تقنياتٌ واعدة تعِدُ بالاستغناء عن مسرعات الجسيمات

عمليات محاكاة بالحواسيب الفائقة تُعبّد الطريق أمام الوصول إلى مصادر تيراهرتز مدمجة وتمتلك أطوالاً موجية قابلة للضبط.

انتشار أمواج التيرا هرتز في الغاز المؤيّن الخاضع لحقل مغناطيسي يُعادل 178 تسلا. المصدر: Forschungszentrum Jülich.
انتشار أمواج التيرا هرتز في الغاز المؤيّن الخاضع لحقل مغناطيسي يُعادل 178 تسلا. المصدر: Forschungszentrum Jülich.


في العدد الجديد من مجلة "Physical Review Letters" عرضت مجموعة من العلماء، مع شركاء دوليين، مفهوماً جديداً يستخدم ليرزات النبضات القصيرة (short-pulse lasers) لاستكشاف قدرات مصادر التيراهرتز (terahertz sources) التي يجري تطويرها حالياً، والتي قد تتمتع بمجال واسع جداً من التطبيقات. وقد ساهمت الحسابات التي أجراها الحاسب الفائق JUQUEEN الموجود في يوليش بجزء مهم من الدراسة.

وقد برهن العلماء باستخدام عمليات المحاكاة التفصيلية على إمكانية التحكّم بالأطوال الموجية واستقطاب إشعاع التيراهرتز (terahertz radiation) المُولّد باستخدام حقل مغناطيسي خارجي قوي.

تحتل أمواج التيراهرتز النطاق الواقع تماماً بين الأمواج الميكروية (microwaves) والأشعة تحت الحمراء، ويقع مجال ما يُعرف بفجوة التيراهرتز (terahertz gap)، الممتدة بين 0.1 تيراهرتز و30 تيراهرتز، بين الإلكترونيات والبصريات، ولذلك لا يُمكن الوصول إليها باستعمال الأجهزة الإلكترونية أو المصادر البصرية التقليدية مثل الهوائيات والمصابيح.

على أية حال فإن خواصّ التيراهرتز تجعله مهماً للعديد من الأسباب؛ فمن ناحية، يخترق هذا الإشعاع الأنسجة والبلاستيك، في حين تمتصّه العديدُ من المواد الأخرى عند حالات مميزة. ويتغير مجال تطبيق هذه الأشعة انطلاقاً من التصوير غير الباضع والمبكر للسرطان، ووصولاً إلى التحكم بالتغذية ومسح الجسم، إضافةً إلى الاتصالات اللاسلكية فائقة السرعة (ultrafast wireless connections).

تُستعمل مصادر الفمتوثانية الليزرية المُولدة لأشعة التيراهرتز كبدائل رخيصة ومدمجة لمسرّعات الجسيمات الكبيرة منذ بداية هذا القرن، ويُعلّقُ البروفسور باول جيبون Paul Gibbon من مركز الحساب الفائق في يوليش (JSC): "تعمل هذه الطريقة كمحوّل يُحوّل التردد المرتفع لشعاع الليزر إلى مجال تردد التيراهرتز الأكثر انخفاضاً".

تستفيد إحدى التقنيات المُفضلة بشكلٍ خاص، والتي جرى تحسينها مؤخراً، من نبضتي ليزر فائقتي القِصَر وموجودتين عند ترددين مختلفين، حيث يتم توجيههما نحو هدفٍ غازي، ونتيجةً لذلك، يتأيّن الغاز وتنطلق الإلكترونات.

وبهذه الطريقة، يتم تحويل الاهتزازات الليزرية الأسرع إلى مجال أمواج التيراهرتز ذات الترددات الأخفض، ويقول الدكتور واي-مين وانغ Wei-Min Wang الحائز على زمالة هومبلدت، والذي يعمل في مركز الحساب الفائق في يوليش: "تتسبب الحقول المغناطيسية القوية لاثنين من الليزرات باهتزاز الإلكترونات، ولا يحدث ذلك بشكلٍ توافقي تماماً -أي جيبي- وإنما بشكلٍ غير متناظر، مما يُنتج بدوره نوعاً من التيارات المباشرة عند أخذ القيمة الوسطية في دورة الليزر".

وإن لم يحدث ذلك فإن مجال الترددات سيبقى موجوداً عند مجال الليزرات ذات التردد الأكبر، ويُضيف وانغ: "بهذه الطريقة، تستمر نبضة التيراهرتز المتولدة لدورة كاملة تماماً، وبعد ذلك يتم إشعاعها إلى الخارج".

نشاهد في الأعلى نبضتي ليزر مختلفتين وموجهتين إلى هدف غازي، وتمتلك الإلكترونات المنطلقة بالتالي حركية بطيئة تنطلق على شكل إشعاع تيراهرتز، أما في الأسفل فنشاهد إلكترونات تنطلق على طول مدار سريع جرّاء وجود حقل مغناطيسي في اتجاه الانتشار. المصدر: Forschungszentrum Julich
نشاهد في الأعلى نبضتي ليزر مختلفتين وموجهتين إلى هدف غازي، وتمتلك الإلكترونات المنطلقة بالتالي حركية بطيئة تنطلق على شكل إشعاع تيراهرتز، أما في الأسفل فنشاهد إلكترونات تنطلق على طول مدار سريع جرّاء وجود حقل مغناطيسي في اتجاه الانتشار. المصدر: Forschungszentrum Julich


جنباً إلى جنب مع باحثين من جامعة ستراثكلايد ومعهد الفيزياء في بكين الذي يُعتبر جزءاً من الأكاديمية الصينية للعلوم، نشر باحثان ورقة علمية تشرح المفهوم الجديد الذي سيُتيح توليد إشعاع التيراهرتز المُتمتع بأطوال موجية قابل للضبط على طول عدة دورات وبوجود نطاق موجي ضيق، وهي مميزات مشابهة لتلك الموجودة في ليزرات المجال البصري.

يستخدم هذا المفهوم حقلاً مغناطيسياً قوياً يُطبق من مصدر خارجي بهدف تأيين الغاز، وإجبار الإلكترونات الحرة في البلازما على الدوران بشكلٍ مشابه لما هو الحال عليه في مسرّع الجسيمات، ويُحدد هذا المدار الطول الموجي، إضافةً إلى اتجاه الاهتزاز الخاص بالإشعاع الناتج، ويُمكننا ضبط الخواص البصرية كما نُريد عبر تغيير قوة الحقل المغناطيسي، مما يفتح الباب أما مجال متنوع من التطبيقات الجديدة.

يقول وانغ: "قد تستفيد تقنيات التصوير والتحليل الطيفي بشكلٍ خاص من مصدر إشعاع التيراهرتز هذا لأنه يعِدُ بالحصول على استطاعة فصل مكاني وزمني أفضل، ويشمل الأمر على سبيل المثال التقنيات المستخدمة لدراسة ديناميكا الجزيئات البيولوجية الكبيرة مثل الـ DNA".

على أية حال، فالتطبيق العملي ليس بتلك السهولة، ولم يتم الوصول إلى التحقق التجريبي من المفهوم حتى الآن ، ويُضيف جيبون: "يتطلب المفهوم جمعاً بين ليزرات قوية وحقول مغناطيسية تفوق 100 تسلا. ويُمثل هذا الأمر ،تقنياً، تحدياً كبيراً، لكنه ممكن خلال الزمان والمكان المحددين".

يُجري العلماء الآن حسابات محاكاة معقدة باستخدام واحدٍ من أسرع الحواسيب الفائقة في أوروبا "حاسب يوليتش الفائق JUQUEEN"، وتهدف تلك الحسابات إلى استكشاف خواص مصدر التيراهرتز الجديدة.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات