كم من المعرفة نستطيع أن نُدرك؟

حقوق الصورة: Chris Gash

 

كتب الفيزيائي الألماني وورنر هايزنبرغ Werner Heisenberg الذي كان أول من فهم مبدأ الشك (مبدأ عدم اليقين) في فيزياء الكم: "إنّ ما نشاهده هو ليس الطبيعة بحدّ ذاتها، إنّما الطبيعة مفتوحة للطرق التي نحاول أن نفهمها بها". لأولئك الذين يعتقدون بأنّ العلم هو الطريق المباشر للوصول إلى حقيقة العالم، إنّ هذا الاقتباس ينبغي أن يكون مُفاجئا، وربما مزعج أيضاً. هل يقول هايزنبرغ بأنّ نظرياتنا العلمية منوّطة بنا كمراقبين؟ إذا كان الامر كذلك، وأخذناه على محمل الجدّ، فهل هذا يعني بأنّ ما نسميه الحقيقة العلمية ليست إلا وهما كبيرا؟؟

سيقوم الناس سريعاً بردة فعل حول شي ما مثل: لماذا تحلّق الطائرات أو لماذا تعمل المضادات الحيوية؟ لماذا نحن قادرين على صنع آلات تعالج المعلومات بكفاءة عالية جداً؟ وبالطبع، تعتمد هذه الاختراعات وغيرها الكثير على قوانين الطبيعة التي تعمل بشكل مستقل عنّا (نحن البشر). يوجد هناك نظام في هذا الكون، ويكشف العلم تدريجيّاً هذا النظام.

ليس هنالك من شك حول ذلك: فهناك نظام في الكون، والكثير من العلم حول أنماط السلوك – بدءا من الكواركات إلى الثدييات إلى المجرات – التي ترجمناها إلى قوانين عامة. إنّنا نتخلّص من التعقيدات غير الضرورية ونركّز على ما هو أساسي، وعلى خصائص جوهر النظام الذي ندرسه. بعد ذلك بنينا وصفاً تصويرياً لكيفية تصرّف الكون، الأمر الذي يكون في أفضل الحالات تنبؤياً.

غالباً، إنّ ما يتم إهماله في إثارة البحث هو أنّ منهجية العلم تتطلّب التفاعل مع النظام الذي ندرسه. فنحن نراقب سلوكه، ونقيس خصائصه، ونبني نماذج مفاهيمية أو رياضية لنفهمه بشكلٍ أفضل. ولفعل ذلك، نحن بحاجة إلى أدوات تمتدّ إلى ما وراء إدراكنا الحسي: الصغير جداً والسريع جداً، والبعيد جداً، والذي يتعذّر الوصول إليه فعلياً، مثل ما الذي يوجود داخل الدماغ أو المدفون في داخل لب الأرض earth’s core. إنّ ما نشاهده ليس الطبيعة بحدّ ذاتها، بل الطبيعة التي نراها كما تُظهرها البيانات التي نجمعها من الأجهزة. ونتيجة لذلك، تعتمد رؤيتنا العلمية للعالم على المعلومات التي يمكننا الحصول عليها من خلال أدواتنا. وبفرض أنّ أدواتنا محدودة، فإنّ رؤيتنا للعالم هي بالضرورة محدودة أيضاً. يمكننا أن نرى حتى الآن طبيعة الأشياء فقط، وتعكس نظرتنا العلمية المتغيرة دائماً هذا المبدأ الأساسي على كيفية إدراكنا للواقع.

فكّر فقط في علم الأحياء أو تسلسل الجينات قبل وبعد المجهر، وفي علم الفلك قبل وبعد المقراب، او في فيزياء الجسيمات قبل وبعد المصادمات أو مُسرّع الإلكترونات. والآن، كما في القرن السابع عشر إنّ النظريات التي بنيناها والرؤية العالمية التي كوّناها تتغير مع تطوّر أدوات الاستكشاف لدينا. وهذا المنحى هو بمثابة العلامة التجارية للعلوم.

أحياناً يعتبر الناس أنّ هذه الإفادة حول حدود المعرفة العلمية بكونها هزيمة: "إذا لم نستطيع الوصول إلى عمق الأشياء، فلماذا القلق؟" وهذا النوع من الرد في غير محلّه. فليس هناك هزيمة في فهم حدود المنهج العلمي للمعرفة. يبقى العلم أفضل منهجية لدينا لتشكيل رأي موحّد حول عمل الطبيعة. وما ينبغي أن يتغير هو الشعور بالانتصار العلمي – الاعتقاد بأنه لا يوجد سؤال خلف الوصول إلى الخطاب العلمي.

هناك عدم إدراك واضح في العلم – أسئلة معقولة، ما لم يتم كسر قوانين الطبيعة المقبولة حالياً، فلا يمكننا إيجاد إجابات عليها. مثال على ذلك: هو الكون المتعدد، ويعني الاعتقاد بأن كوننا هو كون من بين العديد من الأكوان الاخرى، فيحتمل بأن يكون لكلّ كون منها مجموعة مختلفة من قوانين الطبيعة. أكوان أخرى تقع خارج أفقنا السببي، وهذا يعني بأننا غير قادرين على استقبال أو إرسال الإشارات إليهم. وأيّ دليل على وجودها سيكون غير مباشر: مثلاً، وجود ندوب في الفضاء الذي يتخلل الإشعاع بسبب تصادم سابق مع كون مجاور.

يمكن توحيد أمثلة أخرى عن عدم الإدراك في ثلاثة أسئلة حول الأصول: أصل الكون، وأصل الحياة، وأصل العقل. وإن الحسابات العلمية لأصل الكون غير مكتملة لأنها يجب أن تعتمد على إطار عمل مفاهيمي حتى تبدأ في العمل: مع الحفاظ على الطاقة والنسبية وفيزياء الكم مثلاً. ولكن لماذا يعمل الكون وفق هذه القوانين وليس غيرها؟

وبالمثل، مالم نتمكن من إثبات أن هناك مسارا واحدا أو عدداً قليلاً من مسارات الكيمياء الحيوية للخروج من الموت إلى الحياة، عندها لن نتمكن بالطبع من معرفة كيف بدأت الحياة على الأرض. وبالنسبة للإدراك، تكمن المشكلة في الانتقال من المادة إلى الشخصية – على سبيل المثال، من نسج الخلايا العصبية إلى تجربة الألم أو تمييز اللون الأحمر. وربما ينشأ نوع من الوعي البدائي في جهاز معقد جداً. ولكن كيف يمكننا أن نُخبر بذلك؟ كيف نثبت – على عكس الاعتقاد – أنه يوجد شيئ واعٍ؟

والمفارقة، أنه عبر وعينا فإننا نجعل للكون مغزى، حتى لوكان غير كامل. فهل يمكننا أن نفهم تماماً شيئاً نحن جزء فيه؟ مثل الثعبان الأسطوري الذي يعضّ ذنبه، فنحن عالقون داخل دائرة تبدأ وتنتهي بتجربتنا للحياة في العالم. ولا يمكننا فصل وصفنا للواقع عن كيفية تجربتنا له. وهذا هو الملعب حيث تُكشف لعبة العلم، وإذا لعبنا وفقاً للقواعد، يمكننا أن نرى الكثير مما يقع وراءه.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • الغاز (Gas): أحد الحالات الأساسية الثلاث للمادة. في هذه الحالة تتحرك الذرات، أو الجزيئات، أو الأيونات بحُريّة، فلا ترتبط مع بعضها البعض. وفي علم الفلك، تُشير هذه الكلمة عادةً إلى الهيدروجين أو الهيليوم. المصدر: ناسا

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات