ميكانيك الكم تتقدم نحو الإجابة عن أسئلة عميقة في نظرية الانفجار العظيم وغيرها

رصد السلوك الكمومي بالعين المجردة


للمرة الأولى على الإطلاق، يتم إثبات وجود السلوك الموجي لتكاثف البولاريتون (polariton condensate) عند درجة حرارة الغرفة في مختبر على الأحجام الماكروسكوبية. هذا التطور المهم في فهم الأجسام الكمومية والتلاعب بها ناتجٌ عن التعاون بين البروفسور ستيفان كِنا كوهين Stéphane Kéna-Cohen من البوليتكنيك في مونتريال، والبروفسور ستيفان ماير Stefan Maier والباحث المساعد قسطنطين داسكالاكيس Konstantinos Daskalakis من أمبريال كوليدج في لندن. وقد نُشر عملهم في المجلة العلمية المرموقة Physical Review Letters.



الأجسام الكمومية مرئية للعين المجردة


تخبرنا ميكانيك الكم أن الأجسام لا تعاني من السلوك الجسيمي فحسب، وإنما تعاني كذلك من السلوك الموجي، وبالتالي، فإنّ لديها طولاً موجياً يتناسب عكسياً مع سرعة الجسم، وفي العادة، لا يُمكن رصد هذا السلوك إلا عند الأحجام الذرية.

على أي حال، هناك استثناء وحيد ومهم: فبالنسبة للبوزونات (bosons)، وهي جسيمات من نوعٍ خاص يُمكنها التجمّع معاً بأعدادٍ كبيرة في نفس الحالة الكمومية (quantum state)، من الممكن أن تُشكل أجساماً كمومية ماكروسكوبية الحجم تُعرف بـ"تكاثفات بوز-آينشتاين" (Bose-Einstein condensates).


توجد هذه الأجسام عند جذور بعض الظواهر الأكثر إذهالاً في الفيزياء الكمومية، مثل الميوعة الفائقة (superfluidity) والموصلية الفائقة (superconductivity). الأهمية العلمية لتلك الأشياء عظيمةٌ جداً لدرجة أنه بعد وضعها نظرياً بحوالي 70 سنة تقريباً، حصل الباحثون إريك كورنل Eric Cornell وفولفغانغ كيتيرل Wolfgang Ketterle وكارل وِيمان Carl Wieman على جائزة نوبل للفيزياء في العام 2001.



مصيدة لأشباه الجسيمات


يتطلب وضع الجسيمات في نفس الحالة لاستخلاص تكاثفٍ ما درجةَ حرارة منخفضة عادةً، وتصل إلى مستويات قريبة من الصفر المطلق، وهي شروط يُمكن تحقيقها فقط بوجود تقنيات مخبرية معقدة ومعدات تبريد مرتفعة التكاليف.


يقول السيد داسكالاكيس: "على النقيض من الأعمال التي أُنجزت حتى الآن، والتي استَخدَمت بشكلٍ رئيسي الغازات الذرية فائقة البرودة (ultracold atomic gases)، يسمح عملنا بإجراء دراسات شاملة للتكاثف في أنظمة المادة الكثيفة تحت شروطِ الوسط المحيط". ويذكر داسكالاكيس أن هذا الأمر يُمثل خطوة مهمة نحو إجراء المزيد من المشاريع الفيزيائية التي كانت حتى وقتٍ قريب نظريةً فقط.


لإنتاج تكاثفٍ عند درجة حرارة الغرفة، صنع فريق مونتريال وأمبريال كوليدج في البداية جهازاً يسمح للبولاريتونات بالوجود (وهي أشباه جسيمات هجينة جزءٌ منها ضوءٌ وجزؤها الآخر مادة).

يتألف الجهاز من فلم رقيق من جزيئات عضوية بسماكة 100 نانو متر، وهذا الفلم موجود بين مرآتين مثاليتين تقريباً. أنجز الفريق التكاثفَ عبر إثارة عدد كافٍ من البولاريتونات باستخدام ليزر، وبعد ذلك، قاموا برصده عبر الضوء الأزرق الذي يُصدره. قد تكون أبعاد هذه الظاهرة قريبة من حجم شعرة الإنسان، وهو حجم عملاق عند المستويات الكمومية.

يقول البروفسور كِنا كوهين: "حتى يومنا هذا، تستمر معظم تجارب البولاريتونات باستخدام أنصاف النواقل البلورية فائقة النقاوة، لكنّ عملنا برهن على إمكانية استخلاص سلوك كمومي باستخدام مواد غير مرتبة وغير نقية مثل الجزيئات العضوية، ويسمح هذا الأمر بميزة إجراء عمليات تصنيع أبسط بكثير، وأقل تكلفة بكثير أيضاً".



حجم التكاثف عامل مُقيد


بالإضافة إلى الرصد المباشر للسلوك الموجي لتكاثف البولاريتونات العضوية، بيّنت التجربة للباحثين أنه ليس باستطاعتهم في النهاية تجاوز ما يُعادل 100 ميكرو متر. وخلف هذا الحد، يبدأ التكاثف بتدمير نفسه، والتشظي، وصنع دوامات.

نحو مستقبل ليزرات البولاريتون والترانزستورات البصرية


في تكاثفٍ ما، تتصرف كُل البولاريتونات بنفس الطريقة كما هو الحال تماماً مع الفوتونات في الليزرات، وتمهّد دراسة التكاثفات الموجودة عند درجة حرارة الغرفة الطريقَ أمام التقنيات المستقبلية المهمة مثل ليزرات البولاريتون الميكروية (polariton micro-lasers) وذلك باستخدام مواد عضوية منخفضة التكاليف، وهو أمر أكثر فعالية بكثير ويتطلب طاقة تنشيط أقل مقارنة بالليزرات التقليدية. كما أن الترانزستورات عالية الطاقة، المُغذاة بالكامل بالضوء، تُعتبر من بين التطبيقات المحتملة لهذا البحث.

يتوقع فريق البحث أن التحدي الرئيسي التالي في مجال تطوير مثل تلك التطبيقات سيتمثل في استخلاص عتبة تكاثف جسيمية (particle-condensation threshold) أقل بحيث يُمكن استبدال الليزر الخارجي المستخدم في الضخ بمضخات إلكترونية عملية أكثر.



أرضية خصبة لدراسة أسئلة أساسية


وفقاً للبروفسور ماير، يخلق هذا البحث أيضاً منصة لتسهيل دراسة أسئلة أساسية في ميكانيك الكم، ويُعلق على الأمر قائلاً: "إنها مرتبطة بالعديد من الجوانب المذهلة والحديثة في فيزياء الأجسام العديدة (many-body physics)، مثل تكاثف بوز-أينشتاين والميوعة الفائقة، وهي مواضيع تأسر العامة أيضاً".

يستنتج البروفسور كينا كوهين قائلاً: "على سبيل المثال، أحدُ الجوانب المذهلة هو الانتقال الاستثنائي بين حالة جسيمات غير متكاثفة، وتشكل التكاثف. تُمثل فيزياء هذا الانتقال، عند الأحجام الصغيرة، خطوةً مهمة في تشكل الكون بعد الانفجار العظيم (Big Bang)".

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات