هل يمكنُ تدريب قطة شرودنجر؟ بمعنى آخر؛ هل يمكن التحكم بالخصائص الكميّة للضوء؟

 قطة زينون (Zeno cat)، التي تشير إلى الحالات غير الكلاسيكية للضوء، والتي تتكون عن طريق إضاءة تجويف ذي رنين، بينما يتم منع الوصول إلى مستوى طاقة محدد.


Credit: Benjamin Huard.


يتطلّب بناء الحواسيب الكمية والأجهزة الكمية الأخرى قابليةً لرفع الخصائص الكمية، كخاصيتي التراكب (Superposition) والتشابك (Entanglement)، ولكنّ هذه الآثار تعتبر آثارًا هشّة، ومن الصعب الإبقاءُ عليها. بيّن علماء في مدرسة الأساتذة العليا (Ecole Normale Supérieure) في باريس، مؤخّرًا، طريقة مبتكرة للتحكم بالخصائص الكميّة للضوء عن طريق سبر دارة متراكبة في تجويف مع فوتونات مكروية التردد (Microwave photons)؛ وذلك من أجل التحكم بمستويات الطاقة التي يمكن أن تحتلها كمّات الفوتون. وللتحديد؛ فإن العلماء منعوا الوصول إلى مستوى منفرد من الطاقة (Single energy level)، وهذا المستوى يتوافق مع عدد N من الفوتونات، وبالتالي قاموا بحصر ديناميكيات المجال بالمستويات من 0 إلى N-1. وبعملهم هذا فقد تغير المجال داخل التجويف من موجة كلاسيكية إلى "ضوء قطة شرودنجر"، وهو تراكب بين موجتين في طورين متعاكسين (Opposite phases) بدلًا من طور واحد، ونتيجةً لذلك، يمكن تطبيق هذا الأسلوب الجديد في تطوير الحواسيب الكمية عن طريق حماية الكيوبتات (Qubits) من انعدام الاتّساق (Decoherence)، وأيضًا عن طريق تحسين مستوى تصحيح الخطأ الكمي ومستوى قياس الأنظمة الكمية.


ناقش البروفيسور بنجامين هوارد Prof. Benjamin Huard الورقة التي نشرها هو وزملاؤه في دورية Science. قال هوارد: "كانت العقبةُ الأساسية في تطوير طريقتنا للتحكم بالأوضاع الكهرومغناطيسية، عن طريق التحكم الفعال في فضائها الطورّي (Phase space) ، هي إيجاد طريقة فعالة لمنع أي وصول إلى مستوى طاقةٍ منفرد أو إلى القليل من مستويات الطاقة. قمنا بذلك باستخدام نظام كمي آخر -وهو كيوبت فائق الموصلية- والذي أتاح لنا أن نغير الطاقة لأي مستوى نختاره، وذلك ببساطة، عن طريق تشغيل أو إطفاء إشارة موجة مكروية (Microwave signal). كان التحدي الأكبر في هذا السياق يكمن في تصميم تجويف وكيوبت ذَوَي خصائص مناسبة لتحقيق هذه الطريقة في التحكم، ولرصدها أيضًا".

واجه العلماء أيضًا مشكلة؛ وجدوا أن الحيّز المستوي (Level occupation) كان يتذبذب مع الوقت عند استخدام نفس وضع الضوء (light mode) ونفس الكيوبت، وذلك على عدة عمليات. يوضح هوارد : "تتألف التجربة الأساسية من التحكم في وضع الضوء، بينما يتحكم الكيوبت بفضائها الطوري. ولكن، ومن أجل أن نقيس الحيّز المستوي (level occupation) بالنسبة للوقت، يجب علينا أن نستخدم نفس الكيوبت كعداد ضوئي (Photocounter)، ونستخدم نفس وضع الضوء لقياس حالة الكيوبت -تقوم العدادات الضوئية بحساب توزيعات الفوتونات عن طريق عد الإلكترونات الكهروضوئية (photoelectric electrons)، والمعروفة أيضًا بـ"الإلكترونات الضوئية" (photoelectrons)، وهي الإلكترونات التي تبعثها المعادن المختلفة عندما تُضاء بالفوتونات-.

كانت هناك عقبة ثالثة، وهي استخدام بنية الكهروديناميكيات الكمية للدارة (Circuit quantum electrodynamics architecture) أو اختصارًا (Circuit-QED) لتطبيق ديناميكيات زينون الكمية (Quantum Zeno dynamics – QZD) على الضوء، تشتمل (Circuit-QED) على تطبيق الكهروديناميكيات الكمية -وهي نظرية الحقل الكمومي (quantum field theory) للقوة الكهرومغناطيسية- على الدارات. تأتي ديناميكيات زينون الكمية هذه من أثر زينون الكمي (Quantum Zeno effect) – الذي أخذ اسمه من متناقضة السهم لزينون (Zeno arrow paradox) -، أما بالنسبة لأثر زينون الكمي، فإنه إذا قمنا بعملية رصد مستمرة لجسيم غير مستقر فإن هذا الجسيم لن يتلاشى أبدًا، الأمر الذي يعني أنه إذا وجد نظام كمي يُقاس باستمرارية كافية، فإن هذا النظام لن يتطور. ولكن، قد تحدث في بعض الأحيان ديناميكيات زينون الكمية (والتي يتغير فيها النظام الكمي على مدى الوقت).

 

القطط الكلاسيكية مقابل قطط شرودنجر. يظهر الجزء الأعلى من الصورة الحقل الكلاسيكي داخل تجويف مضاء بإشارة مولدة بالأشعة المكروية. الطور هنا معرف بشكل واضح (الأخضر يشير إلى الطور الأصلي، والذي تنتمي إليه القطة) وتزداد شدته بشكل خطي. يظهر الجزء الأسفل النتائج التجريبية التي تكون فيها ثلاثة فوتونات محظورة داخل التجويف. في هذه الحالة، وفي وقت ما، فإن شدة الحقل ستصير مشبعة وستدخل في تراكب كمي لإحدى حالتين (الأصلية ويشار إليها بالأخضر، والحالة المقابلة ويشار إليها بالأحمر). بعد فترة المنتصف هذه، ستقل الشدة، محافظة على الحالة المقابلة حتى تصل إلى شدة صفر. بالمثل، يمكن القول إنّ النظام المتوسط يشير إلى تراكب حالتين كلاسيكيتين ذواتي طورين متقابلين، الأمر الذي يشبه كثيرًا تراكب قطة ميتة وحية. Credit: Benjamin Huard
القطط الكلاسيكية مقابل قطط شرودنجر. يظهر الجزء الأعلى من الصورة الحقل الكلاسيكي داخل تجويف مضاء بإشارة مولدة بالأشعة المكروية. الطور هنا معرف بشكل واضح (الأخضر يشير إلى الطور الأصلي، والذي تنتمي إليه القطة) وتزداد شدته بشكل خطي. يظهر الجزء الأسفل النتائج التجريبية التي تكون فيها ثلاثة فوتونات محظورة داخل التجويف. في هذه الحالة، وفي وقت ما، فإن شدة الحقل ستصير مشبعة وستدخل في تراكب كمي لإحدى حالتين (الأصلية ويشار إليها بالأخضر، والحالة المقابلة ويشار إليها بالأحمر). بعد فترة المنتصف هذه، ستقل الشدة، محافظة على الحالة المقابلة حتى تصل إلى شدة صفر. بالمثل، يمكن القول إنّ النظام المتوسط يشير إلى تراكب حالتين كلاسيكيتين ذواتي طورين متقابلين، الأمر الذي يشبه كثيرًا تراكب قطة ميتة وحية. Credit: Benjamin Huard


يوضح هوارد: "بسبب العدد الكبير من مستويات الطاقة في الوضع المنفرد للمجال المعناطيسي (single electromagnetic mode)، وبسبب سهولة التحكم به، فإنه يوفر فضاءَ طورٍ (phase space) أوسع وأكثر قابلية للتحكم من الذرات ومن الأنظمة ذات المستويين. ولكن؛ من أجل أن نجعلها قابلة للاشتغال، علينا أن نحدد المعوقات العديدة على البارامترات التي نستطيع الوصول إليها. ساعدنا استخدام الدارات فائقة الموصلية، وذلك لأنها ذات بارامترات قابلة للتعديل بسهولة، وكذلك من السهل قرنُها بضوء مكروي الموجة. احتاج استخدامنا لنفس الأنظمة مرتين للعمليات المختلفة العديدَ من المعايرات الحذرة، كما احتجنا أن نجد الترتيب الزمني الأمثل لتحقيق هذه التجربة".

يشير هوارد إلى التضمينات المستوحاة من النتيجة المذكورة في الورقة، ومن هذه التضمينات أن الحيز المستوي (level occupation) كان في حالة تذبذب بالنسبة للوقت، وذلك وبوجود أداة التشغيل الرنانة، أو التجويف الرنان، مشابهًا بذلك نظامًا من المستوى N، فيقول: "بمنعنا لأي وصول لأيما مستوى طاقة منفرد لوضع الضوء المحدد، فإنها تعمل تمامًا كنظام من المستوى  N -، ولكن هنا، وبما أنه يمكن اختيار قيمة N، كما يمكن تعديلها مع الزمن، فإن الوضع يبدو وكأننا قمنا بصناعة ذرة ذات غزل مقداره N-1)/2) والذي يمكن أن يتغير تلقائيًا مع الزمن، وذلك ببساطة عن طريق تشغيل أو إطفاء إشارات الموجات المكروية. من المثير أن نشاهد الديناميكيات الخاصة بهذا الغزل، والذي يملك رقمًا يتغير مع الزمن".

يناقش هوارد بعدها كيف أن التحكم الدقيق بالمجال في فضاء الطور خاصته قد يتيح المجال لتطبيقات في المعلومات الكمية وعلم القياس (Metrology). فيقول: "تعتبر طريقتنا أسلوبًا جديدًا يستطيع إنتاج حالات كمية غريبة للضوء، مشابهة لحالات قطة شرودنجر، أو الحالات مضغوطة الفراغ (Vaccum squeezed states)، والتي تعتبر مناسبة جدًا للمعلومات الكمية أو علم القياس، وذلك عن طريق زيادة دقة قياسات المجال أو الموقع"، -الحالة مضغوطة الفراغ هي حالة غير كلاسيكية للضوء، بحيث لا يكون الضجيج الكمي (Quantum noise) معتمدًا على طور موجة الضوء، كما يكون أدنى من الحد الكمي المعياري-، ويضيف: "يمكن استخدام طريقتنا أيضًا لإنشاء التشابك وحمايته، والذي يعتبر مصدرًا رئيسيًا للمعلومات الكمية، كما يمكن القيام بـ"تصحيح للخطأ الكمي" على الكيوبتات المشفرة باستخدام حالات مشابهة لقطة شرودنجر".

في الواقع، تقرر الورقة أن الطريقة الجديدة تتيح المجال لإمكانية التلاعب بحالات قطة شرودنجر بطريقة فريدة. يقول هوارد: "تعتبر طريقتنا حجرًا أساسيًا يتيح لنا أن نبني ملتقطات ضوء لفضاء الطور، وذلك كما يقترح جين-مايكل ريموند  والمساعدون له. يمكن لهذه الملتقطات أن تستبدل أجزاء من دالة ونجر (Winger function) في فضاء الطور مرةً مرةً". -دالة وينجر هي ما يعرف بتوزيع شبه الاحتمال (Quasiprobability distribution) والذي يربط بين الوظيفة الموجية لشرودنجر وبين توزيع الاحتمالات في فضاء الطور، ويمكن، وبشكل غير متوقع، أن تمتلك مناطق من كثافة احتمالية سالبة-. وأضاف: "وبالتالي فإنه يصير من الممكن تكبير (Enlarge) أو تدوير (Rotate) حالة قطة شرودنجر في فضاء الطور خاصتها بشكل مباشر".

يقود هذا الأمر إلى القابلية على التأثير على تصحيح الخطأ الكمي (quantum error correction) لكيوبتات القطة (Cat-qubits) -وهي معلومات كمية مشفرة في قواعد منطقية تتكون من حالات قطة شرودنجر المختلفة- وذلك كما في مثال الحوسبة الكمية. يوضح هوارد: "في الحقيقة، اقترح مازيار ميراهيمي Mazyar Mirrahimi ومساعدوه إحدى الطرق لتشفير المعلومات الكمية باستخدام تراكب الحالات الشبيهة بالقطة (cat-like states)، وجاء هذا الاقتراح في سياق (Circuit-QED) من قبل مازيار ميراهيمي ومعاونيه"، مضيفًا أن إيجاد طرق للقيام بتصحيح للخطأ الكمي على هذه الحالات هو أمر ضروري من أجل استخدامها المحتمل في بناء الحوسبة الكمية. وأضاف: "نؤمن أنه يمكن استخدام أسلوبنا للقيام بهذا التصحيح للخطأ الكمي بطريقة فريدة. لا شك أن انعدام الترابط (Decoherence) يقود إلى ارتخاء في حجم القطة، يتزايد بشكل أسّي، الأمر الذي يجب التغلب عليه، وكذلك فإنه وبإزاحة "أقدام" القطة واحدةً فواحدة باستخدام (QZD)، يمكننا أن نلغي هذا الارتخاء بدون فقدان أي من المعلومات الكمية".

يقول هوارد: "إنه وبالنظر إلى الأمام فإن الباحثين يتحفظون على الأبحاث القائمة على الأثر البديع لأثر عملية القياس على الأنظمة الكمية. فعلى سبيل المثال، نحن لدينا الآن تجربة نقوم فيها باعتراض الإشارة التي تتسرب باتجاه محيط الكيوبت وفي العادة تقود إلى انعدام الترابط. ولكن باستخدامنا لهذه الإشارة فإنه يمكننا أن نستنتج ما الذي يعرفه المحيط عن حالة الكيوبت، وأن نحافظ على "نقاوة" الحالة الكمية، كما استطعنا مؤخرًا أن نستخدم هذه الإشارة للمحافظة على أي حالة عن طريق التغذية الراجعة". ثم يضيف قائلًا أنهم مهتمون بتطبيق أسلوبهم على أنظمة ذات أزمنة ترابط أطول، وكذلك في الحفاظ على قطة شرودنجر.

يلخص هوارد -متحدثًا عن المجالات الأخرى التي قد تستفيد من بحثهم-: "من الصعب التأكد الآن أن أسلوبنا يساعد في بناء محاكيات (Simulators) كمية أو حواسيب، ولكن قد يكون هذا ممكنًا في المستقبل. قد يكون لها أيضًا أثرٌ على العديد من المجالات التي تحتاج إلى حوسبة مكثفة، وذلك في مثل تعلم الآلات أو في الكيمياء".

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات