الحديد يتخذ القرارات!

في ديناميكيات لعبة شد الحبل (tug-of-war)، يستطيع قضيب حديدي أن يقرر أي آلة من آلات ألعاب الحظ لديها أعلى احتمال للفوز، وذلك من خلال التحرك إلى اليسار بعد كل لعبة لُعبت على الآلة (أ) وحازت على مكافأة وإلى اليمين بعد كل لعبة لم تحز على مكافأة. السبب في حركة القضيب هو التقلبات المادية.


مصدر الصورة: Kim, et al.


صُنع القرارات -أي القدرة على اختيار مسار واحد من عدة خيارات- يُعد بشكل عام قدرة معرفية (cognitive) تمتلكها الأنظمة البيولوجية، ولكن.. ليس الأشياء المادية. أما الآن، فقد بين باحثون في دراسة جديدة، أن أي جسم مادي صلب -أي غير حي- مثل قضيب حديدي، لديه القدرة على اتخاذ القرارات من خلال الحصول على معلومات من محيطه مقرونة بالتقلبات (fluctuations) المادية.

وقد قام الباحثون سونغ-جو كيم Song-Ju Kim وماساشي أونو Masashi Aono وإتسوشي ناميدا Etsushi Nameda، من معاهد في اليابان، بنشر ورقتهم البحثية عن اتخاذ القرار في الأشياء المادية في العدد الأخير من New Journal of Physics.

وذكر كيم، وهو من المركز الدولي للمواد النانواركيتكتونية (Nanoarchitectonics) التابع للمعهد الوطني لعلم المواد في تسوكوبا، أيباراكي باليابان، أن "التلميح الأهم الذي نود تبنيه هو أن التدابير (scheme) المقترحة ستوفر منظوراً جديداً لفهم مبادئ معالجة المعلومات لدى بعض الأشكال المتدنية من الحياة". وأضاف أن "هذه الأشكال المتدنية من الحياة تستثمر الفيزياء الكامنة وراءها دون الحاجة إلى أي أنظمة عصبية متطورة".

وكما شرح الباحثون في دراستهم، فإن الشرط الوحيد لأن يُظهرَ جسم مادي قدرةً فعالة على صنع القرار، هو أن يكون هذا الجسم "حافظاً للحجم" (volume-conserving). أي جسم صلب -مثل قضيب حديدي- يفي بهذا الشرط، مما يخضعه بالتالي لـ "قانون بقاء الحجم" (volume conservation law). وهذا يعني أنه عندما يتعرض جسم للتقلبات، فإنه قد يتحرك قليلاً إلى اليمين أو إلى اليسار، ولكنه يبقى محتفظاً بحجمه الكلي دائماً. وبما أن هذه الإزاحة تشبه لعبة شد الحبل (tug-of-war) مع جسم صلب، فقد أسمى الباحثون منهجهم "ديناميكيات شد الحبل" (tug-of-war dynamics)، أو اختصاراً TOW.

هذا مثال على كيفية عمل هذه الفكرة: لنقل أن هناك آلتي ألعاب الحظ ) و (ب) وأن لكل منهما احتمالات فوز مختلفة، والهدف هو أن تُقرر أي الآلتين ستقدم أفضل احتمالات الفوز، وأن تفعل ذلك في أسرع وقت ممكن بناءً على خبرات سابقة.

لقد بين الباحثون أن قضيباً عادياً من الحديد يستطيع اتخاذ مثل هذا القرار. ففي كل مرة تنتهي فيها نتيجة آلة لعبة الحظ (أ) بمكافأة، يتحرك القضيب مسافة محددة إلى اليسار، وفي كل مرة تنتهي فيها النتيجة بلا مكافأة، يتحرك القضيب مسافة محددة إلى اليمين. وينطبق الأمر نفسه على آلة لعبة الحظ (ب)، ولكن مع عكس اتجاهات حركة القضيب. وبعد عدد كاف من المحاولات، تُبينُ الانزياحات الكلية للقضيب أي الآلتين لديها أفضل احتمالات الفوز.

وقد فسر الباحثون حدوث حركة القضيب بأنها ناتجة عن التقلبات المادية.

وأوضح كيم أنه "من الممكن تفسير سلوك الجسم المادي الناتج عن عمليات الـ TOW بأنها تقلبات". وأضاف أنه "بدلاً عن هذا التقلُّب، فإننا نضيف تقلباً آخر على نموذجنا". النقطة المهمة هي أنه من الممكن استخدام التقلبات، التي توجد دائماً في الأنظمة الفيزيائية الحقيقية، في حل مشكلات صنع القرار".

وقد بيّن الباحثون أيضاً أن منهج الـ TOW، الذي تُطبقه الأجسام المادية، يمكن أن يحل المشاكل بسرعة أكبر من غيره من خوارزميات صنع القرار التي تَحُلُ مشاكل مماثلة. ويعزو العلماء هذا الأداء المتفوق لحقيقة أن المنهج الجديد يستطيع تحديث الاحتمالات لكلتا الآلتين، على الرغم من أنه يلعب بواحدة منهما فقط. تنشأ هذه الميزة من حقيقة أن النظام يعرف محصلة اثنين من احتمالات المكافأة مسبقاً، خلافاً لغيره من خوارزميات صنع القرار.

لقد أدرك الباحثون تجريبياً، بالفعل، نُسَخا بسيطة من جسم مادي تستطيع اتخاذ القرارات باستخدام منهج الـ TOW في الأعمال ذات الصلة.

هذا ويرى كيم أن " الـ TOW يَصلُحُ للتطبيقات المادية". ويضيف: "في الواقع، لقد طبقنا الـ TOW بالفعل على النقاط الكمية (quantum dots) والفوتونات المفردة ومفاتيح التبديل الذرية (atomic switches)".

ومن خلال تبيينه لعدم اقتصار عملية صنع القرار على الأنظمة البيولوجية، فإن هذا المنهج الجديد ينطوي على تطبيقات ممكنة في مجال الذكاء الاصطناعي.

يقول كيم "إن المنهج المقترح يمهد لإطار مرجعي جديد للحوسبة التناظرية (analog computing) التي تقوم على الفيزياء الجديدة، والتي سوف تتضمن أشياء من أمثال (الأجهزة النانوية الذكية) و (شبكات المعلومات الذكية) المؤسسة على التقصي الذاتي والحكم الذاتي". ويضيف: "من الأمثلة على ذلك، جهازٌ يستطيع أن يُحدثَ تَغيُرا موجهاً، لتحقيق أقصى قدر ممكن من امتصاص الضوء". وهي قدرة مماثلة لقدرة زهرة يافعة من عباد الشمس على تحويل اتجاهها نحو الشمس.

الإمكانية الأخرى التي سعى الباحثون لاستكشافها مؤخرا، هي حاسوب تناظري يُسَخّر التقلبات الطبيعية من أجل تحقيق أقصى حصيلة ممكنة من المكافآت "دون دفع التكلفة التقليدية المطلوبة لإجراء هذه لحسابات".

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات