تقديس السماوات: كيف يتقاطع علم الفلك مع الدين-الجزء الأول

شمسنا هي نقطة صغيرة واحدة من الضوء ضمن دوامة من الشموس التي تشكل قرص مجرة درب التبانة، حيث تتناثر مئات مليارات النجوم في المجرة متباعدة عن بعضها بشكل كبير إلى درجة أننا سنحتاج إلى مئة ألف سنة لقطع المسافة بمركبة فضائية تسير بسرعة الضوء، وعجلة النجوم المجرية تدور حول ثقب أسود هائل، وهو نقطة من الكثافة اللامتناهية وذات جاذبية هائلة بحيث أنه حتى الضوء نفسه لا يمكنه النفاذ منها.

 

 

إن بناء ومستوى مجرتنا لأمر يبعث على الدهشة، ولكنها ليست إلا واحدة من بين مئات المليارات من المجرات في الكون.

لا عجب إذن أن التأمل في الكون يمكن أن يثير مشاعراً كالرهبة والقداسة الدينية، ووفقاً للأب بول بافل غابور، وهو عالم فلك في مرصد الفاتيكان، فإن هذه لا تعد دائماً تجربة إيجابية، فبينما قد يشعر البعض بالخوف والارتعاش عند التفكير في الله والسماوات، هناك آخرون يُغمرون بمثل تلك المشاعر عند مواجهة النسب الفلكية للسماوات.

يقول غابور: "إنهم يجدونها مذهلة إلى حد ما، ولكن بطريقة خاطئة، فعندما أُطلع الناس على صور المجموعات المجرية المحلية، وذلك فقط لمنحهم شعوراً بحجم الأشياء من حولهم، فإن ردة الفعل في كثير من الأحيان تكون: "يا عزيزي، أنا تافه تماماً، وغير مرتاح بخصوص هذا الكون كله".

 

 

يرى غابور أن أحد طرق مواجهة هذا اليأس هو امتلاك إيمان بقوة أعظم، بالإيمان بالله الذي خلق الكون بدافع الحب.

وكما يقول غابور: "إن الإيمان يخبرك بأن الكون لم يوجد ليخيفك، ولكنه وجد ليكون منحة لك، من قبل شخص يريد أن يعطيك شيئاً لطيفاً، شيئاً جميلاً، ولذلك فبالنظر إلى تلك الصور الفلكية، يمكنك إما أن تشعر بالنصف الممتلئ من الكأس فتؤمن أنه تم وهبك شيئاً عظيماً هنا، أو إما أن تشعر بالنصف الفارغ من الكأس وهو أمر مخيف يجعلك تريد إخفاء نفسك في (جحر الأرنب) الصغير الخاص بك في مكان ما".

 

 

وسواءً كنت مرعوباً أو تشعر بسعادة غامرة بسبب عظمة الكون، فلا شك بأنها طبيعة متأصلة عندنا، فهي المصدر الذي ننتمي له جميعاً، وكما قال كارل ساجان ذات مرة: "نحن مصنوعين من مواد النجوم". فالعناصر الكيميائية التي تشكل الخلق على وسعه تشكل مجرتنا كذلك وكوكبنا وحتى خلايا أجسامنا، وبالتالي فإن استكشاف الكون يعد أحد طرق التقرب من الخالق العظيم". 

 

 

وهذا المفهوم يظهر في السطور الأخيرة من قصيدة "طيران عالٍ" لجون غيليسبي، والتي ألقاها الرئيس ريغان في حفل تأبين رواد الفضاء الذين قتلوا في مأساة مكوك الفضاء تشالنجر عام 1986:

صامتاً، وخالياً من الهموم خَطًوْت...

في الحرمةِ العالية غير المنتهكة من الفضاء،

مدَدّت يدي، ولمسْت وجه الله.

إن مصطلح "الكون" يعني "العالم المنظم"، ووفقا لمعظم التاريخ المُدون، فقد اعتقد البشر أن الله خلق الكون المنظم من الفوضى، واليوم لا يزال هذا الاعتقاد متداولاً بين معظم الناس في جميع أنحاء العالم، ولكن جوانب ذلك الإيمان تغيرت مع تغير معرفتنا العلمية للكون ونموها. فعلى سبيل المثال، يقول زميل غابور عالم الفلك في الفاتيكان غاي كونسولمانيو، أنه في حين يعتقد كثير من الناس أن الله خلق الكون، إلا أنهم يظنون أن ضخامة الكون الشديدة تجعل من المستحيل أن يهتم الله لأي من تفاصيل حياتنا الشخصية، فذرة الغبار هذه التي نسميها كوكب الأرض صغيرة إلى حد يجعلها عديمة الأهمية بالمقارنة مع أصغر النجوم، وكل حياة من حيواتنا لا تستمر إلا لمجرد لحظات كونية.

 

 

 

ويقول كونسولمانيو: "بعض الناس سوف يرفضون الإيمان لأنهم لم يدركوا بعد نوع الإله الذي نتحدث عنه، إله مختلف تماماً لدرجة أنه حقيقي".

تلاقي الفكرة الفلسفية عن الله الذي لا يستحيل عليه شيء، والذي يتجاوز قدرة الإنسان على الفهم، صدى في طبيعة الكون التي لا تزال غامضة. فمثلاً، تنسب معظم أجزاء الكون حالياً إلى الفئات الغامضة "الطاقة المظلمة" و"المادة المظلمة"، وقد أشار عالم الفيزياء الفلكية ديفيد كلاين في مجلة Scientific American  إلى أن مثل هذه المصطلحات لا تدل إلا على جهلنا".

 

 

ومن المجالات الأخرى التي يظهر فيها الجهل العلمي فترة ما قبل الانفجار الكبير، فماذا لو كان أي شيء قد حدث قبل بدأ الكون بالتوسع الحالي؟ لقد كان الكاهن الكاثوليكي جورج لومتر صاحب فكرة توسع الكون من نقطة أولية (التي وصفها بأنها "الذرة الابتدائية") منذ البداية، كما أن الكنيسة الكاثوليكية دعمت نظرية الانفجار الكبير حتى قبل أن يفعل ذلك معظم علماء الكون، فقد اعتبروا أن ذلك "اليوم الذي لا أمس له" يتفق مع مصطلح الخلق ex nihilo (أي من العدم) والذي ورد في سفر التكوين.

 

 

 

وفقا لتقريرٍ إخباريّ من منظمة رويتر الإخبارية، فقد قال البابا بنديكتوس السادس عشر أن "الله كان وراء النظريات العلمية المعقدة مثل الانفجار الكبير". لم يذكر البابا الانفجار الكبير على وجه التحديد، ولكنه تحدث بشكل عام عن خلق الكون قائلاً: "إن الكون ليس نتيجة الصدفة، كما يحب البعض أن يعتقدوا، فعندما نتأمله نكون مدعوين لرؤية شيء عميقٍ جداً من أجل أنفسنا:

حكمة الخالق، وخيال الله الذي لا ينضب، وحبه غير المحدود لنا. لا ينبغي أن نحصر أنفسنا بنظريات لم يمض عليها سوى فترة من الزمن، وهي التي - إذا نظرت عن كثب-  لا تقف كنِدّ للإيمان، إلا أنها لا تتمكن من شرح المعنى المطلق للواقع. كيف لنا ألّا نستطيع قراءة العقلانية الأبدية في جمال العالم وفي أسراره وفي عظمته وفي عقلانيته، كيف لنا أن نفعل شيئاً أقل من أن نؤخذ باليد التي ستقودنا إلى الرب المتفرد، خالق السماء والأرض".

 

 

وفي خطاب آخر له في وقتٍ مختلف، قال البابا بنديكت أن هنالك طريقة واحدة لحصول على معرفة أفضل بالكون، هي الرياضيات: "كان غاليليو على قناعة بأن الله أعطانا كتابين، الكتاب المقدس وكتاب الطبيعة، وأن الرياضيات هي لغة الطبيعة –حسب ما يعتقد-، لذلك فهي لغة الله، لغة الخالق، والشيء المفاجئ هو أن هذا الاختراع البشري هو بالفعل أحد المفاتيح لفهم الطبيعة، وأن الطبيعة مبنية بالفعل بطريقة رياضية، وأن الرياضيات، التي اخترعها العقل البشري، هي بالفعل أداة للتعامل مع الطبيعة، من أجل تسخيرها لخدمتنا ومن أجل استخدامها في التكنولوجيا".

 

 

يقول كونسولمانيو أن البعض قد يتساءل عما إذا كانت الرياضيات قد اخترعت من قبل الإنسان لوصف الطبيعة، أم أننا اكتشفنا الخصائص الرياضية التي بنيت على أساسها الطبيعة من قبل قوة أعظم.

 

 

يقول: "قد يكون كلا الخيارين صحيحاً جزئياً، فالأمر الذي دائماً ما يذهلني وهو يتعدى حقيقة أن الكون رياضي، هو أن الكون منطقي. إن الرياضيات جميلة، فعندما يفهم الطالب ما تخبره به معادلات ماكسويل، يشعر وكأنه يطير من الفرح وهو شعور عظيم يماثل شعورك عندما تنظر إلى غروب الشمس الذي تستطيع معادلات ماكسويل تفسيره، أما عن السبب الذي يجعل الرياضيات مناسبة في كافة الأصعدة فهو أمر لم يستطع تفسيره أي فيلسوف".

 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات