الحمض النووي ولغة التطور

ربما يكون الحمض النووي منقوص الأكسجين والذي يُعرف اختصاراً بـ DNA، هو الجزيء الأكثر شهرة في العالم اليوم، ولكن في الحقيقة حاز الـ DNA على الاهتمام في وقت متأخر في تاريخ علم الأحياء. اكتشف جريجور مندل Gregor Mendel بعض العمليات الكامنة وراء عملية الوراثة قبل ما يقارب القرن من اكتشاف الحمض النووي (DNA)، ثم اكتشف العلماء في مطلع القرن مبادئ مماثلة لما اكتشفه مندل، ثم أعادوا اكتشاف أعمال مندل وأدركوا بسرعة أن الحياة مشفرة بطريقة ما داخل الجينات. لقد كانت مكونات هذه الجينات لغزاً محيراً، لكن ذلك لم يمنع العلماء من البدء بدراسة ديناميكا الجينات، والطفرات (Mutations)، والكيفية التي يمكن لأشكال جديدة من الحياة أن تنتج عن طريق الانتخاب الطبيعي. لقد تم وضع النظرية التركيبية الحديثة (Modern Synthesis)، وهي الأساس الذي تم إعادة اختبار كل الأبحاث التي لها علاقة بالتطور على مدى الـ50 سنة الماضية قبل اكتشاف الحمض النووي بسنين.

بنية الحمض النووي


لا يمكن إنكار أن اكتشاف الحمض النووي كان علامة فارقة في عملية البحث في التطور. بينما كان علماء الأحياء التطورية يقومون بصياغة النظرية التركيبية، كان العلماء المتخصصون في الجينات حول العالم يبحثون بشراسة عن الجزئيات التي تحمل المعلومات الجينية. كانو يعلمون أن الخلايا تحتوي على عدة أنواع مختلفة من الجزيئات، مثل البروتينات (Proteins)، والأحماض النووية (Nucleic Acids)، ولكن من منها يمتلك القدرة على حمل المعلومات ونسخها في خلايا جديدة؟ لقد أظهرت التجارب أن الأحماض النووية يمكنها التأثير في الصفات الموروثة، وقد كان عالم الجينات الأمريكي الشاب جيمس واتسون  James Watson  أحد الباحثين الذين أدركوا أنه في حال أردنا التأكد إن كانت هي التي تحمل الجينات أم لا، فالطريقة الوحيدة هي فهم تركيبها.

كانت هذه مهمة صعبة، لأن العلماء في ذلك الحين كانوا يستطيعون فقط رؤية الجزئيات بتسليط إشعاعات سينية (x-ray beams) عليها، والتي تقوم بهز الذرات، ثم الوقوع على فيلم بعدة أنماط مميزة. تشارك جيمس مع فرانسس كريك Francis Crick في جامعة كامبريدج Cambridge لتحليل بيانات الأشعة السينية التي جمعتها روزاليند فرانكلين Rosalind Franklin وآخرون. وكنتيجة لتدفق من الذكاء المفاجئ ، بنى واتسون وكرك في العام 1953 نموذجاً من لوحات النحاس، والمشابك، وأجزاء أخرى من معدات المختبر، ونتيجة لعملهم، أدركا أن الأحماض النووية مرتبة على سلم ملتوٍ مكون مع مسارين مصنوعين من الفوسفات والسكر، مع سلسلة من الدرجات المصنوعة من أزواج من مركبات عضوية معروفة بالقواعد (bases)، وبعد عدة سنين فاز العالمان بجائزة نوبل لاكتشافهم الشكل الحلزوني المزدوج (Double Helix) الخاص بالحمض النووي.

كتاب وصفات الطبخ الخاص بالحياة


اكشتف واتسون وكريك، وباحثون آخرون في السنين اللاحقة مبادئ عمل الحمض النووي، وقد أدركوا أن كل جين يتكون من زوجين من القواعد، وأن نسخة قياسية واحدة من الجين (معروفة بالمراسل RNA) تم نسخها، ونقلها لمصانع بناء البروتين في الخلية التي تسمى بالرايبوسومات (ribosomes)، وقام تسلسل القواعد بقيادة عملية تجميع شريط الأحماض الأمينية (amino acids)، والتي أصبحت بروتينات جديدة، يتم فك الحلزون المزدوج ومضاعفة الحمض النووي عند انقسام الخلية. إنه كتاب وصفات الطبخ الخاص بالحياة.

باستخدام الحمض النووي


أحدث اكتشاف الحمض النووي ثورةً في علم الأحياء، وأدرك العلماء أن الطفرات يمكنها تغيير وصفة كتاب الطبخ، ربما يتغير زوج واحد من أزواج القواعد، أو يمكن أن تتضاعف مجموعة من الجينات. هذه الطفرات التي تمنح ميزات مختارة للفرد تصبح شائعة أكثر مع مرور الوقت، وفي النهاية تقود هذه الطفرات الجينية النسخ القديمة للانقراض.


DNA
DNA


بفضل اكشاف الحمض النووي، يمكن للعلماء الآن تحديد الجينات، والقواعد المنفردة أيضاً. قبل اكتشاف الحمض النووي كانت الطريقة الوحيدة التي يتبعها العلماء في اكتشاف شجرة الحياة هي مقارنة أجسام وخلايا الأنواع المختلفة، أما الآن يستطيع العلماء مقارنة شيفراتها الجينية، صانعين بذلك طريقهم لأعمق الفروع التي يبلغ عمرها مليارات السنين.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات