مرحلة جديدة في علم الفلك: العلماء يرصدون موجات ثقالية صادرة عن تصادم اثنين من النجوم النيوترونية

علم الفلك يدخل مرحلة جديدة


تمكّن علماء الفلك من رصد موجات ثقالية (gravitational waves) وموجات ضوء صادرة عن حدث كوني واحد وهو اصطدام اثنين من النجوم النيوترونية ببعضهما واندماجهما معاً. وهذه هي المرة الأولى التي يرصد فيها العلماء موجات ثقالية وموجات الضوء في الوقت نفسه ومن مصدر واحد. النجوم النيوترونية neutron stars هي نجوم صغيرة الحجم لكنها هائلة الكثافة تُولد عندما تموت النجوم الضخمة، ووزن ملعقة واحدة فقط من مادة النجم النيوتروني يعادل وزن جبل إيفرست.

 

سيساهم هذا الاكتشاف الهام في تدشين أحد مجالات علم الفلك الجديدة والذي يُطلق عليه اسم علم الفيزياء الفلكية متعدد القنوات "multimessenger astrophysics”. وويقول الباحثون أن هذا الحقل الجديد سيلعب دوراً رئيسياً في الكشف عن أسرار الكون المثيرة. كما يُعتبر هذا الاكتشاف أول دليلٍ قويٍ على أن عمليات اصطدام واندماج النجوم النيوترونية هي مصدر الغالبية العُظمى من الذهب والبلاتين والعناصر الثقيلة الأخرى الموجودة في الكون. وفي تعليقه على هذا الاكتشاف قال ريتشارد أوشانيسي Richard O’Shaughnessy، أحد العلماء العاملين في مرصد الليزر لقياس تداخل الموجات الثقالية لايغو Laser Interferometer Gravitational-wave Observatory) LIGO): "لا توجد كلمات تصف عظمة هذا الاكتشاف، فقد غير هذا الاكتشاف الطريقة التي نتعامل بها مع علم الفلك. إنه مذهل"، على حد قول أوشانيسي الذي يعمل حالياً في مركز النسبية الحسابية والجاذبية Center for Computational Relativity and Gravitation التابع لمعهد روتشيستر للتكنولوجيا Rochester Institute of Technology.

 

نوع جديد من عمليات الرصد


تُعرّف الموجات الثقالية بأنها تموّجات تحدث في نسيج الزمكان (الزمان والمكان space-time) نتيجة تسارع في حركة بعض الأجرام السماوية العملاقة. وتتحرك هذه التموّجات بسرعة الضوء لكنها تُعتبر أكثر قدرة على اختراق الأشياء مقارنة بالضوء، إذ لا يُمكن بعثرتها أو امتصاصها كما هو الحال مع الضوء.

 

كان العالم الألماني الشهير آلبرت أينشتاين Albert Einstein قد تنبأ بوجود الموجات الثقالية من خلال نظريته المعروفة باسم نظرية النسبية العامة theory of general relativity والتي نشرها عام 1916، ولم يتمكّن علماء الفلك من رصد هذه الموجات بشكل مباشر إلا بعد مرور قرن من الزمن. ففي سبتمبر من عام 2015، تمكّن مرصد لايغو من رصد موجات ثقالية صادرة عن ثقبين أسودين بعد اصطدامهما ببعضهما. وقد حاز العلماء الثلاثة الذين أسسوا مشروع لايغو على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2017 تقديراً لهذا الاكتشاف. وبعد هذا الاكتشاف تمكّن فريق مشروع لايغو من تحقيق ثلاثة اكتشافات أخرى مماثلة لأمواج ثقالية ناتجة عن اصطدام ثقوب سوداء.

 

أما الاكتشاف الجديد، والذي أُعلِن عنه يوم 16 تشرين الأول/أكتوبر في العديد من المؤتمرات الصحفية حول العالم وكذلك من خلال مجموعة من الأوراق المنشورة في عدة مجلات علمية، فيُعتبر مختلفاً تماماً عن سابقيه. ففي 17 آب/أغسطس 2017، التقط اثنان من أجهزة الكشف التابعة لمشروع لايغو، والواقعين في ولايتي لويزيانا وواشنطن، إشارة استمرت لمدة 100 ثانية، وهي أطول من الإشارات السابقة التي صدرت عن اصطدام الثقبين الأسودين عام 2015 والتي لم تستغرق سوى أجزاءً من الثانية.

 

قال ديفيد شوميكر David Shoemaker: "أدركنا على الفور أن المصدر هو نجوم نيوترونية على الأرجح، وهو ما كنا نطمح للعثور عليه دوماً، وقد وعدنا العالم بأننا سنرصده يوماً ما"، وديفيد هو المتحدث الرسمي باسم مبادرة التعاون العلمي التابعة لمشروع لايغو LIGO Scientific Collaboration وأحد كبار الباحثين في معهد كافلي للفيزياء الفلكية وبحوث الفضاء Kavli Institute for Astrophysics and Space Research التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا Massachusetts Institute of Technology.


وبناءً على الحسابات العلمية التي أجراها فريق لايغو، تبيّن أن الجرمين السماويين المتصادمين يمتلكان كتلة أكبر من كتلة شمسنا بحوالي 1.1 إلى 1.6 مرة، ما يُؤكد أن هذين الجرمين هما بالفعل نجمان نيوترونيان. (بالمقارنة، كانت كتلة كل واحدٍ من الثقبين الأسودين اللذين اصطدما عام 2015 أكبر من كتلة شمسنا بعشرات المرات).


تنتج النجوم النيوترونية عن موت النجوم العملاقة وهي تُعتبر واحدة من أغرب الأجرام السماوية في الكون بأسره.

يقول توني بيرو Tony Piro، عالم فيزياء فلكية نظرية في مراصد معهد كارنيغي للعلوم في باسادينا، كاليفورنيا: "النجوم النيوترونية شبيهة جداً بالثقوب السوداء من حيث خصائصها. فإذا أخذت مقدار ملعقة واحدة فقط من مادة النجم النيوتروني فسيكون وزنها مساوياً لوزن جميع البشر الموجودين على الأرض الآن".

 

جهد جماعي


تمكّن جهاز فيرغو للكشف عن الموجات الثقالية Virgo gravitational-wave detector والواقع في مدينة بيزا الإيطالية من التقاط إشارة مصدرها حادثة الاندماج التي وقعت بتاريخ 17 آب/أغسطس، والتي أُطلق عليها اسم (GW170817 نسبة إلى تاريخ اليوم الذي وقعت فيه). من جهته تمكّن تلسكوب فيرمي الفضائي الخاص برصد أشعة غاما Fermi Gamma-ray Space Telescope والتابع لوكالة ناسا من رصد انفجار أشعة غاما في الوقت نفسه ومن المكان نفسه الذي رُصدت فيه الموجات الثقالية الجديدة.

 

من خلال كل هذه المعلومات تمكّن الباحثون من تتبّع مصدر الإشارة وحدّدوا مكانها في رقعة صغيرة من السماء في الاتجاه الغربي. وأرسل أعضاء فريق الاكتشاف المعلومات التي حصلوا عليها لزملائهم حول العالم وطلبوا منهم البحث في الرقعة نفسها باستخدام التلسكوبات الأرضية والفضائية التي لديهم.

 

وبعد ساعات قليلة فقط من رصد الموجات الثقالية الجديدة تمكّن بيرو وزملاؤه من رصد مصدر ضوء بصري مطابقٍ للمعلومات يبعد عن الأرض مسافة 130 مليون سنة ضوئية وذلك باستخدام أحد التلسكوبات التابعة لمرصد لاس كامباناس في تشيلي.


قال جوش سيمون Josh Simon، أحد أعضاء فريق الاكتشاف، والذي يعمل أيضاً في مراصد كارنيغي: "رأينا مصدر ضوءٍ أزرق ساطع قادم من مجرةٍ قريبةٍ منا وكانت تلك المرة الأولى التي نرصد فيها الحُطام المتوهج الناتج عن اصطدام النجوم النيوترونية. لقد كانت تلك لحظةً مُثيرة بالفعل".

 

وبعد حوالي ساعة، راقب الباحثون العاملون في تشيلي مصدر الضوء ذاته لكن هذه المرة من خلال الموجات ما تحت الحمراء باستخدام تلسكوب جيميني الجنوبي Gemini South telescope. من جهة أخرى، درست فرقٌ علمية أخرى المصدرَ المُكتشف باستخدام مجموعة من الأدوات العلمية وعبر مُختلف أطوال الموجات التي يتألف منها الطيف الكهرومغناطيسي، من موجات الراديو وحتى موجات أشعة إكس (السينية).


من خلال هذه الجهود اكتشف العلماء أن جزءاً من الضوء الذي رُصِد ناتج عن التوهّج المُشعّ للعناصر الثقيلة، كالذهب واليورانيوم، والتي تتشكّل في كل مرّة يصطدم فيها نجمان نيوترونيان ببعضهما.

 

على مدار السنوات الماضية كان علماء الفلك يعلمون أن الانفجار العظيم The Big Bang هو مصدر العناصر الخفيفة، كالهيدروجين والهيليوم، وكانوا يعلمون أيضاً أن العناصر الأخرى وصولاً إلى الحديد تنتج عن عمليات الاندماج النووي داخل النجوم، أما مصدر العناصر الثقيلة الموجودة في الكون فقد كان مجهولاً بالنسبة لهم. وهنا تبرزُ أهمية هذا الاكتشاف الجديد، إذ يقول إيدو بيرغر Edo Berger من مركز هارفارد-سميثسونيان للفيزياء الفلكية (Harvard-Smithsonian for Astrophysics (CfA في كامبريدج، ماساتشوستس: "من خلال هذا الاكتشاف توصّلنا إلى نتيجة مفادها أن العناصر الثقيلة في الجدول الدوري الموجودة في الكون تنتج عن عملية اندماج النجوم النيوترونية، وهي معلومة كانت مجهولة بالنسبة لنا في السابق".

 

وكان فريق بيرغر قد درس الحدث باستخدام كاميرا الطاقة السوداء Dark Energy Camera في مرصد سيرو تولولو للبلدان الأمريكية Cerro Tololo Inter-American Observatory في تشيلي.

 

أضاف بيرغر في تصريحه: "إن كمية الذهب والبلاتين والعناصر النادرة التي تُنتجها عملية اندماج النجوم النيوترونية أكبر من كتلة كوكب الأرض"، وحول هذه المعلومة أوضح الباحثون أن كمية الذهب واليورانيوم التي أنتجها اندماج النجمين النيوترونيين (الحدث GW170817) أكبر من كتلة كوكب الأرض بحوالي 10 مرات.

 

مزيد من الاكتشافات في المستقبل


أظهرت الدراسة المعمقة التي أجريت على حدث الاندماج GW170817 بعضاً من المعلومات المهمة الأخرى.


على سبيل المثال، أظهر الاكتشاف أن الموجات الثقالية تسير بسرعة الضوء بالفعل تماماً كما تنبأت النظرية. (رصد تلسكوب فيرمي الفضائي انبعاثات أشعة غاما بعد ثانيتين فقط من تلاشي إشارة الموجة الثقالية) وهذا يعني أن علماء الفلك قد حصلوا على معلومات إضافية حول خصائص النجوم النيوترونية.


قال أوشانيسي: "هناك بعض العناصر التي كنّا غير متأكدين إن كانت النجوم النيوترونية تحتويها أم لا لأن هذه النجوم لم تُظهر نشاطاً كافياً يسمح بذلك خلال عمليات الاندماج السابقة".

 

قال أفي لوب Avi Loeb من مركز الفيزياء الفلكية (Center for Astrophysics (CfA، والذي يشغل أيضاً منصب رئيس قسم علم الفلك في جامعة هارفارد: "إن حدث الاندماج الجديد هذا ليس سوى البداية، فعمليات الرصد هذه والتي تعتمد على مبدأ "تعدد القنوات" تسمح لنا بحساب المسافات بيننا وبين الأجرام السماوية الأخرى بطرق مختلفة".


ويتابع لوب الذي لم يكن مُشاركاً في الاكتشاف الجديد: "من الناحية النظرية، يمكن لعمليات القياس هذه أن تساعد العلماء أخيراً على تحديد معدل توسّع الكون بدقة. والتقديرات التي تُوضَع لهذه القيمة، والمعروفة باسم ثابت هابل Hubble Constant، تتباين اعتماداً على ما إذا كان يتم حسابها باستخدام عمليات رصد انفجارات النجوم أو من خلال رصد إشعاع الخلفية الكونية الميكروي (إشعاع الخلفية الكونية الميكروي هو الضوء القديم الذي نتج عن الانفجار العظيم). هذا مجال جديد لم يكن مُتاحاً لنا من قبل".

 

من جهته أكّد أوشانيسي أن العديد من المجالات الأخرى ستُفتح أمامنا في المستقبل ولا أحد منا يعلم إلى أين ستقودنا اكتشافات المستقبل.


"أعتقد أن الأمر الأكثر إثارة هنا أن هذا الاكتشاف الجديد ليس سوى البداية. والأهم من ذلك أنه سيغيّر شكل علم الفلك في المستقبل، فنحن الآن نملك طرقاً متعددة لسبر أغوار كوننا العنيف والعجيب".

 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • الأمواج الثقالية (gravitational waves): عبارة عن تموجات في الزمكان، نشأت عن حركة الأجسام في الكون. أكثر المصادر التي تُنتج مثل هذه الأمواج، هي النجوم النترونية الدوارة، والثقوب السوداء الموجودة خلال عمليات الاندماج، والنجوم المنهارة. يُعتقد أيضاً بأن الأمواج الثقالية نتجت أيضاً عن الانفجار العظيم. المصدر: ناسا
  • النسبية العامة (General Relativity): هي النظرية الهندسية للجاذبية. تم تطوير هذه النظرية من قبل البرت اينشتاين، و هي توسعة و مزج مع النسبية الخاصة. تقوم هذه النظرية بتوسيع مفهوم نظرية النسبية الخاصة، لتشمل جمل الإحداثيات التي تتحرك بتسارعٍ معين وتقدم هذه النظرية مفهوم التكافؤ بين قوى الجاذبية وقوى القصور الذاتي، كما أن لهذه النظرية مجموعة من النتائج التي تتعلق بكل من هذه المواضيع، كانحناء الضوء جرّاء وجود الأجسام فائقة الكتلة، و طبيعة الثقوب السوداء، و نسيج الزمان والمكان. المصدر: ناسا
  • ثابت هابل (Hubble constant): هو الثابت الذي يُحدد العلاقة بين المسافة التي تفصلنا عن مجرة ما وبين سرعتها الناتجة عن توسع الكون. بعد الكثير من الأعوام التي كان فيها هذا الثابت يمتلك قيمة تقع بين 50 و 100 كيلومتر لكل ثانية لكل Mpc، تم تحديد قيمته مؤخراً لتكون 70 كيلومتر لكل ثانية لكل Mpc، زائداً أو ناقصاً 7. تم استخلاص هذه القيمة بالاعتماد على تلسكوب هابل الفضائي عبر الفريق الرئيسي للمشروع. المصدر: ناسا
  • مقياس التداخل (interferometer): عبارة عن أداة تقوم بقياس التداخل (Interferometry)
  • الطاقة المظلمة (Dark Energy): هي نوع غير معروف من الطاقة، ويُعتقد بأنه المسؤول عن تسارع التوسع الكوني.

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات