كيف يومض ضوء الكون الأكثر سطوعاً

جُرم هاني Hanny's Voorwerp (الظاهر باللون الأخضر في الأسفل) هو جرمٌ فلكي انطفأ قبل 200 ألف عام، كما تَظهر في الصورة أيضاً المجرة الحلزونية IC 2497.

المصدر: NASA, ESA, W. Keel, Galaxy Zoo Team.
 


تُعتبر نوى المجرات النشطة (active galactic nuclei) أو اختصاراً (AGN) الأجسام الأكثر سطوعاً في الكون، ولكنها لا تُشعّ بشكلٍ دائمٍ بل تومض بشكلٍ بطيءٍ جداً. يُساعد هذا الأمر الباحثين في المؤسسة السويسرية الفيدرالية للتقنية في زيورخ ETH على فهم تأثير هذه النوى والثقوب السوداء على المجرة التي تتواجد بداخلها بشكلٍ أفضل.

تمتص الثقوب السوداء فائقة الكتلة (supermassive black holes) الغازات من البيئة المحيطة بها بقوةٍ شديدة، وبينما تدور هذه الغازات حول الثقوب السوداء، فإن درجة حرارتها تأخذ بالتزايد نتيجة الاحتكاك الحاصل في مادتها، وتبدأ بعد ذلك بإصدار الإشعاع، وهكذا تنشأ نوى المجرات النشطة. تُشعّ هذه النوى أكثر من مئات المليارات من النجوم الموجودة في مجراتها. ويوجد في قلب مجرتنا –مجرة درب التبانة– ثقبٌ أسودٌ مماثلٌ كان يُشعّ وفقاً لعدة أبحاثٍ كنواةٍ مجرّيّةٍ نشطةٍ قبل ملايين السنين.

وقد اكتشف باحثو ETH بقيادة البروفيسور كيفن شافينسكي Kevin Schawinski من معهد الفلك في بحثهم الأخير أن النوى النشطة لا تضيء بشكلٍ دائم، ولكنها تُشع بشكل مشابهٍ لمصباحٍ وامض. وقد ذكروا في مقالتهم التي نُشرت في العدد الأخير من مجلة Monthly Notices التابعة للجمعية الفلكية الملكية وللمرة الأولى أن النوى النشطة تشع وتنطفئ بشكلٍ متكررٍ كل بضع مئات آلافٍ من السنين. وقد تم إنجاز هذا الاكتشاف بناءً على بيانات الأرصاد التي قاموا بإجرائها.

تُصدر النوى النشطة جميع أطوال الأمواج بدءاً من الأشعة السينية وحتى الموجات الراديوية، ولذلك، بإمكان التلسكوبات التقاط الأشعة السينية المنبعثة من النوى النشطة ذاتها، وبإمكانها أيضاً تسجيل الضوء المرئي، رغم أن ذلك يحدث مع بعض التأخير. يمكن مقارنة ذلك بمصابيح الغاز، حيث أنها تستغرق بعض الوقت لتضيء بعد تشغيلها.

لا ينبعث الضوء المرئي من النوى النشطة مباشرةً، وإنما يصدر عن الغازات الموجودة بين النواة ونجوم المجرة. تحفّز الأشعة الصادرة عن النوى النشطة ذراتِ الغازات المحيطة بها لتشع بطريقة نوعيةٍ للغاية. ويحدث التأخير بسبب الوقت الذي يحتاجه الضوء ليصل إلى أطراف المجرة ليُشعل "مصباح الغاز المجري". وتبدو النوى النشطة وكأنها "مُطفأة" في الفترة التي تسبق هذا الحدث، على الأقل بالنسبة للضوء المرئي. وفي هذه المرحلة، تستمر النوى النشطة بإصدار الأشعة السينية.



تبدو النوى وكأنها مطفأة:


اكتشف الباحثون في ETH من خلال البيانات المكثفة التي تم الحصول عليها من رصد النوى النشطة أن ما يقارب 5% من هذه النوى تكون مُطفأة، ويعني ذلك أنه على الرغم من إمكانية رؤيتها باستخدام تلسكوبات الأشعة السينية، فإنها لا تشع الضوء المرئي المعتاد المنبعث من "مصابيح الغاز المجرية".

وقد استنتج العلماء أن 5% من النوى النشطة التي تمت دراستها لا تشع ضوءاً مرئياً، ويدل ذلك على أن مرحلة الانطفاء تشكل 5% (أو واحد على عشرين) من الدورة الإجمالية للوميض والانطفاء التي تمر بها هذه النوى النشطة. ولشرح الأمر بطريقةٍ أخرى، دعونا نتخيل أننا نصور شخصاً ما مرةً واحدةً في كل يومٍ من أيام حياته. سنحصل في نهاية الأمر على عددٍ أكبر من الصور خلال مرحلة بلوغه الطويلة مقارنةً بالصور المأخوذة خلال طفولته القصيرة، وستكون النسبة بين عدد الصور مماثلةً للنسبة بين سنوات بلوغه وسنوات طفولته.



190 ألف عام من السطوع:


عرف العلماء من الأبحاث النظرية السابقة أنه من الممكن مقارنة مرحلة انطفاء النوى النشطة بمرحلة الطفولة، والتي تدوم 10 آلاف عام، ويمثل هذا الوقت الفترة اللّازمة للضوء ليقطع مجرةً نموذجية. وقد دفع ذلك العلماءَ للاستنتاجِ أن عمر النوى النشطة –والذي يكافئ عمر الإنسان في المثال المذكور أعلاه– يدوم وسطياً لفترة أطول بعشرين مرة، أي ما يعادل 200 ألف عام.

يقول شافينسكي الذي قاد هذا البحث: "تُعتبر هذه النتائج مهمةً لمعرفة تأثير النوى النشطة على المجرة المحيطة بها". ويعرف علماءُ الفيزياء الفلكية مسبقاً أن النوى النشطة قادرةٌ على تجميع الغاز على مدى مليارات السنين، ولكنهم لم يعرفوا بالتحديد ما إذا كانت كمية الغاز التي تم تجميعها خلال هذه الفترة كافيةً لتضيء أم لا. ويضيف قائلاً: "نعرف الآن أن الضوء الصادر عن النوى النشطة مماثلٌ لمصباحٍ موفرٍ للطاقة يومض وينطفئ كل 20 ميلي-ثانية. وتعتبر 200 ألف عام فترةً قصيرةً مقارنةً مع فترة مئات ملايين السنين التي تكون النوى خلالها في حالة نشاط".



التأثير على تشكل النجوم:


يقول شافينسكي: "ينبغي أن نعتبر الفترة التي تبلغ 200 ألف عام فترةً تقريبيةً ومتوسطاً إحصائياً". ويعني ذلك أن نشاط النوى قد يدوم لفترة أطول من مجرةٍ لأخرى، ولكنّ الرقم لا يتجاوز بضع مئات آلاف السنين في كل المجرات. وقد تكشف هذه الحدود الزمنية النقاب عن الكيفية التي تؤثر بها النوى النشطة على تكون المجرات التي تؤويها. من الممكن على سبيل المثال أن تؤدي الإشعاعات الناتجة عن النوى النشطة إلى ارتفاع درجة حرارة سحابةٍ غازيةٍ منكمشةٍ تتشكل فيها النجوم الجديدة، ومن الممكن لهذا التسخين أن يمنع انكماش السحابة الغازية، وبالتالي يمنع تكوّن النجوم، ولكن، ينبغي على النواة النشطة أن تشع لفترةٍ طويلةٍ ليحدث ذلك. يقول شافينسكي: "بفضل التقديرات التي تم التوصل إليها حول فترة نشاط هذه النوى، تمكنا من الاقتراب خطوةً أخرى نحو العثور على إجابة لهذا السؤال".

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • المجرة (galaxy): عبارة عن أحد مكونات كوننا. تتكون المجرة من الغاز وعدد كبير (في العادة، أكثر من مليون) من النجوم التي ترتبط مع بعضها البعض، بوساطة قوة الجاذبية. و عندما تبدأ الكلمة بحرف كبير، تُشير Galaxy إلى مجرتنا درب التبانة. المصدر: ناسا

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات