تقدُّم جديد نحو حل ألغاز الوسط بين النجمي

تصور فني يُمثِّل الجزيئات العضوية المعقدة، والمعروفة باسم الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات بشكل رمزي، والتي ظهرت في بداية الكون. تُعتَبر هذه الجزيئات الكبيرة التي تتألف من الكربون والهيدروجين إحدى وحدات بناء الحياة الأساسية. كان تلسكوب ناسا الفضائي سبيتزر هو أول من شاهد هذه الهيدروكربونات في وقت مبكر جداً، حيث أنه رصد هيدروكربونات أقدم بـ 10 مليارات سنة مما تم رصده سابقاً.


المصدر: NASA/JPL-Caltech/T. Pyle


يُعَدّ الغموض الذي يحيط بانشطار الروابط بين النجمية (diffuse interstellar bands) والذي يُعرف اختصاراً بـ DIBs واحداً من أكثر الأسئلة المثيرة للجدل في الكيمياء الفلكية، وهذه الروابط هي عبارة عن مجموعة من 400 رابطة امتصاص تظهر في الطيف الضوئي الذي يصل الأرض بعد اجتيازه الوسط بين النجمي. على الرغم من الجهود البحثية المكثفة خلال العقود القليلة الماضية إلا أن هذه المهمة بقيت بعيدة المنال، وذلك رغم وجود مؤشرات على أنها تنشأ من وجود جزيئات الهيدروجين الكبيرة في الوسط بين النجمي. وقد أضفت التجارب الحديثة التي قام بها معهد ماكس بورن مصداقيةً جديدة على هذه الفرضية.

ومن بين الهيدروكربونات التي يُحتمل أن تكون ناقلة للـ DIBs، تُعد الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات polycyclic aromatic hydrocarbons والتي تُعرف اختصاراً بـ PAHs واعدة. تَبيَّن وجود جزئيات هذه الهيدروكربونات سابقاً في العديد من الأجسام الفلكية، كما هو الحال في الوسط بين النجمي في مجرة درب التبانة. إلا أنه في مجال الفلك فإن عرض خط الـ DIBs والذي يعد مؤشراً على عُمْر الحالات المُثارة في عملية الامتصاص، يُعتبر حجةً ضد الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات. أُجريت التجربة الجديدة بالتعاون مع علماء من جامعة ليون، وبمساهمة نظرية من علماء جامعات هايدلبرغ، وحيدر آباد، ولايدن. وقد تبين أن أعمار الحالات المعنية ضمن الأحجام الصغيرة والمتوسطة للهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات تتفق مع عرض خط الـ DIBs.

خلال التجارب، تم تأيين سلسلة من جزيئات الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات ذات الأحجام الصغيرة إلى المتوسطة (النفثالين، والأنثراسين، والبيرين، والتتراسين والتي تحتوي من 2-4 حلقات عطرية تشبه حلقة البنزين) بواسطة نبضة ليزر من الأشعة فوق البنفسجية القصيرة القصوى (ultrashort extreme-ultraviolet) والتي تٌعرف اخصاراً بـ XUV.


ونتيجة لارتباط الإلكترون، فإن امتصاص فوتون XUV لم يؤدِ فقط إلى إزالة أحد الإلكترونات، بل أدى كذلك إلى إثارة الإلكترونات في الأيون الجزيئي المتروك. تم رصد عُمْر هذه الحالات المثارة من الإلكترونات المترابطة من خلال التحقُّق من الأيونات بواسطة نبضة ليزر معتدلة القوة من الأشعة تحت الحمراء بالإضافة إلى تأخير زمني. وعندما تشكلت الأيونات كانت الإثارة الإلكترونية في أعلى مستوى لها، وكانت هناك حاجة فقط إلى واحدٍ أو القليل من فوتونات الأشعة تحت الحمراء لإزالة إلكترون ثانٍ.

 

رسم تخطيطي للتجربة المصدر: MBI
رسم تخطيطي للتجربة المصدر: MBI


إلا أنه بعد فترةٍ قليلة عندما يرتاح الأيون وتنتقل الطاقة من مستوى الحرية الإلكترونية إلى مستوى الحرية الذبذبية، عندها ستكون هناك حاجة للمزيد من فوتونات الأشعة تحت الحمراء لإزالة إلكترون ثانٍ. بعبارة أخرى، قادت مراقبة تشكل الأيونات مضاعفة الشحنة كدالة على التأخر الزمني بين نبضات ليزر XUV و IR إلى استخلاص أعمار الحالات المُتشكلة بواسطة عملية التأين بالأشعة XUV. وكما اتضح فيما بعد وكان مُدعماً بالحسابات عالية المستوى، فإن هذه الأعمار التي تصل إلى عشرات الفيمتو ثانية، هي ضمن النطاق المطلوب للقدرة على حمل الـ DIBs.

وإذا ما ذهبنا إلى ما أبعد من تطبيقات الـ DIBs، فإن التجارب الحديثة لها تطبيقات في العلوم فائقة السرعة. ومن أهم الأهداف التي نسعى وراءها في مجال العلوم فائقة السرعة هو مراقبة تحرك الشحنة أي الإلكترونات سريعة الحركة (من الأوتو ثانية إلى الفيمتو ثانية القليلة) أو الفراغ داخل البنية الجزيئية. وقد اُقترح أن انتقال الشحنة قد يقدّم فرصاً جديدةً للتحكم بالتفاعل الكيميائي. وهو هدف قديمٌ قِدَم الأبحاث الكيميائية نفسها.

تُعَد المؤشّرات الأولية للمدى الزمني حول ديناميكيات الانتقال السريع من الأوتو ثانية إلى الفيمتو ثانية قليلة ويمكن ملاحظتها في الجزيئات عديدة الذرات التي تحصّل عليها الباحثون في جامعة ميلانو العامَ الفائت. إن الجزئيات العطرية متعددة الحلقات التي تمت دراستها في التجارب عن الـ MBI تمثل أكبر الأنواع الجزيئية التي تم تطبيقها إلى الآن بواسطة مِضخّة المسبار الطيفي فائق السرعة الذي يعمل بأشعة XUV-IR. وبالإضافة إلى الفهم الواضح للاسترخاء الإلكتروني السريع الذي تم الحصول عليه من العمل الحالي، فإن العمل النظري الذي صُمِّم من أجل تفسير النتائج يقتَرح أن الهيدروكربونات العطرية عديدة الحلقات هي مرشح مثالي لمراقبة المدى الزمني السريع لانتقال الشحنات. وسيتم إجراء مثل هذه التجارب مستقبلاً.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات