القمر فوبوس ينهار !!

تُشير إحدى النماذج الجديدة التي وضعها العلماء إلى أن الأخاديد الموجودة على سطح قمر المريخ فوبوس ناجمة عن القوى المدّية، أي قوة الجذب المتبادلة بين كلّ من المريخ وقمره. هذا وقد اعتقد العلماء في بادئ الأمر أن الأخاديد تشكّلت بفِعل الاصطدام الكبير الذي شكّل فوهة ستينكي Stickney crater (انظر إلى أسفل اليمين).

المصدر: NASA/JPL-Caltech/University of Arizona


يعتقد علماء الفلك أن الأخاديد الطويلة والعميقة المنتشرة طولياً على سطح قمر المريخ فوبوس Phobos، ما هي إلاّ إشاراتٌ مُبكّرة على الانهيار المُحتمل الذي ستتعرض له بُنية القمر ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى تحطّمه بشكل كامل. 

يدور القمر فوبوس فوق سطح المريخ على ارتفاع يُقدّر بحوالي 3,700 ميل (6,000 كم)، وهو يُعتبر الأقرب إلى كوكبه من بين جميع الأقمار الموجودة في النظام الشمسي. تعمل جاذبية المريخ على سحْب فوبوس إلى الداخل باتجاه الكوكب بحوالي 6,6 قدم (3 أمتار) كل مائة عام، ولذلك يتوقع العلماء أن يتحطّم القمر بفِعل هذه الجاذبية خلال مدة تتراوح بين 30 إلى 50 مليون سنة. 

في هذا السياق يقول تيري هيرفورد Terry Hurford، من مركز غودارد لرحلات الفضاء التابع Goddard Space Flight Center لوكالة ناسا ومقره غرينبيلت بولاية ماريلاند: "نعتقد أن بُنية فوبوس قد بدأت فعلاً بالتداعي والانهيار والتفسّخ، ولعل أولى الإشارات على هذا الأمر هو تشكّل الأخاديد على سطحه".

تم عرض هذه النتائج التي توصّل إليها هيرفورد وزملاؤه بتاريخ 10 نوفمبر/تشرين الثاني لسنة 2015، وذلك في الاجتماع السنوي لقسم الجمعية الفلكية الأميركية المُختص بعلوم الكواكب والذي عُقِد في فندق ناشونال هاربر National Harbor بولاية ماريلاند.

اعتقد العلماء لفترة طويلة جداً أن الأخاديد الموجودة على سطح فوبوس هي عبارة عن كُسور وتصدّعات ناجمة عن الاصطدام الكبير الذي شكّل فُوهة ستينكي، وقد كان هذا الاصطدام قوياً لدرجة أنه كاد أن يتسبب بتحطّم القمر. لكن في نهاية المطاف، قرّر العلماء أن الأخاديد لا تتفرّع من الفوهة نفسها، بل من نقطة مركزية تقعُ على مقربةٍ منها.

واقترح الباحثون في الآونة الأخيرة رأياً آخر حيث قالوا بأن الأخاديد نشأت نتيجة حدوث اصطداماتٍ صغيرة للمواد المقذوفةِ من كوكب المريخ، لكن النموذج الجديد الذي قدّمه هيرفورد وزملاؤه دعم الرأي القائل بأن هذه الأخاديد هي على الأرجح "علامات تشققٍ وتصدّع" حدثت بسبب تعرّض فوبوس لآثار القوى المدّية، الأمر الذي ساهم في تداعي وانهيار بنية القمر.


تتسبب قوة الجذب الثقالية بين المريخ وفوبوس في إنتاج هذه القوى المدّية، كما يعمل كلّ من كوكب الأرض وقمره على جذبِ أحدهما نحو الآخر الأمر الذي يُؤدي إلى حدوث ظاهرة المد والجزر في المحيطات، كما تجعلُ من شكلهما (أي الأرض والقمر) شبيهاً بشكل البيضة عوضاً عن الشكل الكروي المكتمل.

تم اقتراح التفسير ذاته لظاهرة الأخاديد منذ عدة عقود، وذلك بعد أن أرسلت المركبة الفضائية فايكينج Viking مجموعةً من الصور لفوبوس إلى الأرض. في ذلك الوقت، كان هناك اعتقاد سائد بين أوساط العلماء بأن فوبوس ذو بنية صُلبة تقريباً في جميع أجزائه، وعندما حَسب العلماء القوى المدّية تبيّن أن الضغوط التي تتسبّب بها هذه القوى ضعيفة جداً وليس بمقدورها أن تتسبّب بتصدّع السطح الصلب لقمرٍ بمثل حجم فوبوس.

أما الآراء الحالية حيال هذا الموضوع فتقول بأن البُنية الداخلية لفوبوس يمكن أن تكون عبارة عن حُطامٍ متراكمٍ بالكاد يتماسك مع بعضه البعض، وهو مُحاط بطبقةٍ من مسحوق الريغوليث (الثرى القمري) powdery regolith تبلغ سماكتها حوالي 330 قدماً (100 متر).

في هذا الصدد يقول إريك إسفاوغ Erik Asphaug من كلية استكشاف الأرض والفضاء School of Earth and Space Exploration في جامعة ولاية أريزونا في تيمبي، وهو باحثٌ مشاركٌ في هذه الدراسة: "الأمر المُضحك حول هذه النتيجة هو أنها تُظهر امتلاك فوبوس لتركيبةٍ خارجيةٍ أقل ما يقال عنها أنها مُتماسكة، ويبدو هذا الأمر منطقياً خصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الكيفية التي تتصرف بها المواد المسحوقة أو المُفتّتة في ظل الجاذبية الضعيفة، لكنه بالطبع ليس بهذه البساطة والسطحية". المقصود هنا أن نتيجة الدراسة عندما أظهرت أن تركيبة القمر الخارجية محاطة بطبقة من مسحوق الريغوليث، فهذا يعني أن تركيبته غير متماسكة، تماماً مثل تركيبة أية مادة مسحوقة (على شكل بودرة) عندما لا تُمارس عليها قوى جاذبية قوية. 

يُمكن لبُنية داخلية شبيهة بهذه أن تتشوه بسهولة كبيرة نظراً لأنها تمتلك قوة صغيرة جداً وهي بالتالي تُجبر الطبقة الخارجية على التغيّر والتكيّف معها بشكل مستمر. يعتقد الباحثون أن الطبقة الخارجية لفوبوس تتصرف بشكل مرن كالمطاط بسبب تأثيرات البُنية الداخلية غير المتماسكة وتُنتِج ضغطاً معيناً لكنه ضعيف جداً وغير كافٍ للحفاظ على تماسك القمر إلى درجة أن الضغوط الآتية من البُنية الداخلية تتسبّب في تصدّع الطبقة الخارجية وانهيارها. 

ويعني كل هذا أن القوى المدّية المُطبِقة على فوبوس يمكنها إنتاج ما يكفي من الضغط للتسبب بتصدّع سطحه، كما أن هذه الكسور والتصدّعات الناتجة عن الضغط تتوافق بشكل جيد مع الأخاديد التي تمت رؤيتها في صور القمر فوبوس. كما يتلائم هذا التفسير مع عمليات الرصد التي أظهرت أن بعض الأخاديد حديثة العمر أكثر من غيرها، الأمر الذي يُشير إلى أن العملية الكامنة وراء تشكّلها لا تزال مستمرة إلى الآن.

المصير نفسه ينتظر قمر نبتون المسمى بـ تريتون Triton والذي يتداعى ببطءٍ نحو الداخل، كما يمتلك سطحاً متصدّعاً مُشابهاً لفوبوس. ووفقاً للباحثين، سيكون لهذا البحث أثرٌ ومساهمةٌ في دراسة الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية.

يقول هيرفورد: "لا نستطيع تصوير تلك الكواكب البعيدة لنرى ما يحدث على سطحها، إلا أن هذا البحث سيساعدنا في فهم تلك الأنظمة البعيدة وذلك لأن أي نوع من الكواكب التي تكون على وشك السقوط على نجومها التي تدور حولها ستتعرض لعمليات التحطّم والانهيار ذاتها التي يتعرّض لها القمر فوبوس". 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات