يمكنك الاستماع إلى المقال عوضاً عن القراءة
أنابيب الحمم البركانية المكان الأنسب لسكن البشر مستقبلاً في القمر والمريخ

روّادُ وكالةِ الفضاءِ الأوروبيّة أثناءَ تدرّبهم في أنابيب الحمم في لانزاروت ضمن برنامج بانغايا 2016. حقوق الصورة: ESA/S. Sechi 

يمكنُ أن تؤمّنَ أنابيبُ الحممِ البركانيّةِ (وهي كهوفٌ تحت الأرض نتجتْ عن النّشاطاتِ البركانيّة) مساكنَ ضخمةً تكفي لإيواءِ شوارعً على المرّيخ أو حتّى بلداتٍ على القمر، وذلك تبعاً لبحثٍ قُدِّمَ في المؤتمر الأوروبيّ العلميّ لعلم الكواكب لعام 2017 في مدينة ريغا، لاتفيا. كما وتظهر دراسة أحدث كيف يمكن للجيل الجديد من المركبات المداريّة أن تكون قادرةً على استخدام الرادار لإيجادِ أماكنِ هذه البُنى تحت سطح القمر.

ويمكن أن تتشكّلَ أنابيبُ الحمم البركانية عبر طريقتين


  • الأولى هي الأنابيبُ سميكةُ القشرةِ، والّتي تتشكّل عندما تتدفّق الحمم البركانيّة ذات اللّزوجةِ المنخفضةِ بالقربِ من السّطح مُشَكِّلةً قشرةً صلبة تصبح سميكةً لتُحدِثَ سطحاً فوق سيل الحمم البركانيّة المتحرّكة، وعندما تنتهي الانفجارات، تجفُّ القناة مخلِّفةً نفقاً تحت السّطح بأمتارَ قليلةٍ. 
     
  • أما الثّانية فهي الأنابيب المنتفخة، وهي ذات هياكلَ عميقة ومعقّدة تتشكّلُ حين تملأُ الحمم البركانيّة الشّقوقَ الموجودة بين طبقاتِ الصّخورِ أو التّجاويفِ من التّدفّقاتِ السّابقة، فتتمدَّدُ الحمم البركانيّة مخَلّفةً شبكةً ضخمةً من الممرّات بينما تشقُّ طريقها نحو السّطح.
     

وتوجد أنابيب الحمم في مناطقَ بركانيّةٍ على الأرض مثل لانزاروت، وهاواي، وأيسلندا، ونورث كوينزلاند في أستراليا، وصقلية، وجزر غالاباغوس.

وقد يصل طولُ شبكةِ الممرّاتِ إلى 65 كيلومتر، كما رصدت البعثات الفضائيّة سلسلةً من الحفر الهداميّة المنخفسة و"الكوّات" على سطح القمر والمرّيخ، والّتي فُسِّرَت على أنّها دليلٌ على وجودِ أنابيبِ الحمم البركانيّة هناك.

و قدّمت مؤخراً مهمةُ غريل GRAIL التابعةُ لوكالة ناسا بياناتٍ مفصّلةٍ عن الجاذبيّة على سطح القمر، حيث تقترح وجود فراغاتٍ تحت سطحيّة ضخمة لها علاقة بأنابيب الحمم البركانيّة تحت البحار القمرية lunar maria وهي سهولٌ بازلتيّةٌ تشكّلتْ من انفجاراتِ البراكين في تاريخِ القمرِ المبكّر.

نفَّذ باحثون من جامعتي بافودا Padova وبولونيا Bologna في إيطاليا أوّل مقارنةٍ منهجيّة لأنابيب الحمم البركانيّة المرشّحةِ على سطح الأرض، والقمر، والمرّيخ، معتمدين بذلك على نماذجَ رقميّةٍ عالية الدقة للتضاريس DTM الّتي شُكّلت بالاعتماد على بياناتِ أدواتٍ موجودةٍ على متن مركباتٍ فضائيّة.


صورةٌ لروّاد وكالة الفضاء الأوروبيّة أثناء تدرّبهم في أنابيب الحمم البركانيّة في لانزاروت ضمن برنامج بانغايا 2016. حقوق الصورة: ESA/L. Ricci
صورةٌ لروّاد وكالة الفضاء الأوروبيّة أثناء تدرّبهم في أنابيب الحمم البركانيّة في لانزاروت ضمن برنامج بانغايا 2016. حقوق الصورة: ESA/L. Ricci


ويقول الدّكتور ريكاردو بوزوبون Riccardo Pozzobon من جامعة بافودا: "أظهرت مقارنةُ نماذجِ التّضاريس القمريّةِ والمرّيخيّةِ -كما هو متوقع- أن للجاذبيّة تأثيرٌ كبيرٌ على حجم أنابيب الحمم البركانيّة، حيث يكون عرضها على الأرض حوالي 30 متراً، أمّا في طبيعة الجاذبيّةِ المنخفضةِ على سطح المرّيخِ، فنحن نرى أدلّة على وجود قنوات حممٍ يصل عرضها إلى 250 متر، بينما يصل عرض هذه القنوات على القمر إلى كيلومترٍ أو أكثر، ويبلغ طولها مئاتِ الكيلومترات".

ويكمل قائلاً: "تحمل هذه النتائجُ تطبيقاتٍ مهمّة تتعلّق بصلاحيّةِ السّكن واستكشاف الإنسان للقمر، وكذلك البحث عن حياةٍ خارجيّةٍ على سطح المرّيخ، فهذه القنوات محميّةٌ بيئيّاً من الإشعاع الكونيّ ومن تدفّق جريان الجسيماتِ النيزكيّةٍ الدّقيقة وبالتّالي فهي توفّر مسكناً آمناً محتملاً لبعثات البشر المستقبليّة، ومن المحتمل أيضاً أن تكون كبيرة بما يكفي لتؤوي مستوطنات بشريّةٍ مميّزة؛ حيث يمكن لأنابيب الحمم البركانيّة القمريّة أن تستوعب معظم مركز مدينة ريغا التّاريخيّة".

يُستَخدَمُ عمل بوزوبون وزملائه الآن في برنامج تدريب روّاد الفضاء لوكالة الفضاء الأوروبيّة، حيث تقود الفرقُ برنامجاً تدريبيّاً لجيولوجيا الكواكب يُسمى بانغايا PANGAEA والذي يشارك فيه مهندسو وروّادُ فضاءِ وكالة الفضاء الأوروبيّة.

و يتضمنُ مشروع بانغايا رحلةً حقليّةً وحملة اختبار في أنابيب الحمم البركانيّة في جزر الكناري لتأهيل رواد الفضاء من أجل الأبحاث الجيولوجيّة الّتي من الممكن تنفيذها ضمن البعثات المستقبلية إلى القمر والمرّيخ، ولاختبار الأنظمة العمليّة والتّقنيّة أيضاً.

تركِّز بانغايا، بشكل خاص، على استخدام تقنيّاتٍ ليزريّةٍ لوصف أنبوب كورونا البركاني الّذي يبلغ طوله 8 كيلومترات والموجود على جزيرة لانزاروت.

وعلى الرّغم من ذلك، فإنّ تحليل قنوات الحمم البركانيّة بنماذج DEM يتطلّب من الانهيارات أو ثقوب النّيازك أن تكشف عن الأنفاق المختبئة، فلا تستطيع آلات الاستشعار عن بعد التّقليديّة تحديدَ وتمييزَ قنوات الحمم، كما لا يمكنها الحصولُ على قياساتٍ تحت السّطح.


صورة لأحد روّاد الفضاء أثناء تفحّصه التّركيبَ المعدنيّ للصّخور باستخدام مطياف HaloSpec أثناء تدرّبهم في أنابيب الحمم البركانيّة في لانزاروت ضمن برنامج بانغايا 2016. حقوق الصورة: ESA/L. Ricci
صورة لأحد روّاد الفضاء أثناء تفحّصه التّركيبَ المعدنيّ للصّخور باستخدام مطياف HaloSpec أثناء تدرّبهم في أنابيب الحمم البركانيّة في لانزاروت ضمن برنامج بانغايا 2016. حقوق الصورة: ESA/L. Ricci


وفي مباحثاتٍ منفصلة في مؤتمر علم الكواكب الأوروبي EPSC، قدَّمَ ليوناردو كارير Leonardo Carrer وزملاؤه من جامعة ترينتو Trento مفهوماً لنظام رادارٍ مُصَمّمٍ خصّيصاً لتحديد قنوات الحمم البركانيّة على سطح القمر من مدار ما في الفضاء، حيث يسبر هذا الرّادار تحت سطح القمر باستخدام موجات كهرومغناطيسية منخفضة التّردّد ويقيس الإشارات المنعكسة. كما يستطيع هذا الرادار تحديد حجم وشكل والتركيب الفيزيائيّ للكهوف بدقّة، بالإضافة إلى الحصول على خريطة لمواقعها.

يقول كارير: "تُظهر الدراسات التي طوّرناها أنّ نظامَ الصوتِ متعدّد التردّد هو الخيار الأفضل لتحديد أنابيب الحمم البركانيّة من عدّة أبعاد، كما وتظهر نماذج المحاكاة الكهرومغناطيسيّة أنّ أنابيب الحمم البركانيّة تمتلك تواقيعَ كهرومغناطيسيّةٍ فريدةً من نوعها يمكن تحديدها من المدار في الفضاء بغضّ النّظر عن اتّجاهها بالنّسبة لاتّجاه حركة الرّادار، ولهذا فإنّ بعثةً تحمل مثل هذه الآلات يمكن أن توفّر الخطوة الحاسمة نحو إيجاد مسكن آمنٍ على القمر لاستيطان البشر".


صورةٌ فنيةٌ لأداة الرادار المخصصة لمسح أنابيب الحمم البركانيّة تحت السّطح القمريّ.  حقوق الصورة: NASA/U. Trento
صورةٌ فنيةٌ لأداة الرادار المخصصة لمسح أنابيب الحمم البركانيّة تحت السّطح القمريّ.  حقوق الصورة: NASA/U. Trento

 

 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات