هل تروي المذنبات العارية قصة نشوء النظام الشمسي؟

تُظهر الصورة جسميْن وهما يحلِّقان عبر النظام الشمسي في مدارات شبيهة بمدارات المذنبات وذلك في أعوام 2013 و2014، ويبدو في الصورة أن النشاط الموجود على سطح هذيْن الجسمين قليل جداً. يدعى الجسم الموجود في جهة اليسار بـ بان-ستارس C/2013 P2 Pan-STARRS، أما الجسم الموجود في جهة اليمين فيدعى بـ بان-ستارس C/2014 S3 Pan-STARRS. 

المصدر: University of Hawaii Institute for Astronomy


ما المذنب الذي لا يبدو وكأنه مذنب؟ يبدو هذا السؤال متناقضاً إلا أن علماء الفلك يعتقدون بوجود هذه الأجسام فعلاً. عند مرور المذنبات عبر النظام الشمسي فإنها تخسر الجليد والغبار بفعل تأثيرات الشمس التي تجتاح أجسامها الصغيرة. ومع مرور الوقت، تبدو بعض هذه الأجسام أشبه بسفن الأشباح (أي لا يوجد نشاط على سطحها)، دون وجود الجليد مصدر الحركة والنشاط على سطحها.

توجد هناك بالفعل فئة من الأجسام تدعى بـ كويكبات داموكلودي damocloids، يعتقد أنها مذنبات خامدة، ولكن العلماء يعتقدون أنهم وجدوا شيئاً جديداً بخصوص هذين الجسمين الغامضين القادمين من النظام الشمسي الخارجي واللذين سميا بـ المذنبات العارية [1].


ينحدر هذان الجسمان من منطقة أطلق عليها علماء الفلك اسم سحابة أورت Oort Cloud، وهي عبارة عن مجموعة افتراضية من الأجسام الجليدية التي تدور في مسافة بعيدة جداً تعادل تقريباً 100 ألف مرة المسافة الفاصلة بين الشمس والأرض (الوحدة الفلكية). تسببت التأثيرات الثقالية في دفع هذه الأجسام نحو الشمس حيث أنها بدأت في اتخاذ مدارات يمكن أن تستمر وتبقى لملايين السنين.

قال جان أورت Jan Oort عندما قدم فكرته لأول مرة في خمسينيات القرن الماضي إن بعض هذه الأجسام قد تمتلك فقط طبقة رقيقة جداً من الجليد ستتبخر على الفور عند مرور الجسم الأول بالقرب من الشمس. وهذا هو الأمر الذي يعتقد علماء الفلك أنهم يشاهدونه في كل من بان-ستارز C/2013 P2 و بان-ستارز C/2014 S3.


يحتل النظام الشمسي المعروف مع كواكبه الثمانية الصغيرة مساحةً صغيرةً فقط داخل غلاف كروي يحوي ترليونات المذنبات، أي سحابة أورت.   المصدر: Wikimedia Commons
يحتل النظام الشمسي المعروف مع كواكبه الثمانية الصغيرة مساحةً صغيرةً فقط داخل غلاف كروي يحوي ترليونات المذنبات، أي سحابة أورت. المصدر: Wikimedia Commons


تقول كارين ميك Karen Meech وهي عالمة فلك في جامعة هاواي في مانوا، والتي تقود عملية البحث: "عرفنا على الفور أن هذا الجسم غير اعتيادي وفريد من نوعه، حيث أن الأجسام ذات المدارات الطويلة مثل هذه عادة ما تظهر ذيول المذنبات وراءها، مثل مذنب أيسون ومذنب هالي بوب".


وتُتابع ميك حديثها فتقول: "إنني أتساءل ما إذا كان هذا الأمر يشكل أول دليل على حركة اللبنات الأساسية من النظام الشمسي الداخلي إلى سحابة أورت". اكتشف تلسكوب بان ستارز 1 الآلي الجسمَ المدعو بـ C/2013P2 في شهر أغسطس/آب سنة ٢٠١٣، حيث لاحظ علماء الفلك أن مداره يشبه مدار المذنب إلا أن سطحه خامد ولا يوجد أي نشاط عليه.


وبعد أشهر تم إلقاء نظرة ثانية على هذا الجسم باستخدام التلسكوب الشمالي في مرصد جيميني والذي يبلغ قطره ٨ أمتار، فوجد العلماء ضوءاً ضعيفاً وذيلاً من الغبار.


وقد حافظ هذا الجسم على نفس مستوى السطوع حتى عند وصوله إلى أقرب نقطة له من الشمس (على بعد ٢،٨ وحدة فلكية) في شهر فبراير/شباط ٢٠١٤. وبعد دوران المذنب حول الشمس وإمكانية رؤيته مجددا من قِبل التلسكوبات، اكتشف التلسكوب الشمالي في مرصد جيميني أمراً غريباً حيث ظهر طيف هذا الجسم باللون الأحمر.


وهذا الأمر من شأنه أن يجعله يبدو قادماً من حزام كايبر -أي جسم يهيم في الطبقة السطحية من النظام الشمسي وراء مدار نبتون- أكثر مما يبدو كمذنب نموذجي أو كويكب. بينما كانت هذه النتائج قيد التحليل، اكتشف مسح أجرته وكالة ناسا في شهر سبتمبر/أيلول سنة ٢٠١٤ جسماً يمتلك خصائص مشابهة بشكل مثير للفضول يدعى C/2014S3.


لكن عندما تم اكتشافه، كان الجسم قد وصل فعلاً إلى أقرب نقطة له من الشمس في شهر أغسطس/آب سنة 2014. ووجد العلماء من خلال تحليل مدار هذا الجسم أنه قادم من مسافة لا تتجاوز الوحدتيْن الفلكيتيْن، كما أن الأرصاد الأولى أظهرت ما يبدو بالكاد كأنه ذيل موجود وراءه.


تظهر هذه الصورة المستقاة من بيانات مركز الكواكب الصغيرة توزيع الأجسام في حزام كايبر (باللون الأخضر) جنباً إلى جنب مع مجموعة من الأجسام في النظام الشمسي الخارجي. المصدر: Minor Planet Center; Murray and Dermott
تظهر هذه الصورة المستقاة من بيانات مركز الكواكب الصغيرة توزيع الأجسام في حزام كايبر (باللون الأخضر) جنباً إلى جنب مع مجموعة من الأجسام في النظام الشمسي الخارجي. المصدر: Minor Planet Center; Murray and Dermott


كشفت الفحوص المقرّبة التي أجريت باستخدام التلسكوب الفرنسي-الكندي في هاواي عن حل اللغز، حيث تبيّن أن الطيف أقرب إلى اللون الأزرق منه إلى الأحمر. ويُلمح هذا الأمر إلى مواد مشابهة لما قد نجده في النظام الشمسي الداخلي. ويقول العلماء إن هذا يمكن أن يكون نوعاً جديداً من الأجسام الفضائية. تقول ميك Meech: "سأشعر بالإثارة إذا ظهر أن تركيبة سطح هذا الجسم مشابهة للكويكبات الموجودة في القسم الداخلي من حزام الكويكبات. وإذا ما تم التأكد من صحة هذا الأمر، فسيعتبر شيئاً رائعاً جداً بالنسبة إلى جسم وُجد في مكان بعيد جداً من النظام الشمسي".


وتُردف ميك قائلة: "هناك عدد من النماذج التي تحاول شرح وتفسير كيفية تطور الكواكب في بدايات نشوء النظام الشمسي، حيث يقترح بعضها أن المواد التي تشكلت بالقرب من الشمس يمكن أن تكون رميت بعيداً إلى النظام الشمسي الخارجي وسحابة أورت. وبقيت هناك إلى يومنا هذا. وربما نرى للمرة الأولى دليلاً على صحة هذا الأمر". تم تقديم وعرض النتائج بتاريخ ١٠ نوفمبر/تشرين الثاني في اجتماع المجموعة الفلكية الأميركية في قسم علوم الكواكب في توسكون بأريزونا.


ملاحظات:


[1]عارية: هو أن المذنب لا يمتلك طبقةً من الجليد وبالتالي هو عبارة عن صخرة فقط، أي لا يترك أي أثر وراءه.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات