLAS وCMS -والموجودة في مصادم الهادرونات الكبير- إلى 400 مليون تصادمٍ في الثانية في العام الماضي"، ويضيف: "وهذا هو السبب وراء الأهمية الكبيرة لهذا التصميم".

تجعل الطاقة العالية للسنكروترونات منها مناسبةً بشكلٍ خاصٍ لدراسة وحدات بناء كوننا الأساسية، فعلى سبيل المثال، تمكن الفيزيائيون من مشاهدة الأدلة على بوزون هيغز (Higgs boson) من خلال مصادم الهادرونات الكبير فقط، لأنه كان قادراً على تسريع الجسيمات إلى هكذا طاقة عالية، وإنتاج معدلات تصادم مرتفعة كهذه.


يعمل مصادم الهادرونات الكبير في المقام الأول على صدم البروتونات مع بعضها، لكنه يسرع أيضاً النوى الثقيلة مثل الرصاص، وبالإمكان تكريس سنكروترونات أخرى لتسريع أنواع مختلفة من الجسيمات. 


ووفقاً للفيزيائية أنجيليكا دريس Angelika Drees من فريق المسرع RHIC، فإنه في مختبر بروكهافن الوطني في نيويورك، يمكن لمصادم الأيونات الثقيلة النسبية تسريع كل شيء من البروتونات إلى نوى اليورانيوم، إذ يحافظ على استقطاب حزم البروتونات باستخدام مغانط ذات تصميم خاص، وبإمكانها أيضاً صدم الأيونات الثقيلة مثل اليورانيوم والذهب، لصنع بلازما كوارك غلوون (quark-gluon) التي تعتبر الحساء الأعلى من حيث درجة الحرارة، والذي نتج عن الكون بعد الانفجار العظيم (Big Bang) مباشرةً.

 

شكل 2
شكل 2


السيكلوترونات أحصنة المزرعة



تعتبر السنكروترونات سلالةً من نوعٍ آخر من المصادمات الدائرية التي تدعى سيكلوترونات، يسرع السيكلوترون الجسيمات في مسارٍ حلزونيٍّ بدءاً من المركز، وكما هو الحال مع السنكروترونات، تستخدم السيكلوترونات مغانط كهربائيةً ضخمةً لحني الجسيمات في دائرة، ومع ذلك، فهي تستخدم مغناطيساً واحداً فقط يحد من ضخامتها. 


تستخدم هذه المسرعات أقطاباً معدنيةً لدفع الجسيمات نحو الحركة بشكلٍ متزايدٍ في دوائر ضخمة، خالقةً بذلك مساراً لولبياً.


تُستخدم السيكلوترونات عادةً لخلق كمياتٍ كبيرةٍ من أنواع معينة من الجسيمات، مثل الميونات (muons) أو النيوترونات (neutrons)، تحظى هذه المسرعات أيضاً بشعبيةٍ كبيرةٍ في مجال الأبحاث الطبية، لأن لديها المدى المناسب من الطاقة والكثافة لإنتاج النظائر الطبية.


يقع أكبر سيكلوترون في العالم في المختبر الوطني الكندي للفيزياء النووية والجسيمات، والذي يعرف باسم TRIUMF في فانكوفر-كندا. يعمل الفيزيائيون في هذا المسارع بشكلٍ منتظمٍ على تسريع الجسيمات إلى 520 مليون إلكترون فولت، وبإمكانهم توجيه الجسيمات من أجزاء مختلفة من السيكلوترون، من أجل التجارب التي تتطلب جسيمات بطاقات مختلفة، وهذا ما يجعلها نوعاً خاصاً من المسرعات التي تتكيف وفق قول الفيزيائي إيوارت بلاكمور Ewart Blackmore، الذي ساعد في تصميم وبناء مسارع TRIUMF.

يقول بلاكمور: "نستفيد طبعاً من هذه المنشأة في كل يومٍ نُشغلها فيه، عندما نُنتج طاقةً منخفضةً ذات تيارٍ عالٍ من حزم الأشعة لإنتاج النظائر الطبية"، ويضيف: "نحن نستخرج ونركز الطاقات في حزمةٍ واحدةٍ لإنتاج البيونات (pions) والميونات لأغراض بحثية، بينما نقوم في مسار حزمة أخرى من باستخراج الأشعة من النوى المشعة لدراسة خصائصها".

 

شكل 3
شكل 3


المسرعات الخطية: مباشرةً ونحو الهدف



عندما يتعلق الأمر بالتجارب الفيزيائية وتطبيقاتها التي تتطلب حزمة جسيمات شديدة ومستقرة، فإن المسرعات الخطية هي التصميم المفضل. 


ويستضيف مختبر المسرع الوطني "SLAC" أطول المسرعات الخطية في العالم بطوله البالغ 2 ميل، وبإمكانه عند نقطةٍ واحدةٍ تسريع الجسيمات نحو 50 مليار إلكترون فولت. 


يستخدم مختبر فيرمي الوطني مسرعاً خطياً صغيراً لتسريع البروتونات قبل إرسالها نحو مسرعٍ مختلف، حيث يتم في النهاية تحريك الجسيمات نحو هدفٍ ثابتٍ لإنتاج أكثف شعاع نيوترينو في العالم على الإطلاق.

في حين قد تتطلب المسرعات الدائرية العديد من الجولات (الدورانات) لتسريع الجسيمات نحو الطاقة المطلوبة، فإن المسرعات الخطية تصل لتلك السرعة بوقت قصير. 
تبدأ الجسيمات عند النهاية الأولى بطاقةٍ منخفضة، وتعمل المجالات الكهرومغناطيسية في المسرعات الخطية على تسريعها على طول المسرع، وعندما تنتقل الجسيمات في مسارٍ منحنٍ فإنها تطلق الطاقة على شكل إشعاع، بينما يعني انتقالها في مسارٍ مستقيمٍ احتفاظها بطاقتها لنفسها. 


وتستخدم في هذه المسرعات سلسلةً من تجاويف الترددات الراديوية لدفع الجسيمات نحو جبهة الموجات الكهرومغناطيسية، مما يؤدي إلى تسريعها نحو الأمام على امتداد المسرع.

وكما هو الحال مع السيكلوترونات، يمكن استخدام المسرعات الخطية لإنتاج نظائر طبية، ويمكن استخدامها أيضاً لإنتاج حزمٍ من الإشعاعات لمعالجة السرطان، وتعتبر مسرعات الإلكترون الخطية لعلاج السرطان النوع الأكثر شيوعاً من مسرعات الجسيمات.


 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات