للمرة الأولى علماء يقيسون خصائص الماء في درجات الحرارة فائقة البرودة

يتميز الماء بعدد من الخصائص غير الاعتيادية، كحالته الصلبة أي الجليد الذي يطفو على سطح الماء السائل، وتزداد هذه الخصائص غرابة تحت درجة التجمد، ومن المعروف أن الماء السائل شديد البرودة -الذي يبقى سائلاً تحت درجة التجمد- هو موضوع صعب الدراسة. وقد اعتقد بعض العلماء أن الماء شديد البرودة يتصرف بطريقة غريبة عند مدى برودة معين، متحولاً من سائل إلى صلب، أي إلى بلورات على الفور عند درجة حرارة معينة.

أما الآن فقد اكتشف العلماء حديثاً طريقةً لأخذ لقطات توضح تجمد الماء في ذلك المدى شديد البرودة. لكن تخيل! لم تكن المياه غريبة كما هو متوقع، ومن الممكن تواجد الماء بالحالة السائلة مع انخفاض درجات الحرارة أثناء تبلوره من سائل إلى صلب، ولكن التبلور يصبح أبطأ كلما زادت البرودة – تماماً كما هو متوقع ولكن لا يتحول كله إلى بلورات دفعة واحدة. 

وقد نشر فريق باحثين من إدارة المختبر الوطني للطاقة شمال غرب المحيط الهادئ PNNL، أعمالهم في نسخة باكرة على الإنترنت هذا الأسبوع من مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences. على الرغم من أن النتائج لن تغير طريقة إعدادك للشاي المثلج في فصل الصيف، ولكنها ستساعد الباحثين في تجسيد فهمهم لطبيعة الماء، كما ستساعد علماء الطقس في فهم أفضل للمطر والغيوم. 

خدعة غريبة 

لا يخفى على الناس أن الجليد يطفو على سطح الماء السائل، ولكن قد لا يكون لديهم أدنى فكرة عن صعوبة تحويل الماء إلى زجاج، حيث يتميز الزجاج -كزجاج النافذة- بكونه مادة صلبة بجزيئات مرتبة كما لو كانت في حالتها السائلة.


كمثال لتوضيح ذلك، خذ مجموعة من البرتقال، ستلاحظ أن البرتقالات تتحرك في الكيس بحرية تماماً كما هو الحال في السائل، إذ يتحرك كل جزيء بحرية تامة. إذا رتبت البرتقال بطريقة منظمة في صندوق فإنك ستشكل بلّورة، أما إذا أغلقت الكيس بإحكام دون ترتيب البرتقال، فإنك ستشكل زجاجاً.

وللزجاج خاصية الاحتفاظ بالملوثات -كذبابة في العنبر أو نفايات نووية في الزجاج- بينما تتخلص البلورات من الملوثات، وأكبر مثال عن ذلك أن تجميد ماء البحر هو أحد طرق تحليته. ولتشكيل الزجاج يذيب الباحثون الرمل أو مكون آخر حتى يتحول لسائل، ومن ثم يبردونه بسرعة كبيرة بحيث لا يتمكن من تشكيل بلورة قبل أن يتحول لصلب. 

 

إن الماء مختلف عن بقية المواد الأخرى، فالحالة الصلبة منه، كهذا الجبل الجليدي، هي أقل كثافة من حالته السائلة، كهذا المحيط. يدرس العلماء خصائص غريبة أخرى للماء. مصدر الصورة: Wikimedia Commons
إن الماء مختلف عن بقية المواد الأخرى، فالحالة الصلبة منه، كهذا الجبل الجليدي، هي أقل كثافة من حالته السائلة، كهذا المحيط. يدرس العلماء خصائص غريبة أخرى للماء. مصدر الصورة: Wikimedia Commons


أما بالنسبة للماء، فإن تجميد كمية كبيرة منه بسرعة لا يشكل زجاجاً، بل يتحول بدلاً من ذلك سريعاً إلى جليد. ولتحويل الماء السائل لزجاج، يجب تبريده لدرجات حرارة شديدة البرودة ما دون الصفر خلال بضع ميكروثانية - ما يقارب 136 كلفن (أي ما يعادل - 215 فهرنهايت)، وهذه هي درجة حرارة الفضاء الخارجي، حيث يتوقع البعض وجود الماء القابل للتحول لزجاج.


ولكن المجالَ صعبَ الدراسة يقع أعلى بقليل مما يسمى بدرجة حرارة التحول لزجاج glass transition temperature. ولا يعلم العلماء ما يجري بين درجتي حرارة 160 و235 كلفن، وهذا يعادل في الحياة الواقعية الفرق بين درجتي حرارة قمر المريخ فوبوس Phobos ومنطقة فيربانكس Faribanks في ألاسكا في أشد أيام الشتاء. عند أعلى درجة حرارة في هذا المدى (قريباً من 235 كلفن في فيربانكس) يتجمد الماء من سائل شديد البرودة إلى بلورات في بضعة ميلي ثانية، وهذه سرعة عالية جداً لتُدرس بالنسبة للتقنيات الحالية المستخدمة في التحليل.


إن الليزر (بالسهم الأحمر) يشكل قطرة صغيرة من الماء شديد البرودة، ما يسمح للعلماء باستخدام طريقة تدعى IRAS (السهم الأخضر) لقياس سرعة تحول الماء شديد البرودة إلى جليد مرة أخرى، وذلك بواحدة النانو ثانية. مصدر الصورة: Kay, Kimmel/PNNL
إن الليزر (بالسهم الأحمر) يشكل قطرة صغيرة من الماء شديد البرودة، ما يسمح للعلماء باستخدام طريقة تدعى IRAS (السهم الأخضر) لقياس سرعة تحول الماء شديد البرودة إلى جليد مرة أخرى، وذلك بواحدة النانو ثانية. مصدر الصورة: Kay, Kimmel/PNNL


وقد جاء العلماء بمجوعة من الأفكار التي تفسر ما الذي قد يجري في المجال غير المكتشف، وتساءل العلماء حول ما إذا كان الماء سيبقى متغاير الاستقرار metastable مع انخفاض درجات الحرارة حتى درجة التحول لزجاج -أي يبقى سائلاً ولكن متأهباً للتبلور في أي لحظة، أو فيما إذا أصبح السائل غير مستقر عند درجة حرارة أعلى من ذلك، تقريباً 228 كلفن (أعلى قليلاً من سجل أدنى المستويات في محطة مكمردو McMurdo في القارة المتجمدة الجنوبية Antarcatica) عند هذه النقطة سوف يتبلور الماء بشكل تلقائي طبقاً لما يسميه علماء الفيزياء بنظرية التفرد Singularity. ومن الممكن إيجاد تفسير حول صعوبة تحول الماء لزجاج في ذلك المجال. 

وكما صرح عالم الفيزياء بروس كي Bruce Kay في المختبر الوطني للطاقة شمال غرب المحيط الهادئ PNNL: "هنالك وفرة في الفرضيات مقابل قلة في المعلومات".


ويقول عالم الفيزياء غريغ كيميل Greg Kimmle في المختبر الوطني شمال غرب المحيط الهادئ PNNL: "كان هدفنا تطوير تقنية جديدة لتسخين وتبريد طبقات المياه فائقة البرودة بسرعة كبيرة على مستوى النانو".

اللغز في الموضوع 


وللحصول على معلومات في المجال غير القابل للقياس، عمل كل من كيميل وكاي مع خبير الليزر يونتاو اكسو Yuntao Xu، وآخرون في PNNL على تطوير طريقة لتسخين وتبريد الماء في نانو ثانية باستخدام شعاع ليزر. وباستخدام هذه الطريقة قام علماء المختبر الوطني بقياس سرعة تحول الماء شديد البرودة إلى جليد متبلور كلما قلت الحرارة. بحيث انخفض وقت عملية التبلور من بضع نانو ثانية بالقرب من أعلى درجة حرارة إلى ساعات عند 126 كلفن. وإن تبلور الماء شديد البرودة في أي لحظة، خاصة عند 228 كلفن، ينفي بذلك نظرية التفرد Singularity.

وللنظر للتفرد من زاوية أخرى، بحث العلماء في سرعة تحرك جزيئات الماء شديد البرودة، ومدى اختلافه عند ازدياد برودتها. إذا كانت نظرية التفرد موجودة حقا، يتوقع العلماء عجز جزيئات الماء من الحركة عند نقطة معينة. فقد تحركت جزيئات الماء بشكل أبطأ وبطريقة معقدة ولكن مستمرة بدءاً من درجة التجمد حتى درجة التحول لزجاج. ومع ذلك فإن علاقة درجة حرارة الماء بسرعة حركته لا تشير لوجود التفرد عند 228 كلفن.


ويقول العالم كي: "يمكننا الآن على الأغلب استثناء التفرد Singularity". وبالنظر لكل ذلك، تعطينا النتائج معلومات قيمة حول كيفية تصرف الماء. ويقول العالم كيميل: "على سبيل المثال، في كيمياء الغلاف الجوي تتواجد قطرات الماء شديد البرودة في الغيوم، وهنالك العديد من التساؤلات عن كم ستصمد من الوقت".
 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات