باحثون عبروا عتبة حرجة في الإتصالات الضوئية

تمكن باحثون من جامعة ليهاي واليابان وكندا من التقدم خطوة أقرب إلى حلم النقل الضوئي الكامل للبيانات، من خلال بناء وعرض ما أسموه "أول دليل موجي أحادي البلورة فعال في الزجاج في العالم."

في مقالة نشرتها Scientific Reports، وهي أحد منشورات مجلة نيتشر، قالت المجموعة أنها استخدمت ليزرات الفيمتوثانية فائقة السرعة (ultrafast femtosecond lasers) لإنتاج بلورة أحادية تستطيع توجيه موجات الضوء خلال الزجاج مع خسارة قليل من الضوء.


وكانت المقالة التي نشرت في 19 مايو/أيار بعنوان: Direct laser-writing of ferroelectric single-crystal waveguide architectures in glass for 3D integrated optics.

 

أظهرت صورة ميكروسكوب ضوئي مستقطب مفاصل كريستالية مكتوبة داخل الزجاج بواسطة ليزر الفيمتوثانية. وعند تشعبها (أ)، تتطور توجهات شبيكية مستقلة في كل فرع، ويتم حفظها (ب) عندما تعود التفرعات للاندماج في خط واحد. وتدل عجلة الألوان على زاوية المحور السريع أو البطيء للانكسار الثنائي للضوء. Credit: Lehigh University
أظهرت صورة ميكروسكوب ضوئي مستقطب مفاصل كريستالية مكتوبة داخل الزجاج بواسطة ليزر الفيمتوثانية. وعند تشعبها (أ)، تتطور توجهات شبيكية مستقلة في كل فرع، ويتم حفظها (ب) عندما تعود التفرعات للاندماج في خط واحد. وتدل عجلة الألوان على زاوية المحور السريع أو البطيء للانكسار الثنائي للضوء. Credit: Lehigh University

لقد حاز كاتب المقالة الرئيسي، آدم ستون Adam Stone، درجة الدكتوراه في علوم وهندسة المواد من ليهاي في العام 2014، والمؤلفين المشاركين له هم هيمانشو جين Himanshu Jain أستاذ علوم وهندسة المواد، وفولكمار ديرولف Volkmar Dierolf أستاذ الفيزياء، وكلاهما في ليهاي، ومعهم باحثون من جامعة كيوتو في اليابان ومونتريال بوليتكنك في كندا.

تقول المجموعة أن إنجازها هذا سوف يدفع قدمًا بالجهود القائمة لتطوير دوائر ضوئية متكاملة (photonic integrated circuits)، أو اختصاراً (PICs)، أصغر وأرخص وأكثر كفاءة في استخدام الطاقة وأكثر جدارة بالثقة من الشبكات الحالية، التي تستخدم مكونات إلكتروضوئية متمايزة –أي، أدلة موجية ومجزئات ومضمنات ومرشحات ومضخمات- لنقل الإشارات الضوئية.

"إنها نزعة جديدة في مجال الضوئيات"، كما كتب الباحثون: "لقد كانت سعيا نحو ... استبدال أنظمة المكونات المتمايزة الضخمة التي تؤدي وظائف فردية، بـ (PICs) مدمجة ومتعددة الوظائف، على نحو يشبه كثيرا الطريقة التي قاد بها دمج الإلكترونات ذلك التقدم المثير للإعجاب في أنظمة الكومبيوتر الحديثة". ووفقا للباحثين، فإن تحقيق هذا التحول يتطلب أساليب محسنة لتصنيع الـ (PICs) ثلاثية الأبعاد.

يضيف الباحثون: "إن الأساليب المستخدمة حاليا لتصنيع الـ (PICs)، هي التصوير الليثوغرافي وغيره من العمليات التي تناسب الهندسة المستوية". وأن: "تقنيات الـ (PIC) ثلاثية الأبعاد للتصنيع ستمكننا من مكونات أعلى كثافةً، وأجهزة أكثر إدماجا بكثير، بينما تخلق في نفس الوقت، فرصا لتقنيات جديدة، مثل الذاكرة الضوئية ثلاثية الأبعاد ذات الكثافة العالية".

ولتصنيع الـ (PICs) ثلاثية الأبعاد، كما يقول الباحثون، فإنه من الضروري، أولا، منع تشتت الضوء أثناء نقله، وثانيا، نقل ومعالجة الإشارات الضوئية بسرعة كافية للتعامل مع كميات متزايدة الضخامة من البيانات.

ويضيف الباحثون، أن الزجاج، وهو مادة غير متبلورة ذات تركيب ذري مضطرب أصلا، لا تستطيع مواجهة هذه التحديات. أما البلورات، بتركيبها الشبكي عالي التنظيم، فتتوافر فيها المواصفات الضوئية الضرورية. 

إن " الأدلة الموجية غير المتبلورة تفتقر في أساسها إلى اللاخطية الضوئية من الرتبة الثانية (second-order optical nonlinearity)، بسبب تركيبها الذري ذو التماثل الموجي المشوش"، ويكتب الباحثون: "إن بعض التطبيقات الفوتونية، التي لا تنقل الإشارات الفوتونية فقط، بل وتعالجها ... تتطلب ركائز بلورية ذات استجابة ضوئية لاخطية من الرتبة الثانية".

"لذلك، فإن القدرة على تصنيع البلورات الضوئية اللاخطية في الزجاج هي، بالتالي، أساسية للتصنيع الليزري ثلاثي الأبعاد للـ (PICs)، لكي تحقق إمكانياتها بالكامل."

من أجل تصنيع البلورات في الزجاج، وظفت المجموعة، التي تقودها ليهاي، ليزرات الفيمتوثانية، التي صارت مفيدة لعمليات إعتام عدسة العين وغيرها من جراحات العين بسبب سرعتها ودقتها. والفيمتوثانية تعادل عشر الكوادريليون، أو 10-15 من الثانية. وتدوم الدفقات المنبعثة من ليزر الفيمتوثانية بين بضعة فمتوثواني ومئات الفمتوثواني.

تقول لجاين، لقد سعى العلماء منذ سنوات لصنع بلورات في الزجاج، لمنع تشتت الضوء أثناء نقل الإشارات الضوئية. وقد زادت الطبيعة "المتعارضة" لخصائص البلورات والزجاج في تعقيد هذه المهمة، فالزجاج يتحول إلى بلور عند تسخينه، وفقا لجاين، ولكنه حاسم في التحكم بعملية النقل. 

"والسؤال هو: كم من الوقت ستستغرق هذه العملية؟ وهل سنحصل على بلورة واحدة أو أكثر؟ نحن نريد بلورة واحدة؛ فالضوء لا يستطيع الانتقال خلال بلورات متعددة. كما نحتاج أن تكون البلورة بالشكل والتكوين الصحيحين."

بعد إجراء التجارب في ليهاي وجامعة كيوتو ومونتريال بوليتكنك، بنت المجموعة بلورة في الزجاج وعرضت قدراتها كدليل موجي وحددت مقدار كفاءتها في النقل، وكان كل من البلور والزجاج مركبين من لانثانوم البوروغرمانانت (LaBGeO5)، وهي مادة فيروكهربية. 

يقول ديرولف: "لقد حققنا الجودة من خلال توجيه الضوء من إحدى نهايتي البلورة إلى الأخرى مع خسارة قدر ضئيل جدا من الضوء. لقد أنجزنا شيئاً مشابهاً ومكافئاً للسلك لتوجيه الضوء. ومن الممكن، بواسطة بلورتنا، القيام بذلك بشكل ثلاثي الأبعاد لكي يتمكن السلك، أي الضوء، من الإنحناء والإنطواء أثناء نقله. وهذا يتيح لنا إمكانية إضافة مكونات مختلفة على طبقات مختلفة من الزجاج".

وحقيقة أن العرض قد تم باستخدام مواد فيروكهربية، هي قيمة مضافة، كما يرى ديرلوف، الذي يتابع: "لقد أبدت البلورات الفيروكهربية تأثيرا كهروضوئيا يمكن استثماره لتحويل وتوجيه الضوء من مكان إلى آخر، كما يفعل الماسح الضوئي في السوق المركزية. وتستطيع البلورات الفيروكهربية، أيضا، تبديل الضوء من تردد إلى أخر، وسيتيح هذا إرسال الضوء عبر قنوات مختلفة".

يقول جاين: "لقد صنعت مجموعات أخرى بلورات في الزجاج، إلا أنها لم تتمكن من إثبات جودتها. ومع جودة بلورتنا، فقد تجاوزنا العتبة الحرجة، التي تجعل الفكرة مفيدة. ونتيجة لذلك، فإننا الآن بصدد استكشاف وتطوير أجهزة جديدة للاتصالات الضوئية، بالتعاون مع إحدى الشركات الكبرى."

ويضيف جاين وديرلوف، أن ليزر الفيمتوثانية يوفر عددًا من المزايا المهمة، فالشدة العالية لدفقة الليزر تتيح الامتصاص الضوئي اللاخطي، كما أن التركيز الدقيق يمكن الباحثين من التحكم في موضع تركيز الليزر وموضع امتصاص الضوء. 

ويتابع جاين أنه: "يمكننا تسخين الزجاج داخليا فقط، مما يهيئ الظروف المطلوبة ويؤدي إلى ذوبان الزجاج، حتى يتحول إلى بلور"، كما يتيح التركيز الفريد لليزر الفيمتوثانية، أيضا، "كتابة" البلورة داخل الزجاج، وليس على سطحه.

يتابع جاين، "نحن لا نريد الكتابة على السطح، نريدها فقط في عمق الزجاج"، ويُضيف: "عليك، بطريقة ما، أن توجه الليزر إلى داخل الزجاج قبل تشغيله. ونحن نفعل ذلك من خلال استغلال إحدى خواص ليزر الفيمتوثانية -وهي أن الشدة اللازمة لإحداث التغير الذي تريد، توجد فقط عند النقطة المركزية لليزر."

ووفقاً لديرلوف، فإن الامتصاص اللاخطي للضوء يعتمد على شدة الضوء في مناطق مختارة، ويتابع: "إذا ضاعفت شدة الليزر، فربما حصلت على امتصاص أكبر بـ 20 إلى 100 مرة. ويمكنك تحقيق ذلك باستخدام دفقات الفيمتوثانية ذات الشدة العالية جدا لفترة قصيرة جدا من الزمن. هناك مختبر خاص لهذا الغرض في كيوتو. ولقد حصلنا الآن على منحة CREF "صندوق معدات البحوث الحرجة" من ليهاي، لتجهيز هذا النوع من المرافق هنا."

ويقول جاين، أن الباحثين في ليهاي عملوا على هذا المشروع لما يزيد عن عشر سنوات. وكان المشروع قد بدأ في مركز ليهاي للتقنيات الضوئية بتمويل من قسم المجتمع والتنمية الاقتصادية بجامعة بنسلفانيا. وبعد ذلك، قام الـ NSF بتمويل العمل في ليهاي، ثم مول أيضا الشراكات الدولية، من خلال معهد ليهاي الدولي للوظائف الجديدة للزجاج IMI-NFG، وجاين هو مدير هذا المعهد.
 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • الدارات الضوئية المتكاملة (photonic integrated circuits): أو اختصاراً PICs، وهي دارات تستفيد من الوظائف الضوئية المتعددة لتعمل بشكلٍ مشابه للدارات الإلكترونية المتكاملة.
  • ليزرات الفيمتوثانية فائقة السرعة (ultrafast femtosecond lasers): وهي عبارة عن أجهزة إصدار ليزر تدوم الدفقات المنبعثة منها بين بضعة فمتوثواني ومئات الفمتوثواني.

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات