باحثون يُطورون

العالم عند المستوى الكمومي ومستوى الجسيمات الصغيرة جدًا التي لا يُمكن مشاهدتها بالعين هو عالمٌ غريب. فمن الممكن في لحظةٍ ما أن يكون هناك جسيمين متشابكين، إذ يظهر الجسيمين متصلين، حتى ولو كانت المسافة الفاصلة بينهما أميالًا.

 

تجعل الأبحاث الجديدة، التي شارك في كتابتها فرانسيسكو مارسيلي (Francesco Marsili) مهندس الأجهزة الصغيرة في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا في باسادينيا-كاليفورنيا، من هذه الظاهرة أمرًا مفيدًا في تقنيةٍ متقدمةٍ منشورةٍ في مجلة نايتشر فوتونيك (Nature Photonics)؛ إذ تُمكِّن الباحثين من إجراء عملية نقلٍ لحظي (teleporting) لمعلوماتٍ حول الحالة الكمومية للفوتون، وهو جسيم الضوء، عبر 15,5 ميل (25 كيلومتر) من الألياف الضوئية وصولًا إلى كريستال بنك الذاكرة، وحدة التخزين المنطقية في مجال الالكترونيات. كما تمكنوا من تسجيل رقمٍ قياسيٍ جديد للسفر لمسافات طويلة باستخدام هذه الطريقة، فقد بلغ الرقم القياسي السابق باستعمال الألياف الضوئية 3,7 ميل (6 كيلومتر)؛ وتُعرف هذه العملية المعقدة بـ (النقل الكمومي اللحظي Teleporting)

 

يُمكن أن يكون لهذه البحوث عواقب مهمةٍ على التشفير، إذ يتضمن الأمر إرسال معلوماتٍ بشكلٍ آمن، بما في ذلك الاتصالات بين الأرض والمركبات الفضائية.

 

يقول مارسيلي: "نستطيع أن نطبع حالة نظامٍ ما على نظامٍ آخر حتى عندما يكون كل واحدٍ منهما بعيد جدًا عن النظام الآخر، وباستعمال هذا التأثير في الاتصالات، نستطيع أن نساعد في بناء شبكة اتصالاتٍ فضائيةٍ أمنةٍ لا يمكن اختراقها".

 

طوّر مارسيلي وزملاؤه في المعهد الوطني للمعايرة والتكنولوجيا (NIST) في بولدر، كولورادو جهازًا قادرًا على التقاط جسيم واحد من جسيمات الضوء المعروفة بالفوتونات.

 

ويضيف مارسيلي قائلًا: "من الصعب التقاط فوتونٍ واحدٍ. لذلك عليك أن تصنع كاشفًا حساسًا. وهنا في (JPL) وبالتعاون مع (NIST) طورنا أكثر الكواشف حساسيةً في العالم".

 

إن كيفية عمل النقل الكمومي اللحظي أمرٌ معقد، لكن المبدأ الكامن خلفه قد يساعد على فهم الأمر. لنفترض أن هناك شخصين: أليس وبوب، تُريد أليس من بوب أن يحصل على فوتون له "الحالة" نفسها للفوتون الذي معها، والذي سنسميه فوتون  (P) كما سنفرض أن "الحالة " هي لون وسيكون الفوتون (P) أصفر.

 

أرسل شخص ثالث يُدعي شارلي فوتونين متشابكين: فوتون (A) لأليس، وفوتون (B) لبوب، ويتصرف الفوتونان كأنهما جزء من المجموعة نفسها، ويظهر كلا الفوتونين بلونٍ أزرق.

 

يقول مارسيلي: "إنه نظام متشابك؛ فكل جزءٍ مرتبطٌ بالآخر بشكلٍ جوهري، بحيث أن أي فعل يُنفذ على جزءٍ من نظام التشابك له تأثير على كامل النظام".

 

الآن، أصبح لدى أليس فوتونين: فوتون (P) أصفر، وفوتون (A) أزرق، ويقوم هذان الفوتونان بالتصادم. ثم تقوم أليس بقياس الفوتونين أثناء قيامهما بإفناء بعضهما البعض، وعلى الرغم من أن الفوتونين (P) و (A) يُدمَّران في التصادم، إلا أن اللون الأصفر للفوتون (P) يظل محفوظًا لأن الفوتون (A) والفوتون (B) متشابكين، واللون الأصفر انتقل لحظيًا إلى (B)، لكن من أجل جعل الفوتون (B) أصفر، كما كان الفوتون (P)، على أليس أن ترسل بايتين اثنين من المعلومات بالطريقة التقليدية، على سبيل المثال، باستعمال الألياف الضوئية.

 

يقول مارسيلي: "عندما تقوم أليس بقياس حالة الفوتون الخاص بها، ستتغير حالة فوتون بوب أيضًا كما لو أننا عكسنا مفتاح الإضاءة، لكن بوب لا يستطيع أن يعلم أن مفتاح الضوء قد انقلب ما لم تُرسل له أليس المعلومات بالشكل التقليدي". فبوب إذًا لن يعرف أن الفوتون الخاص به قد تحول إلى الأصفر من دون المعلومة الإضافية.

 

لا يعني النقل الكمومي اللحظي أن شيئًا ما قادرٌ على الانتقال من نيويورك إلى سان فرانسيسكو بلمح البصر، لكنَّ الأمر مشابهٌ لمشاهد الخيال العلمي، إذ أن حالة الفوتون (P) تم تدميرها في مكان واحد، وأُعيدت طباعتها في مكانٍ آخر بعيد، وهو الفوتون (B)، بدون أن يتفاعل هذين الجسيمين معًا، والقطعة الأخرى الحاسمة في هذه القصة هي أن بوب لديه كريستالة محددة تُستعمل كبنك الذاكرة من أجل تخزين فوتوناته المتشابكة وتعمل أيضاً كمُستقبِل للحالة الكمومية.

 

توصل الباحثون إلى رقمٍ قياسيٍ من حيث المسافة، وبلغ هذا الرقم 15,5 ميل (25 كيلومتر) بين أليس وبوب؛ وذلك بفضل الكواشف فائقة الحساسية التي تم تطويرها في مختبرات الدفع النفاث والمعهد الوطني للمعايرة والتكنولوجيا (JPL-NIST).

 

يقول فيليكس بوسيير (Félix Bussières)، من جامعة جنيف بسويسرا، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة: "لم يكن الوصول إلى هذه المسافة ممكنًا من دون كواشف مختبرات الدفع النفاث والمعهد الوطني للمعايرة والتكنولوجيا (JPL-NIST)".

 

يُمكن استعمال النقل الكمومي اللحظي من أجل إنشاء أنظمةٍ مثل الحسابات المصرفية بحيث تكون تلك الأنظمة أكثر أمانًا عند المسافات الطويلة، وهذا أيضًا مهمٌ من أجل منع الهجوم على قنوات الاتصال في الفضاء. إذ يقول مارسيلي: " إن كنت موجودًا في اتصالٍ مع رواد الفضاء على المريخ، فلن ترغب بقيام أي هاكر باختراق قناتك المشفرة وتقديم معلومات خاطئة لهم".

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً () تعليقات