شبكاتٌ كُمُومية ذات مسافات ذهاب وإياب غير متساوية

العملياتُ الحسابيةُ لانبعاثِ الفوتونِ في مصدرِ الفوتونات الاتجاهي الجديد. عندما يُشير دورانُ الإلكترونِ إلى الأعلى، يتمُ إصدارُ الفوتونِ في اتجاهٍ واحدٍ (اُنظر اللون الأزرق). أما عندما يُشيرُ دورانِ الإلكترونِ إلى الأسفلِ، يتمُ إصدارُ الفوتون في الاتجاه المعاكس (اُنظر اللون الأحمر).
المصدر: Sahand Mahmoodian and Søren Stobbe, NBI


 

قد يكونُ للتقنيةِ الكُموميةِ المُعتمدةِ على الضوءِ (الفوتونات)، قُدرةٌ على إحداثِ نقلةٍ كبيرةٍ في صناعةِ تقنيةِ المعلومات، وذلك عبرَ الاعتمادِ على الدوائرِ الضوئية (photonic circuits). لكن حتى الآن، لا يوجدُ أيُ اختلافٍ في سلوكِ الفوتوناتِ عندَ حركتِها ذهاباً أو إياباً داخل القناة الضوئية. وقد حدَّ هذا الشيءُ من القدرةِ على التحكمِ في الفوتوناتِ، وبالتّالي الحدُ من إمكانيةِ صُنعِ دوائرَ مُعقدةٍ لبناءِ حواسيبَ كُموميةٍ ضوئيةٍ (photonic quantum computers).

مُؤخراً، تمكّنَ باحثونَ من معهدِ نيلس بور Niels Bohr من اكتشافِ نوعٍ جديدٍ من القنواتِ الضوئيةِ (photonic channels) تكونُ فيها المسافةُ التي تقطُعها الفوتوناتُ ذهاباً وإياباً غيرَ متساوية. تُمثّلِ هذه القنواتُ، الحلقةَ المفقودةَ في مساعي العلماءِ لبناءِ حواسيبَ كُموميةٍ ضوئيةٍ على نطاق واسع. تم نشر نتائج هذا البحث في المجلة العلمية Nature Nanotechnology. 

من جهتِه، قامَ البروفيسور بيتر لوداهل Peter Lodahl، رئيسُ الفريقِ البحثيِ الذي قام بهذا الاكتشاف في معهد نيلس بور التابع لجامعة كوبنهاغن University of Copenhagen، بشرحِ هذا الاكتشافِ قائلاً: "تُعتبرُ الفوتوناتُ أصغرَ مُكوناتِ الضوء، وهي مُؤَهلةٌ تماماً لنقلِ المعلومات. بإمكانِ الدوائرِ الكموميةِ (quantum circuits) المُعتمِدةِ على الفوتونات أن تَحملَ مقداراً أكبرَ من المعلوماتِ وبدون عوائقَ في مسارِ حركتِها وهوَ ما ليسَ مُتاحاً في تقنيةِ الحواسيبِ الحالية. هذا يعني أننا نَعملُ حالياً على صياغةِ تقنيةِ حواسيبَ كموميةٍ مستقبليةٍ تعتمدُ على الضوئيات".

شرائحُ ضوئيةٌ مع خصائصَ جديدة 


قام الباحثون في معهدِ نيلس بور بتطويرِ شريحةٍ ضوئيةٍ تحتوي على مصدرٍ ضوئيٍ (أو ما يُعرف بـ النُقطة الكُمومية). تَحصلُ إثارةٌ في إلكتروناتِ هذه النقطةِ الكموميةِ عندَ تعريضِها لضوءٍ ليزري، لذا تقفزُ الإلكتروناتُ من مدارٍ إلى آخر، ونتيجةً لذلك، ينبعثُ فوتونٌ واحدٌ في وقتٍ واحد. عادةً يكونُ انبعاث الضوءِ في كلِ الاتّجاهات، لكنَّ الشريحةَ الضوئيةَ التي استُخدمت في البحث كانت قد صُمّمت بحيثُ يَتمُ إرسالُ كلِّ الفوتوناتِ الناتجةِ عبرَ قناةٍ ضوئيةٍ، وهو أمرٌ مشوقٌ جداً. لكن هناك مشكلةٌ، وهي أنَّ الفوتونات تُرسَلُ في القناةِ الضوئيةِ ذهاباً وإياباً وهو ما يؤدي للحدِّ من كفاءةِ مصدرِ الضوء، وكلما كَبُر حجمُ الدوائرِ المستخدمةِ وزادَ تعقيدُها، تضخّمت هذه المشكلة.

يتطرقُ لوداهل لهذهِ المشكلةِ قائلاً: "في سعينا لحلِ هذه المشكلةِ، قُمنا بتطويرِ قناةٍ ضوئيةٍ جديدةٍ بحيثُ أصبحَ بمقدورنا التّحكمُ في عمليةِ إرسالِ الفوتونات في اتجاه واحدٍ فقط. فكرةُ أن يتمَّ إرسالُ الضوءِ في اتجاه واحدٍ عبر شريحةٍ ضوئيةٍ، هي فكرةٌ جديدةٌ لم يتمّ التّطرقُ إليها من قبل. إنها حقاً اكتشافٌ استثنائي". 

تُوضِحُ الصورةُ جانباً من التجاربِ القائمةِ على التقنيةِ الكموميةِ المعتمدةِ على نقلِ الضوءِ (الفوتونات) عبرَ ضوئياتٍ كُموميةٍ في المختبرِ التابعِ لمعهدِ نيلس بور في كوبنهاغن. حقوق الصورة: Ola Jakup Joensen
تُوضِحُ الصورةُ جانباً من التجاربِ القائمةِ على التقنيةِ الكموميةِ المعتمدةِ على نقلِ الضوءِ (الفوتونات) عبرَ ضوئياتٍ كُموميةٍ في المختبرِ التابعِ لمعهدِ نيلس بور في كوبنهاغن. حقوق الصورة: Ola Jakup Joensen


التحكمِ باتجاهِ انبعاثِ الفوتون


عَمِلَ كلٌ من إيمو سولنر وساهاند محموديان Immo Söllner and Sahand Mahmoodian، وهما من حَملةِ شهادة الدكتوراة في مجموعةِ البحثِ المُسمّاة بالضوئياتِ الكموميةِ، على كلٍّ من النظرية والتجربة. وقد قالا أنهما يَستخدمانِ ضوءَ ليزرٍ من أجلِ إثارةِ إلكتروناتِ النقطةِ الكمومية، والتي تَقفزُ بدورها من مدارٍ لآخرٍ مُصدِّرةً في الوقتِ نفسه فوتوناً واحداً. ومن خلالِ التحكمِ في دوران الإلكتروناتِ باستخدامِ مجالٍ مغناطيسيٍ، فإنه بإمكانكَ الحصولُ على انبعاثٍ ضوئيٍ مختلفٍ تماماً. يختارُ الفوتونِ المُنبعثُ من نقطةٍ كموميةٍ مع إلكترونٍ يدورُ باتجاه الأسفلٍ اتجاهاً معيناً، بينما يختارُ الفوتونُ المُنبعثُ من نقطةٍ كموميةٍ مع إلكترونٍ يدورُ باتجاه الأعلى اتجاهاً آخر.

تأخيرٍ في اتجاه واحدٍ 


أكثرُ شيءٍ إثارةً للحماسِ فيما يخصُّ هذه القنواتِ الجديدةَ ليس حقيقة أن اتجاهَ الضوءِ المُنبعثِ يعتمدُ على دورانِ النقاطِ الكموميةِ (spin of the quantum dots) فحسب، ولكن أيضاً لأن الفونونَ الذي يَدخلِ القناةَ من أحدِ طرفيها يُبدي سُلوكاً مختلفاً في حال دخولهِ عبر طَرْفها الآخر. ففي أحدِ الاتجاهين يتفاعلُ الفوتون مع النقطةِ الكموميةِ، الأمرُ الذي يُبطِئُ حركتَه قليلاً، ولا يحدثُ هذا الشيء عند حركةِ الفوتون في الاتجاهِ المعاكسِ، لذا يظهرُ الفوتونُ وكّأنه قد قطعَ مسافةً أطولَ في اتجاهٍ دون الآخر. أي أن مسافتي الرحلةِ ذهاباً وإياباً في النظامِ غيرُ متساويتين. إن اختلافَ المسافاتِ هذا لا يُعتبرُ مُهماً فقط بل غايةً في الأهمية. 

وفي هذا الصدد ، يقولُ إيمو سولنر وساهاند محموديان: "لقد تمَّ تأخيرُ الفوتونِ في أحدِ الاتجاهين بسبب تفاعلهِ مع النقطةِ الكموميةِ، ولدينا الآن عددٌ منَ الفرصِ الجديدةِ لتصميمِ التفاعلِ بين الإلكترونِ والنقطةِ الكموميةِ والتحكمِ به، وهو أمرٌ في غايةِ الأهميةِ إذا أردنا تطويرَ حواسيبَ كُمومية".

تمهيد الطريق لتقنية كُمومية جديدة 


قامَ سورن ستوبي Søren Stobbe، الأستاذُ المشاركُ في مجموعةِ الضّوئياتِ الكموميةِ بمعهدِ نيلس بور، بقيادةِ عمليةِ إنتاجِ مصادرِ الضوءِ الجديدة، التي تم تطويرها بالتعاونِ مع مجموعةِ البروفيسور جين دونغ سونغ البحثية Jin Dong Song's research group التابعة لمعهد كوريا للتقنية Korea Institute of Technology. حيث أضافَ ستوبي بأن للتقنيةِ الجديدةٍ فائدةً كبيرةً بسبب اعتمادها على موادٍ شبه مُوصليةٍ (semiconductor materials) من النوعِ الموجودِ حالياً في الحواسيبِ العاديةِ. وهذا يعني أن نقلَ الفكرةِ من المختبرِ إلى الواقعِ سيكونُ أقصرَ الطرقِ الممكنةِ، برغم إقرارِ الباحثين بأن هذا الشيءَ يتطلبُ استثماراتٍ كبيرةً.

كما يشرحُ البروفيسور بيتر لوداهل فكرةَ الانتقالِ من مرحلةِ المختبرِ إلى مرحلةِ التطبيق قائلاً: "بإمكاننا أن نتحكمَ بحالةِ النقطةِ الكموميةِ، وبالتالي نستطيعُ تحديدَ الاتجاهِ الذي يتمُ فيه إصدارِ الفوتون. كذلك يُمكننا تحديدُ فيما إذا كانت هناكَ حاجةٌ لتأخيرِ الضوءِ الذي يسيرُ باتجاهٍ معينٍ أو بآخر. يُشكّلُ هذا الأمرُ نقلةً كبيرةً سيكونُ لها تطبيقاتٌ عمليةٌ مفيدةٌ عندما نبدأُ في بناءِ الشبكاتِ الكموميةِ. وبالطبع سيكونُ لهذه الشبكاتِ الكموميةِ قدرةٌ كبيرةٌ جداً على إجراءِ الحساباتِ المُعقدةِ في مجالي الكيمياءِ وتقنيةِ المواد. لذا فقد قُمنا بتسجيلِ اكتشافنا هذا كبراءةِ اختراع، ونعملُ حالياً على التسويق له".

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • الدارات الضوئية (photonic circuits): هي عبارة عن دارات تستخدم الضوء بدلاً من الإلكترونات للقيام بمجموعة من الوظائف البصرية.
  • أشباه الموصلات (أو أنصاف النواقل) (semiconductor): وهي مواد ذات مقاومة كهربائية ديناميكية بمجال بين مقاومة الموصلات ومقاومة العوازل، بحيث ينتقل التيار الكهربائي فيها عبر تدفق الالكترونات إلى القطب الموجب وتدفق للثقوب باتجاه القطب السالب (الثقب هنا موضع لإلكترون متحرّر)، من أهم تطبيقاتها: الترانزستور والثنائيات الباعثة للضوء

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات