فلكيون من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا يرصدون اصطدام مستعر فائق مع نجمه المرافق

يُعتبر المستعر الفائق من النوع (la)، واحداً من أكثر الظواهر المبهرة في الكون، وهو ينتج عندَما تنفجر نجوم كثيفة وصغيرة تسمّى الأقزام البيضاء (white dwarfs) بشدة كبيرة، وتستطيع هذه المستعرات الفائقة في ذُروَتِها أن تتسبّب في تألّق مجرة بِأكملها، وعلى الرّغم من العثور على آلاف من المستعرات الفائقة (supernovae) من هذا النّوع في العقود الأخيرة، إلا أن عملية تشكّل القزم الأبيض لا تزال غير واضحة. 


لكنّ ذلك بدأ يتغير في 3 مايو/أيار 2014، عندما عمل فريق علماء فلك من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا على نظام الرصد الآلي المعروف بـ منشأة بالومار المتوسطة العابرة، intermediate Palomar Transient Factory، التي تعرف اختصاراً بـ iPTF، حيث تم إنشاؤها عبر تعاون عدة معاهد ويقودها شرينيفاز كولكارني Shrinivas Kulkarni، وجون د John D، وكاثرين ت Catherine T. 

اكتشف البروفيسور في علم الفلك وعلم الكواكب ومدير المراصد البصرية في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا ماك آرثر MacArthur مستعراً فائقاً من النوع la، يعرف بـ (iPTF14atg) في مجرة IC831 القريبة، والواقعة على بعد 300 مليون سنة ضوئية.

تؤيِّد البيانات التي جمعها فريق iPTF على الفور واحدة من نظريتين حول أصل سوبرنوفا القزم الأبيض، وتشير إلى إمكانيّة وجود تَجَمُّعَيْن مُتميزَينْ من هذا النّوع من المستعرات، وقد تم ذكر التفاصيل في ورقة علمية مؤلفها الرئيسي هو الطالب في الدراسات العليا يي كاو Yi Cao، من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، ونُشرت في 21 مايو/أيار في مجلة Nature

يعرف نوع السوبرنوفا la بالشموع القياسية (standardizable candles) لأنَّها تسمح لعلماء الفلك بقياس المسافات الكونيّة عن طريق النسبة بين ظهورها بشكل خافت إلى ظهورها بشكل متألّق، حيث أنه من المألوف أن المصباح الكهربائي سيبدو على بعد ميل واحد خافت أكثر بمئة مرة من مصباح موجود على بعد جزء من عشرة من الميل، وهذا الانسجام هو الذي أعطى لهذه الأجسام النّجميّة دوراً فاعلاً في قياس تسارع اتّساع الكون في التسعينيات، الأمر الذي أدى إلى حصول ثلاثة علماء على جائزة نوبل للفيزياء في عام 2011. 

هنالك نظريّتان تتنافسان في هذا الصدد، إلا أن كلتاهما تبدآن بنفس السيناريو، إذ ينفجر قزم أبيض في النهاية، وهو واحد من زوج من النّجوم التي تدور حول مركز كتلة مشترك، وتقول النظريات أن التّفاعل بين هذين النجمين هو الذي يؤدي إلى تطور المستعر الفائق.

إذاً، ما هي طبيعة هذا التّفاعل؟ تختلف النظريتان عند هذه النقطة، فوفقاً لإحداهما، وهي المعروفة بنموذج الانحلال المزدوج (double - degenerate model)، يكون مرافق القزم الأبيض المنفجر كذلك قزماً أبيضاً، ويبدأ انفجار المستعر الفائق عند اندماج اثنين من الأجسام المتشابهة. أما في النظرية الثانية، المعروفة بنموذج الانحلال الأحادي (single - degenerate model)، فيَحُلّ مكان النجم الثاني نجم شبيه بالشمس، أو حتى نجم عملاق أحمر (red giant) وهو أكبر أنواع النجوم على الإطلاق.

في هذا النموذج، تسحب الجاذبية القوية للقزم الأبيض مواد من النجم الثاني، وتزيد هذه العملية بدورها درجة الحرارة والضغط في مركز القزم الأبيض حتى يبدأ التفاعل النووي، وينتهي بانفجار مثير. تظهر الصّعوبة في تحديد النموذج الصّحيح من حقيقة أنّ المستعرات الفائقة نادراً ما تحدث، وهي تحصل لمرة واحدة كل بضعة قرون في مجرتنا، وتتضمن نجوماً خافتة جداً قبل الانفجار. 

ولذلك السبب وُجد iPTF، فمن قمة جبل باولمار في جنوب كاليفورنيا، حيث يوجد تلسكوب سامويل أوشين ذو الفتحة 42 إنش، تمسح الكاميرا البصرية للمشروع، والمؤتمتة بالكامل، ما يقارب 1000 درجة مربعة من السّماء في الليل - أي حوالي 1/20 من السّماء المرئية فوق الأفق، وذلك بحثاً عن الأجسام العابرة، بما في ذلك المستعرات الفائقة من النوع la، التي يتغير بريقها على امتداد فترات زمنية تتراوح من ساعات إلى أيام. 

في 3 مايو/أيار، أخذت iPTF صوراً للمستعر IC831، وأحالت البيانات لتحليلها في جهاز الكومبيوتر في المركز الوطني للحوسبة العلمية وبحوث الطاقة، حيث يتم تحليل خوارزمية آلية الصور والأجسام السماوية الحقيقية ذات الأولوية بواسطة الأدوات الرقمية.

ولأن هذا التحديث حصل للمرة الأولى عندما كان الوقت في الولايات المتحدة ليلاً وفي أوروبا نهاراً، فقد كان المتعاونون الأوروبيون والإسرائيليون أول من دقق هذه الأجسام الأوّلية بحثاً عن إشارات مثيرة للاهتمامات. 

بعد أن رصدوا مستعرات فائقة محتملة، تبيَّن أن الإشارة لم تكن واضحة في الصّور التي التُقطت ليلة أمس، ونبّه الفريق الإسرائيلي والأوروبي نظرائهم الأمريكيين، بما في ذلك طالب الدراسات العليا في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا والعضو في فريق iPTF وي كاو. 

حشد كاو وزملاؤه كل التلسكوبات الأرضية والفضائية، بما في ذلك القمر الصناعي "سويفت" التّابع لناسا والّذي يرصد الأشعة فوق البنفسجيّة (UV)، لإلقاء نظرة عن كثب على المستعر الفائق الشاب. 

يقول كاو: "قضيت مع رفاقي العديد من الليالي دون نوم من أجل تصميم نظامنا للبحث عن انبعاثات الأشعة فوق البنفسجية المضيئة من المستعر الفائق "الطفل" من النّوع la. تستطيع أن تتخيل كم كنت مسروراً عندما شاهدت البقعة المضيئة لأول مرة في موقع المستعر الفائق في صورة الأشعة فوق البنفسجية، كنت أعرف أن ذلك ما كُنت آمله". 

تملك الأشعة البنفسجية طاقة أعلى من الضوء المرئي، ولذلك فهي طريقة مناسبة لرصد الأجسام الساخنة مثل المستعرات الفائقة، على الرغم من عدم إمكانية إجراء هذه المراقبات إلا من الفضاء بسبب امتصاص الغلاف الجوي للأرض والأوزون لكل الأشعة البنفسجية الواردة تقريباً.

قاس "سويفت" نبضات الأشعة فوق البنفسجية، التي انخفضت في البداية، لكنها ارتفعت مع تألّق المستعر الفائق. ولأن مثل هذه النبضات قصيرة الأمد، فإنه من الممكن أن تُفلت من عمليات المسح التي تمسح السماء بشكل أقل مما يفعله iPTF

يتوافق النّبض فوق البنفسجي المرصود مع سيناريو التّشكل، وفيه: تندفع المواد المقذوفة من انفجار المستعر الفائق إلى النّجم المرافق مولدةً موجة الصدمة تُشعل المواد المحيطة بها، وبعبارة أخرى، تتفق البيانات مع النموذج أُحادي الانحلال.

بالعودة إلى العام 2010، استخدم دانيال كاسن Daniel Kasen، وهو أستاذ مساعد في علم الفلك والفيزياء في جامعة كاليفورنيا في بيركلي ومختبر لورنس بيركلي الوطني، الحسابات النّظرية ومحاكاة الكومبيوتر الفائق للتنبؤ بنبضة مماثلة لنبضة تصادم المستعر مع نجمه المرافق. 

يقول كاسن: "بعد أن قمت بهذا التنبؤ، حاول الكثير من الناس البحث عن الدّليل، وهذه هي المرة الأولى التي يستطيع فيها شخص ما رؤيته، وذلك يفتح طرقاً جديدة أمام دراسة أصول النجوم المتفجرة".

ووفقاً لكولكارني: "يقدم هذا الاكتشاف دليلاً مباشراً على وجود نجم مرافق للسوبرنوفا من النوع la. ويبين أنه على الأقل، نشأت بعض أنواع السوبرنوفا la عن طريق الانحلال الأحادي"

وعلى الرّغم من أن بيانات المستعر الفائق (iPTF14atg) تدعم فرضية تشكّلها من نظام أحادي الانحلال، يمكن أن تنتج مستعرات فائقة من النوع la عن نظام مزدوج الانحلال. ففي الواقع، تُظهر مراقبات عام 2011 الخاصة بـ (SN2011fe)، وهي سوبرنوفا أخرى من النوع la عثر عليها iPTF في مجرة قريبة تسمى (Messier 101)، أن نموذج الانحلال الأحادي مستبعد في هذه الحالة الخاصة. 

في الواقع، يعني ذلك أن كل النظريات قد تكون صالحة، ويقول أستاذ الفيزياء الفلكية النظرية Sterl Phinney في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا والذي لم يشارك في البحث: "تشير الأنباء إلى أن كلا النموذجين النّظريين صحيحان، وهنالك نوعان مختلفان من المستعرات الفائقة من النوع la".

يقول عضو فريق iPTF مانسي كاسليوال Mansi Kasliwa، الذي سينضم إلى أعضاء هيئة تدريس علم الفلك في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا كأستاذ مساعد في سبتمبر 2015: "لقد شكّل كل من اكتشاف iPTF السريع للمستعر الفائق في بدايات تشكله، ومتابعته السريعة عن طريق قمر سويفت، أمراً مهماً في الكشف عن مرافق القزم الأبيض المنفجر، والآن علينا فعل ذلك مرة بعد أخرى لتحديد أنواع المستعر الفائق من النوع la التابعة لنظريات أصل مختلفة".

المشروع iPTF هو نتاج تعاون علمي بين كل من :


معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا و مختبر لوس ألاموس الوطني Los Alamos وجامعة ويسكونسن ميلووكي Wisconsin – Milwaukee ومركز أوسكار كلاين Oskar Klein في السويد ومعهد وايزمان Weizmann Institute للعلوم في إسرائيل وبرنامج TANGO التابع لنظام جامعة تايوان، ومعهد كافلي Kavli Institute للفيزياء والرياضيات الكونية في اليابان. ويتم تمويل فريق معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا جزئياً من قبل المؤسسة الوطنية للعلوم National Science Foundation .

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • المستعرات الفائقة (السوبرنوفا) (supernovae): 1. هي الموت الانفجاري لنجم فائق الكتلة، ويُنتج ذلك الحدث زيادة في اللمعان متبوعةً بتلاشي تدريجي. وعند وصول هذا النوع إلى ذروته، يستطيع أن يسطع على مجرة بأكملها. 2. قد تنتج السوبرنوفات عن انفجارات الأقزام البيضاء التي تُراكم مواد كافية وقادمة من نجم مرافق لتصل بذلك إلى حد تشاندراسيغار. يُعرف هذا النوع من السوبرنوفات بالنوع Ia. المصدر: ناسا
  • العملاق الأحمر (red giant): أو النجم العملاق الأحمر، هي المراحل الأخيرة من تطور نجم ميت، وستتحول شمسنا في مراحلها الأخير إلى هذا النوع من النجوم.

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات