التطور المدهش لوكالة الفضاء الإماراتية والتحديات التي تواجهها . 

ما هي الوجهة التالية لوكالة الفضاء الإماراتية بعد أن تنجز البعثة الفضائية هوب Hope أو( أمل) مهمتها في الوصول إلى المريخ عام 2021؟ 


يعد تحقيق النجاح والحفاظ عليه، إضافةَ إلى توفير الدعم السياسي والعام تحدياً يواجه جميع وكالات الفضاء. إلا أنه بإمكان الإمارات العربية المتحدة وحدها إيجاد الحلول لهذه التحديات. ويخوض رئيس مجلس مجموعة ثور Thor Group's الدكتور جون .بي.شيلدون. John B. Sheldon في هذه القضايا.

استطاعت الإمارات العربية المتحدة إرساء قواعد لها كواحدة من قوى الفضاء الرائدة في غرب آسيا، ولعبت دوراً رائعاً ومؤثراً على المسرح الدولي. إلا أنها وكالعديد من الأمم التي أصابت نجاحا في هذا المضمار، سيكون من الصعب عليها الحفاظ على نجاحاتها التي حققتها حتى الآن مستقبلاً، ما لم تتمكن من التغلب على تحديات السياسة العامة في السنين القليلة القادمة.

 

تصور فني لبعثة الإمارات العربية المتحدة المتجهة إلى المريخ و المسماة ب (Hope هوب أو أمل) و هي تدور حول الكوكب. وتعود حقوق الصورة إلى مركز محمد بن راشد لأبحاث الفضاء .
تصور فني لبعثة الإمارات العربية المتحدة المتجهة إلى المريخ و المسماة ب (Hope هوب أو أمل) و هي تدور حول الكوكب. وتعود حقوق الصورة إلى مركز محمد بن راشد لأبحاث الفضاء .


لقد أثبتت الإمارات العربية المتحدة بأنها الأكثر استعداداً ومرونةً من بين دول مجلس التعاون الخليجي فيما يتعلق بمواجهة الانخفاض المستمر لأسعار النفط والاضطرابات التي تشهدها الدول المجاورة لها. حيث أدرك حكام الإمارات قبل سنين طويلة أن النظام الاقتصادي المعتمد كلياً على النفط هو نظام غير مستدام، وخطوا خطواتٍ متماسكةً وصلبةً نحو تنويع الاقتصاد، متقدمين على نظرائهم في مجلس التعاون الخليجي بزمن طويل في فعل ذلك.

 

فسنّوا إصلاحات تعليمية واسعة النطاق وعملوا على "أمرتة Emeritization" معظم الأعمال الاحترافية في البلاد. فكان التقدم متفاوتاً، قد يرجع ذلك إلى مثل هذا البرنامج الإصلاحي الطموح، ولكن أثبتت الإمارات العربية المتحدة امتلاكها نظاماُ اقتصادياً مرن في السنوات الأخيرة، في حين تلقت أنظمةٌ اقتصاديةٌ أخرى ضرباتٍ عنيفةً نتيجةً لانعدام الاستقرار.

و كان من نتائج هذه الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التزام أبو ظبي بجعل الإمارات العربية المتحدة المحور الإقليمي لأنشطة فضائية مدنية وتجارية. الأمر الذي أدى لاستحداث وإنشاء وكالة الفضاء الإماراتية (UAESA)، بمقرها الرئيسي في إمارة أبو ظبي، ومركز محمد بن راشد الفضائي MBRSC والمعروف سابقاً بمعهد الإمارات للعلوم المتقدمة والتكنولوجيا ومقره دبي.

يستعد كلٌّ من وكالة الفضاء الإماراتية ومركز محمد بن راشد لمشروع طموح، لبناء البعثة الفضائية (Hope أمل) وطنياً وإطلاقها إلى كوكب المريخ، وهي مركبة فضائية ستدور حول كوكب المريخ وتدرس غلافه الجوي ومناخه. وتسعى الوكالة لإطلاق المركبة الفضائية عام 2020 لتصل إلى المريخ عام 2021، لتعتبر إنجازاً يميّز الذكرى الخمسين لتأسيس الإمارات العربية المتحدة. يُضاف إلى ذلك بناء مركز محمد بن راشد لأقمار صناعية مثل خليفة سات KhalifaSat ودبي سات DubaiSat بهدف خلق قوة وطنية ومستقلة لتصميم الأقمار الصناعية وتصنيعها في الإمارات العربية المتحدة.

كما تلعب الإمارات العربية المتحدة دوراً متنامياً في الدبلوماسية الفضائية الدولية من خلال تبنيها لأدوار بارزة في لجنة الأمم المتحدة للاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي إضافةً إلى استضافتها لعدد كبير من الأحداث والمؤتمرات الرسمية حول سياسة وقانون الفضاء الدولي. 

وفيما يتعلق بالاستخدامات التجارية للفضاء، فقد تأسّست شركتي قمري الاتصالات ثريا سات Thuraya ويا سات Yahsat في الإمارات العربية المتحدة، وتموّل استثمارات أبو ظبي ما مقداره 38% من الأسهم في Sir Richard Branson’s Virgin Galactic. وهناك أيضاً حديثٌ عن استثمار الإمارات العربية المتحدة في رحلات تعدين الفضاء، مثل شركة استثمار الموارد الكوكبية الموجودة في الولايات المتحدة، وهي بذلك تسير على خطى اللوكسمبورغ التي أعلنت استثمار 200 مليون يورو في مجال تعدين الفضاء .

 

وعلى رأس كل ذلك، تحاول الإمارات العربية المتحدة أن تجعل من نفسها لاعباً قومياً كبيراً فيما يخص أمن الفضاء في المنطقة، حيث تمتلك قواتها الجوية قاعدة اتصالات تعمل على الأقمار الصناعية يا سات Yahsat، إضافةً إلى قمري استخبارات عاليي الدقة في الخدمة، وهما من نوع Falcon Eye وقد قدمتهما فرنسا، ومن المتوقع إطلاق الأول عام 2018.

 

وكانت وكالة الفضاء الإماراتية قد وقعت في شهر نيسان/أبريل عام 2016 اتفاقية مشاركة بيانات التحذير الخاصة الفضائية مع الإدارة الاستراتيجية في الولايات المتحدة، وتعزز الاتفاقية قدرة الإمارات العربية المتحدة على متابعة أقمارها الصناعية والسيطرة عليها في المدار، إضافةً إلى تأسيس ارتباط رسمي مع أكبر ممثلي العالم وأكثرهم قوةً في مجال الأمن القومي الفضائي، الولايات المتحدة الأمريكية.


ختاماً، وقّعت وكالة الفضاء الإماراتية عدداً كبيراً من اتفاقيات التعاون مع معظم قوى الفضاء الرائدة في العالم كفرنسا، وروسيا، والصين، والهند، واليابان، والولايات المتحدة، من بين آخرين. الأمر الذي من شأنه خلق الإطار لمشاريع فضائية أكثر تركيزاً واستقراراً في المستقبل.


والجدير بالذكر هو المدة القصيرة التي تحققت فيها جميع هذه النشاطات والإنجازات، إذ كان ذلك مسألة عددٍ قليلٍ من السنوات، وهذا بحد ذاته مثيرٌ للإعجاب. والأكثر من هذا، أن كل شخص التقى الموظفين والمهندسين والعلماء من وكالة الفضاء الإماراتية ومركز محمد بن راشد الفضائي، تركهم دون أيّة آثار للشك حيال جديّتهم ومهنيّتهم وشغفهم والتزامهم. لذا فإنّ طموحات الفضاء الإماراتية جديرة بالإعجاب والتصديق وهي تُقابَل بالاحترام من قبل نظرائها الدوليين.

مع ذلك، يبرز سؤال حول الهدف المستقبلي واتجاه الأنشطة الفضائية الإماراتية، بعيداً عن التنوع الاقتصادي وتوفير فرص العمل للشباب الإماراتي. ولحسن حظ الإمارات العربية، هذا السؤال مطروح دوماً لبرامج الفضاء في الدول الأخرى بما فيها الولايات المتحدة. 

وفي حين أن السؤال عن غرض البرامج الفضائية واتجاهها هو سؤال فريد من نوعه وعويص، كذلك الإجابة، فهي صعبة جداً، نظراً للظروف الاقتصادية والسياسية المحلية، لذا من الصعب جداً تحقيقها. وللإمارات العربية المتحدة العديد من الطموحات الفضائية، وبالتأكيد لا تنقصها الرؤية، ولكنها عاجلاً أم آجلاً ستكون عرضةً للمماطلة ما لم تترافق بحلول من سياسات سليمة المنطق إضافةً إلى أفعال أخرى، إضافةً إلى إمكانية تنفيذها، مما يعزز هذه الطموحات.


إن التحديات التي ستواجهها طموحات دولة الإمارات العربية المتحدة الفضائية ستكون مألوفة لكثير من خبراء السياسة الفضائية حول العالم. ولكن، لا يمكن حلّها إلا من قبل المسؤولين عن السياسة الفضائية في أبو ظبي. وتشمل هذه التحديات ما يلي:

 

  1. إنشاء عملية سياسية فضائية مشتركة في أبو ظبي: ترى دولة الإمارات العربية المتحدة أن سياسة الفضاء تتطرق إلى مجموعة أخرى من قضايا السياسة العامة، ووكالة الفضاء وحدها ليست مجهزةً للتعامل معها. فالأمن القومي، والتجارة، والنقل، والطاقة هي قضايا تتفاعل جميعها مع السياسة الفضائية بطرقٍ لا يمكن التنبؤ بها، ومن أجل التأكد من وجود قدرة شاملة وكافية على الخروج بسياسات مناسبة.

    تؤسّس معظم البلدان المرتادة للفضاء عمليةً سياسيةً رسميةً مشتركةً بين الوكالات لإنتاج سياسةٍ فضائية شاملة. وكما هو معروف حتى الآن، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة ليس لديها عملية رسمية سياسية مشتركة بين الوكالات للقيام بذلك.
     
  2.  وضع خارطة طريق تكنولوجية وبرمجية شاملة تغذي طموحات دولة الإمارات العربية المتحدة في الفضاء لما بعد عام 2021: تعمل الوكالة على هذه المسألة، ولديها بعض الوقت لوضع اللمسات الأخيرة على خططها المستقبلية. ومع ذلك، ستحتاج الوكالة لوضع خارطة الطريق تلك للأنشطة الفضائية عاجلاً وليس آجلاً من أجل إتاحة التخطيط الكافي وإعداد الميزانية للفترة التي تلي مشروع بعثة "أمل" إلى المريخ.

    حيث أنّ الفشل في الاتفاق على خارطة طريق تكنولوجية وبرمجية شاملة في العام أو العامين المقبلين سيهدد بإلغاء كل العمل الشاق الذي أُنجِز حتى الآن مبدّداً بذلك الموارد والجهد والدعم العام والسياسي الخاص بالأنشطة الفضائية.
     
  3.  إنشاء نظام بيئي فضائي تجاري في دولة الإمارات العربية المتحدة: ستعتمد الاستدامة السياسية والاقتصادية طويلة الأمد الخاصة بالأنشطة الفضائية في دولة الإمارات العربية المتحدة على قدرة القادة السياسيين في أبو ظبي ودبي على تهيئة الظروف المناسبة لتشجيع المزيد من المشاركة الحرة في تنظيم المشاريع التجارية الفضائية.

    وإذا كانت دولة الإمارات العربية المتحدة جادة في خططها في أن تصبح محوراً إقليمياً للأنشطة الفضائية، سيتعين عليها مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وإلغاء الضوابط التنظيمية من أجل تحفيز وتشجيع أصحاب المشاريع والمستثمرين على تأسيس شركات ناشئة في قطاع الفضاء، من أجل القيام بكل شيءٍ من تصنيع الأقمار الصناعية حتى الخدمات الفضائية مثل التأمين وتطبيقات الأقمار الصناعية.


    وبالنظر إلى المستقبل، يجب على دولة الإمارات العربية المتحدة أن تحاول تأسيس نفسها كقوةٍ تجاريةٍ فضائيةٍ إقليميةٍ من أجل الاستفادة بشكلٍ كامل من التطورات التي بدأت تظهر في استكشاف الفضاء التجاري والطيران الفضائي البشري، فضلاً عن الاستفادة من الموقع الجغرافي لدولة الإمارات العربية المتحدة كمفترق طرق لأوراسيا والمحيط الهندي يقع بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
     
  4. جعل الشراكات الدولية تعمل بشكل ثابت ومستقر لصالح وكالة الإمارات العربية المتحدة الفضائية: لا تفتقر الوكالة إلى شركاءٍ في التعاون الفضائي، ولكنّها تحتاج إلى مطابقة هذه الشراكات مع أولوياتها المستقبلية وإلى خارطة طريق تكنولوجية وبرمجية (كما نوقش في النقاط السابقة). وتحتل دولة الإمارات العربية المتحدة موقعاً فريداً من نوعه يمكنها من اختيار الشركاء عبر مجموعة من الأنشطة الفضائية بما أنها ليست مقيدةً من الناحية الجيوسياسية على الساحة العالمية كما هو الحال مع القوى الفضائية الأخرى.

    يمكن للوكالة أن تتعاون مع وكالة ناسا على أحد البرنامج، ومع الصين على برنامجٍ آخر، ومع الهند على آخر، وعليها اختيار فعل ذلك. مع ذلك، فمن المرجح أن تضعف هذه الأطر التعاونية بدون خارطة طريق طويلة الأجل لما ترغب الوكالة القيام به تماشياً مع سياسات الأمن القومي والمصالح الاقتصادية إضافةً إلى الاهتمامات الأوسع نطاقاً.

    لقد قطعت دولة الإمارات شوطاً طويلاً، ومن المرجح أن تظهر كإحدى القوى الفضائية الرائدة في غرب آسيا على المدى الطويل إذا ما تمكنت من التصدي للتحديات المذكورة أعلاه. إنّ حل هذه القضايا هو بالتأكيد ضمن قدرة دولة الإمارات العربية المتحدة، على الرغم من أنّ تجاوزها لن يكون سهلاً.

    وبالنسبة لشركاء الإمارات الدوليين، مثل الهند، فإنّ نجاحها على المدى الطويل ليس فقط كقوة فضائية إقليمية، وإنما أيضاً كجزيرة من الاستقرار والتأثير الجيوسياسي الإيجابي في منطقة من العالم تعاني اضطراباً في العمق، يعتمد على أصدقائها بقدر ما هو على سياساتها، والفطنة الاستراتيجية لصناع السياسة في أبو ظبي ودبي.

    وبالفعل، يبحث شركاءٌ مثل الهند عن مجالاتٍ ذات اهتمام مشترك للتعاون الفضائي مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وبالنظر إلى الثمار البعيدة لهذا التعاون، التعاون على المدى الطويل من شأنه أن يساعد الوكالة على تحديد أولوياتها فضلاً عن إنشاء شراكةٍ فضائيةٍ ذات قيمةٍ مع أصدقائها في جميع أنحاء العالم.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات